الصارم والهادئ والمتحفز

الخبر: أنهي المحقق الكندي بليمار تحقيقاته الخاصة بقضية إغتيال الحريري، وأعلن عن بدء إجراءات المحاكمة النهائية في لاهاي.
التعليق:
كتبه للمفكرة/ شريف عبد العزيز
shabdaziz@hotmail.com
مفكرة الإسلام : هذا ليس عنوان فيلم من أفلام آلة الدعاية الخارقة الغاسلة للأدمغة ـ هوليود ـ وإن كانت القضية وأحداثها وفعالياتها المتداخلة حتى الأن تعد فليماً شديد الإثارة والغموض ، ويترقب الجميع حل ألغازه، ومعرفة الجاني والنهاية السعيدة لهذا الفيلم ، كما أنه ليس عنواناً لقصة من قصص التشويق البوليسية ، وإن كانت تحمل في طياتها كل عناصر الحبكة الدرامية والتسلسل القصصي الذي يدفع القارئ لمعرفة الجاني بكل تلهف ، هذا العنوان هو حال ما انتهت إليه الأمة الإسلامية من تلاعب العديد من الأطراف الداخلية والخارجية بمقادير الأمة ، والعبث بقضاياها المصيرية ، والإستهانة بالأرواح والممتلكات و المصالح العامة من أجل تكريس الهيمنة والمصلحة الخاصة ، والحفاظ علي نقاط التوتر وبؤر العنف الطائفي والديني والقومي ، قيد التهاب والاحتقان ، مما يسهل عملية التدخل في الشئون الداخلية للبلاد المسلمة في هذه البقعة الحساسة من العالم ، وذلك لهدف أسمي ، ألا وهو تكريس التفوق الإسرائيلي علي دول المنطقة ، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً واستراتيجياً .
القضية التي وقعت منذ أربع سنوات قد مرت بعدة أطوار تسارعت وتباطأت فيها وتيرة الأحداث حسب هوى اللاعبين المتحكمين في القضية كما يلي:
| شكلت مسألة اختيار المحقق الألماني ديتليف ميليس الملقب بالمتحفز لتولي القضية إشارة ضمنية للاتجاه الذي ستسير عليه التحقيقات، لتاريخ الرجل المليء بالمواقف المتحاملة والمتشددة تجاه العالم الإسلامي، وتأييده المعروف للكيان الصهيوني |
1ـ مرحلة المحقق الألماني ديتليف ميليس الملقب بالمتحفز ، وقد شكلت مسألة اختياره لتولي القضية إشارة ضمنية للاتجاه الذي ستسير عليه التحقيقات ، لتاريخ الرجل المليء بالمواقف المتحاملة والمتشددة تجاه العالم الإسلامي ، وتأييده المعروف للكيان الصهيوني ، وقد ظهر هذا جلياً من تصريحات الرجل الذي أعلن مبكراً عن توصله للجهة المنفذة لعملية الإغتيال ، وذلك قبل استكمال التحقيقات ، حيث وضع افتراضية استباقية للقضية عن تورط مسئولين أمنيين لبنانين في التنفيذ ، وأنهم لم يقدموا علي العملية إلا بعد موافقة مسئولين أمنيين سوريين كبار في القضية ، وعلي أساس هذه الفرضية راح ميليس يتعسف في جمع المعلومات ، وتوجيه الإتهامات من أجل إدانة أطراف بعينها ، ولما أعوزته الأدلة لجأ إلي أخس الطرق و أحقرها، ألا وهي طرق العالم الثالث العامر بالديكتاتوريات ، من الفبركة ولي الذراع والبلطجة في انتزاع الإعترافات ، وبسبب هذه الأساليب المفضوحة ، زادت الضغوط الدولية علي الأمين العام للأمم المتحدة وقتها كوفي عنان ، وعلي ميليس نفسه الذي شعر بحراجة موقفه فاضطر للتخلي عن القضية ، وكان رحيله أشبه بفضيحة دولية تحتاج لمداواتها بسرعة إزالة آثار التعنت الفاضح لميليس ، فكان تعيين البليجكي براميرتس.
| ثم جاءت مرحلة تبريد الجبهات وفيها تولى التحقيق المحقق البلجيكي سيرج برايمرتس، الملقب بالهادئ، وتأكيدًا على مراد التهدئة والإبطاء، لم يستكمل ما بدأه سلفه المتحفز، بل بدأ التحقيقات من المربع رقم واحد |
2ـ المرحلة الثانية مرحلة تبريد الجبهات، وتهدئة وتيرة الأحداث، واللجوء إلي تنييم القضية لأجل مسمي، وفيها تولي التحقيق المحقق البلجيكي سيرج برايمرتس ، الملقب بالهادئ ، وتأكيداً علي مراد التهدئة والإبطاء ، لم يستكمل ما بدأه سلفه المتحفز ، بل بدأ التحقيقات من المربع رقم واحد ، واتبع أسلوباً هادئاً ناعماً ، طمأن به الجهات التي سبق وأن أدانها ميليس ، خاصة سوريا التي أبدي المسئولون فيها ارتياحاً لأسلوب برايمرتس في التحقيق ، وبعد شهور من المراوحة بين الأقدام ، أعلن في نهايتها المحقق البلجيكي عن الحاجة لمزيد من الوقت لاستكمال التحقيقات ، فكان كما قالت العرب قديماً عرف الماء بعد الجهد بالماء، وأنه سوف يترك المجال لشخصية جديدة تستكمل القضية بفكر جديد ، وعقلية مختلفة ، من ثم كان تعيين الكندي بليمار الملقب بالصارم .
