سلسلة إدارة التغيير... (1) التعريف والمفهوم

مصطفى كريم
"المؤسسة الناجحة هي المكان الذي يكتشف فيه الناس باستمرار كيف يمكنهم تشكيل الواقع وكيف يمكنهم تغييره"
بيتر سينج
التغيير صفة تلازم الحياة وبشكل مستمر، فالتغيير قانون الحياة، فالطبيعة والإنسان والمجتمع في تغيير مستمر، وتشير مفاهيم اللغة العربية إلى أصل كلمة تغيير من الفعل (تغير) أي تحول وتبدل.
وقد عرف بعض الباحثين التغيير بأنه تبديل في الوضع الراهن، أما كوتلر فقد عرفه بأنه: "جعل الأشياء مختلفة"، وكان ومازال التغيير سمة من سمات الحياة ولم يكن التغير ظاهرة استثنائية أو طارئة سواء كان في الحياة العامة أو في المؤسسات والمنظمات المعاصرة بل نشاطاً اعتيادياً وممارسة مألوفة تضطر المؤسسات القيام بها وتحمل نتائجها لذلك التغيير ومهيئة له، ومدركة لما ستؤول إليه أو متفاجئة وغير عارفة بنتائجه أو أثاره المستقبلية.
التغيير والتحديث والتطوير:
تشير أدبيات الإدارة بالرغم من وجود تداخل بين مفاهيم التغيير والتحديث والتطوير إلا أن كل مفهوم له معنى خاص به؛ ولتوضيح ذلك على النحو الآتي:
1. التغيير: يشير إلى الاستجابة المخططة من قبل الأفراد والجماعات والمجتمعات أو المؤسسات والحكومات لردود الأفعال التي يتركها التقدم العلمي والتطبيق بين اللحظة والأخرى.
2. التحديث: ويقصد به تهيئة المجتمع أو المنظمة أو المؤسسة ومنها المؤسسة التعليمية (المدرسة) مادياً ومعنوياً للتعامل مع معطيات العصر من خلال مواكبة التغيير الفاعل في المسارات كافة فنياً أو اجتماعياً ومؤسسياً والحث على أحداث هذا التغيير ما أمكن ذلك.
3. التطوير: وهو ما يمر به الإنسان والمجتمع بصورة عامة من مرحل انتقالية حتمية بمرور الزمن وبصورة عشوائية دون دراسة أو تخطيط أو استعداد.
وقد ربط البعض بين التطوير والتجديد بل أنه عدّ التطوير المقدرة الذاتية للمؤسسة على تجديد نفسها ويعد هذا هدفاً أساسياً ومحورياً في جميع برامج التطوير المؤسسي كافة.
في حين ربط آخرون بين مفهومي التغير والتطوير؛ أذ يرون التطوير يتضمن عناصر أساسية منها: اعتماد استراتيجيات سلوكية للتغير تهدف للتأثير في قيم العاملين في المؤسسة وأتجاهاتهم وسلوكهم، وذلك برسائل تدريبية لمديره ليؤدي ذلك التغيير إلى تحقيق الأهداف المنتظمة للمؤسسة.
التغيير والوطن العربي:
نحن كعرب نحتاج أكثر من غيرنا إلى الدراسات الميدانية في موضوع إدارة التغيير وإن كان التغيير المطلوب في منظماتنا ليس في الهياكل والأنظمة بقدر ما هو في العقليات وأساليب التفكير، نظرًا لسيطرة المصالِح، وتنفذ بعض العناصر الانتهازية داخل المؤسسات على حساب المصلحة العامة، ممّا يساهم في انتشار الفساد الإداري.
فعالمنا العربي اليوم أحوج ما يكون إلى مُنظمّاتٍ متطوّرة تقودها أدمغة ذات كفاءة عالية وقلوب مُخلصة، تجمع بين الجرأة و الحزم، هدفها الأول ضمان نجاح المؤسّسة داخل عالم يعجّ بالمنافسة، وهذا يتمّ بتنشئة عدد وفير من الأطر والقادة الذين يتميزون بمستويات معرفية قادرة على التسيير، وذات مهارات في الأداء تجْمع بين مُتابعة العلوم المُعاصرة ومراكمة الخبرات.
