وزيرستان.. والقبضة الغبية

الخبر:
مفكرة الإسلام : قصفت طائرات باكستانية مسلحين في منطقة جنوب وزيرستان العشائرية على الحدود مع أفغانستان اليوم الثلاثاء، وذلك في ظل تزايد وتيرة الاستعداد لشن حملة برية واسعة النطاق على هذه المنطقة.
التعليق:
أحمد عباس
لا تزال الحكومة الباكستانية ماضية في طريق التصعيد مع الإسلاميين في البلاد من خلال التركيز على الحل العسكري الكاسح في التعامل مع المناطق العشائرية المتاخمة للحدود مع أفغانستان، والتي كانت مسرحًا للعديد من المواجهات الدامية والصراعات على مدى السنوات الماضية.
لقد كانت رموز الحكومة الباكستانية التي تشكلت في أعقاب فوز التحالف الذي قاده حزب الشعب الباكستاني تلمح في العديد من المناسبات إبان فترة حكم الزعيم السابق برفيز مشرف إلى أن الإستراتيجية المتبعة في التعاطي مع أزمة المنطقة القبلية خاصة إقليم وزيرستان هي إستراتيجية قاصرة بسبب أنها تتبنى النهج العسكري والقبضة الحديدية الباطشة فحسب بدون الالتفات إلى جو التوتر في هذه المنطقة.
وكانت قيادات حزب الشعب الباكستاني دائمًا ما تستنكر رضوخ الرئيس السابق برفيز مشرف لإرادة الدول الغربية في استمرار القصف الجوي العشوائي على المناطق التي يعيش فيها المدنيون الأبرياء في منطقة وزيرستان، وتعهدت هذه القيادات بأنها في حالة فوزها بالوصول إلى السلطة ستتبنى خيار التفاوض مع الإسلاميين المتحصنين في هذه المنطقة على أمل إنهاء دوامة العنف والصراع الشرس الذي لا يخدم مصلحة باكستان العليا في نهاية المطاف.
التحريض الأمريكي مستمر
وعلى الرغم من استمرار حركة طالبان الباكستانية في تنفيذ هجماتها المسلحة والتفجيرات التي تطال المراكز الأمنية والمقار العسكرية بالإضافة إلى خطوط إمدادات قوات الاحتلال التي تقودها منظمة حلف شمال الأطلسي في أفغانستان، إلا أن الحكومة الباكستانية لازالت تصر على التجهيز لحملات عسكرية متلاحقة ضد مناطق القبائل، وذلك على الرغم من تحذيرات الخبراء والمراقبين من أن مثل هذه الضربات لا يمكن أن تقضي بشكل مبرم على قوة المقاتلين الإسلاميين في حركة طالبان المحلية.
لقد جاءت تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون مؤخرًا وعقب العملية الكبيرة التي نفذتها طالبان الباكستانية ضد مقر تابع للقوات الباكستانية في روالبيندي، لتصب مزيدًا من الضغوط على عاتق الحكومة الباكستانية لأنها تصريحات اتسمت بالتحريض الواضح من أجل توجيه ضربات عسكرية جديدة لمنطقة وزيرستان التي لا يزال المواطنون فيها يعانون من جراء الحملات التي نفذتها الحكومة ضدهم في السابق.
لا تدرك الحكومة الباكستانية حتى الآن أن حالة التصعيد العسكري ضد المقاتلين الإسلاميين الموالين لحركة طالبان المحلية لن تخدم سوى مصلحة بعض القوى الخارجية من بينها الولايات المتحدة التي تحاول الدفع بمزيد من القوات العسكرية الإضافية في أفغانستان وتتخذ في العديد من الأحيان ذريعة أن هناك خطرًا في أفغانستان يتهدد الأمن القومي الباكستاني ويتمثل في تعاظم قوة الإسلاميين المتضامنين عبر حدود البلدين.
الحل السلمي يسمح باليقظة في مواجهة الهند
ولا تتنبه الحكومة الباكستانية حتى الآن لحقيقة أن الهند تواصل تنمية قدراتها العسكرية وتقوم بإجراء التجارب الصاروخية النووية من أجل تعزيز قدرتها في مواجهة يعتبر المراقبون أنها حتمية مع إسلام آباد مستقبلاً.
ولمحاولة إسكات مخاوف الدول الغربية بخصوص المخزون النووي الباكستاني فإن الحكومة الحالية لا تتردد في الاستجابة لأي ضغط يمارس عليها لقطع كل فرص التوصل إلى حلول سلمية مع حركة طالبان المحلية لتجنيب المنطقة العشائرية ويلات حملات عسكرية جديدة لن تسفر سوى عن أعداد ضخمة من الضحايا الأبرياء فضلاً عن مزيد من الاحتقان السياسي والخسائر الاقتصادية لباكستان.
لقد أجمع كل الخبراء في مجال الإستراتيجية والحركة الإسلامية على فشل الحل العسكري في التعامل مع منطقة وزيرستان، أو محاولة اجتثاث جذور مقاتلي حركة طالبان، وأكدوا أن كل حملة عسكرية جديدة ضد هذه المنطقة ستتبعها بدون شك ردود فعل أشد عنفًا وتظل البلاد تخرج من دوامة عنف دموية إلى دوامة أخرى أشد خطورة.
وتدعو بعض القوى السياسية في باكستان الحكومة إلى التخلي عن أسلوب القبضة الحديدية في التجاوب مع هذه الأزمة والجلوس إلى مائدة التفاوض مع حركة طالبان، لاسيما وأن الماضي يشهد بإمكانية تحقيق هدنة بين الطرفين وذلك تمهيدًا إلى إحراز اتفاق سلام حقيقي يحقن الدماء ويسمح لباكستان بالتنبه إلى الخطر الخارجي المحدق.