| المرحلة الثالثة، وهي مرحلة إعادة التصعيد مرة آخري مع سوريا وحلفائها داخل لبنان ، وتسريع وتيرة الأحداث تمهيدًا لتوترات طائفية وسياسية داخل لبنان، هذا البلد الذي لا تهدأ نائرة الطائفية فيه، وداعي الفتنة له فيه سوق رائجة وبضاعة نافقة، وعودة موسم الاغتيالات السياسية التي لا يكون الجاني فيها مجهولاً ، وتلقي اللائمة فيها عادة علي سوريا وحلفائها |
3ـ المرحلة الثالثة ، وهي مرحلة إعادة التصعيد مرة آخري مع سوريا وحلفائها داخل لبنان ، وتسريع وتيرة الأحداث تمهيدًا لتوترات طائفية وسياسية داخل لبنان، هذا البلد الذي لا تهدأ نائرة الطائفية فيه، وداعي الفتنة له فيه سوق رائجة وبضاعة نافقة، وعودة موسم الاغتيالات السياسية التي لا يكون الجاني فيها مجهولاً ، وتلقي اللائمة فيها عادة علي سوريا وحلفائها ، والتي دشنت باغتيال الرائد وسام عيد ضابط الإتصالات المكلف بالتنسيق مع لجنة التحقيق الدولية ، وذلك في مطلع سنة 2008، ثم التوتر الطائفي الكبير الذي حدث في بيروت بسبب عدوان الشيعة الروافض علي أهل السنة بالمدينة ، والتحرشات المستمرة من جانب الشيعة في الجنوب وكيانهم المسمي حزب الله بأهل السنة ، ومن جانبه أعلن بليمار عن نيته لاستكمال عمل سلف سلفه ـ ميليس ـ وأكد بصورة أو بآخري علي أن الضباط الأربعة الموقوفين منذ أيام ميليس ، سوف يذهبون إلي قاعة المحكمة في لاهاي ، لتأخذ العدالة مجراها بزعمه ،وأنه لا عصمة أو حصانة لأحد في القضية حتى لو كان رئيساً للجمهورية ، إشارة إلي فتح باب الإحتمالات لطلب الرئيس السوري الأسد للمثول أمام المحكمة ، ولا ندري لعله يلاقي مصير الرئيس السوداني البشير، فنجده بعد قليل مداناً بقرار من جلاد الجنائية الدولية أوكامبو، وبعد 288 مقابلة مع العديد من الأطراف اللبنانية خلال فترة تحقيقاته ، حزم الرجل الصارم أمتعته وملفات تحقيقاته ، مودعاً لبنان ، متجهاً إلي لاهاي ليبدأ فعاليات محاكمة الجناة الذين لا يدري أحد حتى الأن على وجه التحديد من هم ؟
هذه المراحل المتتابعة التي مرت بها التحقيقات في قضية اغتيال الحريري الذي أفضي إلي ربه ، تكشف لنا بجلاء عن كيفية إدارة اللعبة الدولية ، وتسريع وإبطاء مسار الأحداث ، حسب مستجدات الحال ، فالقضية مهما يقال عنها من جانب المؤيدين والمعارضين لها ، تبقي قضية ملتهبة وشديدة الحساسية، يحسن أعداء الأمة استغلالها ، واللعب علي أوتارها ، تبقي قضية سياسية دولية في المقام الأول ، ويبقي هدفها الحقيقي تكريس الهيمنة والسيطرة علي المنطقة ، وضمان التفوق الإسرائيلي على دول المنطقة ، وإبقاء لبنان قيد أزمات سياسية وطائفية ، ورهين صراعات لا تنتهي بين قوى موالاة ومعاداة ، تجعل هذا البلد الصغير قنبلة موقوتة ، والأطراف المتداخلة فيه علي صفيح ساخن ، ولذلك فمن المرجح ألا يقفل ملف هذه القضية في الوقت القريب ، لأن الهدف منها لم يتحقق بعد ، ولا ندري لعلنا نري بعد المتحفز ثم الهادئ ثم الصارم ، وافداً جديداً اسمه الحازم أو العاقل أوالمقدام أو الهمام أي اسم آخر ، فلا يهم طالما أبناء الأمة مازالوا تحت اسم الغافل العاجز ، فعندها فليفعل أعداؤنا ماشاءوا بنا.