إلا أن ما يجدر التنبيه إليه هنا هو أنّ غالبية القادة الاداريين في بلداننا العربية لا يعون دور التغيير، وأنه أصبح علما قائما بذاته، له مدارسه الفكرية التي تُقعِّـد له وتضع له الأبحاث والدراسات، بل و تُقام له الندوات حيث تقدم فيه وصفاتٍ جديدة لمشاكل المؤسّسات ولأصحاب القرارت، فالإداريون العرب يتعاملون مع التغيير إباّن اصطدامهم به، مما يُعقد اتخاذ القرارات المناسبة، ويراكم المشاكل أكثر ويساهم في إصدار مواقف متذبذبة تؤثر على مردود المؤسّسة ومستقبلها.
لذا وجب على المدراء أن يعوا صعوبة المرحلة القادمة وأن يستوعبوا سُنة التغيير من حولهم، ويتعاملوا مع الإشكالات المطروحة ِوفقا لخططٍ مدروسة تعتمد المقاييس العلميــّة والدراسات الميـدانية والتواصل مع المؤسسات الأخرى والاستفادة من تجاربها وخبراتها.
ففي كتابه مدير القرن الحادي و العشرين يرى (دي كامب) أنّ الحياة الانسانيّة الحديثة تتميز بسُرْعة إيقاعها وكثرة مُستجداتها نذكر منها:
1. التواصُل والارتباط بين أجزاء هذا العالم، وتداخُل مصالحه وتطوّر نُظم المعلومات والاتصالات، حيْث أصْبح الكون قرية صغيرة.
2. ازدياد عدد المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، مثل البطالة ممّا أدّى إلى ظهور أهمية إدارة التغيير وإدارة الأزمات باعْتبارهما مهارتين من مهارات الإدارة الحديثة.
أساليب أحداث التغيير:
كشفت الدراسات والأبحاث الإداري عن عدد من الأساليب التي يمكن من خلالها للمدير إحداث التغيير في مؤسسته ومن هذه الأساليب:
1. القرارات الصادرة من الجهات التي تمتلك السلطة.
2. التغيير للهيكل التنظيمي وتغيير هيكل الصلاحيات والمسؤوليات في المؤسسة.
3. التدريب: إذ يمكن من خلاله تغيير أنماط السلوك والعادات والعلاقات بين الأفراد العاملين في المؤسسة باتجاه تطوير كفاية أداء العمل.
4. بناء الفريق: ويهدف هذا الأسلوب إلى تحسين طرائق عمل المجموعة وتماسكها ويكون التركيز على الفريق وزيادة فاعليتها بوصفها وحدة واحدة، وعلى تأثيره على سلوك الجماعة في سلوك الأفراد.
5. تدريب الحساسية: هذا الأسلوب التدريبي أسلوب مختبري بمعنى أن التدريب هو المختبر وأن العاملين في المؤسسة هم مادة الاختبار يخضعون لمجموعة من الضوابط والمعايير ذلك بهدف الوصول إلى نتيجة معينة تترك أثر ما في سلوكهم المستقبلي.
6. لعب الدور: يقوم على مساعدة المتدربين على تفهم ما يمكن أن يؤثر في القرارات التي يتخذها المدير من أجل أحداث التغيير في مؤسسته عن طريق تمثيل المواقف التي تعبر عن مشكلات الأخرين بطريقة دراماتكية ويهدف هنا إلى زيادة الوعي بأدوار الأخرين ومحدداتهم.
معايير التغيير:
لإنجاح أي عمل يتسم بالتغيير، لابد من وجود معايير وضوابط تحكم هذا التغيير كغيره من المتغيرات لكي يؤتي ثماره بصورة ملموسة، وهناك مجموعة من المعايير التي تضبط عملية التغير منها:
1. أن يلبي التغيير حاجات التطور الاجتماعي في ثقافة المجتمع.
2. أن يعكس التغيير في المؤسسات وإدارتها روح العصر ومعطيات التقدم العلمي والتقني.
3. أن يقدم التغيير حلولًا علمية وعملية وموضوعية لمشكلات المؤسسة وحاجاتها في كافة نواحي الحياة.
4. أن يحافظ التغيير في إدارة المؤسسات على الجوانب الإيجابية والعوامل ذات القيم المميزة.
5. أن يكون المسؤول عن إدارة التغيير على درجة عالية من الوعي بمطالب التنمية الشاملة في المجتمع وأولوياتها في التغيير وبرامجه.
العناصر التي يشملها التغيير:
يشير جيرلوف إلى أربعة عناصر يمكن أن يشملها التغيير أي مؤسسة وهي:
1. المهام.
2. التكنولوجيا.
3. الأفراد.
4. الهيكل التنظيمي.
من الخطر المجازفة في إحداث التغيير في إحداها دون المتغيرات الأخرى ككل وذلك لوجود حالة التفاعل الدائم في هذه العناصر.
ويمكن توضيح العناصر التي يشملها التغيير على النحو الآتي:
1. التغيير في المهام:
يأتي التغيير في المهام في المقام الأول بوصفها أحد العناصر التي يمكن أجراء التغيير فيها، أذ أن تغيير المهام أسهل من تغيير في السلوك المؤسسة إضافة إلى التصميم الجيد للأعمال يؤدي إلى تحسين أداء المؤسسة وتحقيق رضا أفضل عن العمل.
2. التغيير في التكنولوجيا:
وتشتمل على صنع أو استعمال الوسائل والألات ليس فقط من أجل إنجاز العمل، ولكن أيضًا من أجل تغيير السلوك؛ أي أن التكنولوجيا ليست آلات ومكائن وأجهزة فحسب، وأنما الأفراد ما يحملون من معارف وخبرات في استعمال تلك الوسائل.
3. التغيير في الأفراد:
تعد الموارد البشرية من أهم موجودات أية منظمة أو مؤسسة سواء كانت هذه المؤسسة إنتاجية أو خدمية؛ فإن تاريخ أي مؤسسة يعتمد على أفرادها وقدراتهم؛ لأن المهارات تعطي المؤسسة ميزة تنافسية بعد إعادة هيكلة المؤسسة على صعيد الموارد البشرية؛ فهي المفتاح لتحسين فاعليتها.
4. التغيير في الهيكل التنظيمي:
يقصد بالهيكل التنظيمي الطريقة التي بموجبها تنظم المؤسسات أو المنظمات مواردها البشرية لتحقيق أهدافها؛ فإن من الأسباب التي تدعو إلى أحداث التغيير في الهيكل التنظيمي والبيئة الخارجية ومتطلبات التكيف لها والاستجابة لطلباتها والعوامل الداخلية التي تنشأ من حاجة المؤسسة لحل مشكلاتها الداخلية، وقد أشارت دراسات كثيرةإلى آثار الهيكل التنظيمي في الأفراد وسلوكياتهم؛ إذ لوحظ أن العاملين يرتبطون بالمؤسسة أو المنظمة بشكل أكثر ويزداد رضاهم عن العمل عندما تتوفر الفرص الكافية لممارسة مسؤولياتهم وتحقيق أندماج أكبر مع أعمالهم.
وختامًا:
فلم تعد دراسة إدارة التغيير ترفًا فكريًا أو زيادة علم، فلا يمكن تجاهل المحيط الجديد، وما فرض فيه من رهانات صعبة، وتحديّات لم نعهدنا من قبل ممّا يدفعنا إلى التفكير بجدية إلى تبنّي تصور حضاري جديد وشامل بعيد عن نمط الفوضى والنزاعات المألوفة.
أهم المراجع:
1. واقع ادارة التغير لمديري أعداديات الصناعة في محافظة بغداد من وجهه نظر المدررسين، بسلم علي
2. إدارة التغيير في منظمات الأعمال ... التجربة الماليزية نموذجًا، بهاء العسكري.
3. مدير القرن الواحد والعشرين، دي كامب.
4. رزمة إدارة التغيير، منظمة الأنروا.