سلسلة فن الجماعية (3) التوازن بين الفردية والجماعية 2

فريد مناع
تعرفنا في المقال السابق على الآثار الإيجابية للفردية والجماعية، بقى أن نتعرف في هذا المقال إن شاء الله على الآثار السلبية لطغيان الفردية أو الجماعية، وكيفية التوازن بينهما.
الآثار السلبية للفردية والجماعية الزائدة:
1. التسلط والاستبداد:
فهو ينشأ من بروز الفردية إلى حد الأثرة والأنانية والإعجاب، ثم الغرور والتكبر، ثم ترجمة هذا التكبر في صورة القهر والاستبداد والتسلط؛ فإن الإنسان الذي تبرز شخصيته ـ بانحراف ـ إلى حد الأنانية المرذولة أو الطغيان، لا يستطيع أن يعيش في وفاق مع الجماعة.
وهذه هي علامة من أصيب بهذا المرض؛ علامته أنه لا يستطيع التآلف مع الآخرين، وبالتالي تجده دائمًا شاذًا منبوذًا عن المجموع، لا يطيق أحد التعامل معه، وما له من خليل ولا صديق حميم، ولا مخرج لأمثال هؤلاء مما هم فيه إلا التواضع وخفض الجناح واللين.
2. الكسل والخمول:
وهو ينشأ من تلاشي الفردية وبروز الجماعية، حيث لا يصبح للشخص هم ولا هدف يريد تحقيقه ولا حرص على الإنجاز، بل يفقد إيجابيته وشعوره بذاته، وشعوره أنه يريد تحقيق شيء، ويصبح شخصًا سلبيًّا لا هم له سوى السير مع المجموع، والترديد معهم كما يرددون.
وتجده مشغولًا بالقضايا التافهة ومنغمسًا في مشاكل ومشاغبات تافهة مع الآخرين، لماذا نظر فلان هذه النظرة؟ ما الذي يقصده فلان من وراء هذه الكلمة؟ وغيرها من الأمور التي لا طائل من ورائها إلا تضييع الوقت والتهرب من المسؤوليات والأعمال؛ مما يؤدي في النهاية إلى الترهل والكسل وفقد الحمية والعزم الموصلين إلى الأهداف.
3. الالتزام الأعمى:
وهو أيضًا ينشأ من تلاشي الفردية وبروز الجماعية، وهذه الانضباط الأعمى يتمثل في اتباع الآخرين دون أي تمييز بين الصواب والخطأ، أو اقتراح للتعديل، أو مشاورة في الأمر.
وينتج عن مثل هذه الطاعة العمياء وجود التسلط والاستبداد والقهر؛ مما يؤدي إلى إهدار العقول والطاقات وعدم الاستفادة منها.
بين الأنا والنحن:
ذكرنا من قبل أن علينا مراعاة التوازن بين الفردية والجماعية، وذلك بداية بأن نعلم بأن الإنسان بفطرته يحتوي على هاتين الغريزتين، وأنه لا بد من تحقيق التوازن بينهما.
وحتى يحقق الإنسان التوازن بين الفردية والجماعية؛ فلا بد أن يشعر الفرد بانتمائه للمجموع وولائه له، وفي الوقت ذاته يشعر أنه جزء من هذا المجموع و أنه كيان إيجابي فيه، وأنه جزء من قوته، إلا أن قوته وحده لا تساوى شيئًا لو تركت وحدها، وإنما يجب أن تنضم وتتحد مع قوى الآخرين لتوليد قوة أعظم.
وحتى يتم هذا الاتزان بين الفردية والجماعية فلا بد من مجموعة من العوامل نلخصها فيما يلي:
1. الفهم أو الوعي:
فلا بد أن يفهم الفرد ضرورة المجموع وأهميته في حياته، وضوابط العمل معه، وواجباته تجاه ذلك المجموع وحقوقه في ظل وجوده مع المجموع.
فإن هذا الفهم يجعله حريصًا على لزومه، وعدم التخلي عنه، مهما تكن الظروف والملابسات، وهو كذلك يحمله على الالتزام بضوابط العمل معه، وبذل أقصى ما في وسعه وما في طاقته ليبقى للمجموع الاستمرار، وليتحقق له النجاح، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى يجب أن يفهم المجموع، منزلة ومكانة الفرد فيه، وحقوق الفرد عليه، وأثر تمكينه من نيل هذه الحقوق.
كما عليه أن يدرك أن أي فرد داخل المجموع هو قوة إيجابية فاعلة يجب استغلالها الاستغلال الأمثل، وتفريغ طاقاتها فيما يؤدي إلى تحقيق هدف المجموع.
فإن هذا الفهم يحمل المجموع على أن يحرص على الفرد، ويستغل طاقاته وإمكاناته، ولا يتخلى عنه إلا إذا تأكد له أن وجوده سيكون عنصر تعطيل لمهمته أو رسالته.
و بذلك يتضح لنا؛ أن الفهم أو الوعي هو الركن الأساس الذي تؤسس عليه عملية التوازن بين الفردية والجماعية.
2. المشاركة الفعالة:
وذلك بأن يكون الفرد إيجابيًا في وسط المجموع، يقوم بواجباته التي عليه القيام بها، ولا يتأخر عن واجب النصيحة للآخرين في ثوبها اللائق بها، ويحرص على إعمال للفكر، وإبداء الرأي بما يعود على المجموع بالخير والمصلحة.
3. رعاية المجموع للفرد:
فعلى المجموع أن يقوم بواجبه نحو الفرد من رعايته المتمثلة في إعطائه حقه، والسؤال عنه وعلاج ما يعترض طريقه من صعاب، وعقبات، وإعمال كل طاقاته ومواهبه فيما يناسبها من ميادين ومجالات والإجابة عن تساؤلاته أو استفساراته، والنظر في آرائه ومقترحاته بعين التقدير والاعتبار.
ولذا لابد من اهتمام المجموع بالفرد، فكما يقول الدكتور إبراهيم الفقي: (إن لكل إنسان قلادة خفية تتدلى على صدره مكتوب عليها: اجعلني أشعر بالأهمية).
4. استشعار المسؤولية:
يجب على الفرد أن يستشعر المسئولية الفردية والجماعية، وذلك بأن يستشعر بأنه مسئول مسئولية خاصة عن أداء دوره، وتحقيق الهدف المطلوب منه.
كما عليه أن يستشعر كذلك أنه مسئول مسئولية شخصية عن هدف المجموع، وأن عدم تحقيق المجموع للهدف المطلوب إنما يرجع جزء منه إلى تقصيره هو، لأنه مسئول عن تحقيق هدف المجموع مع الآخرين وليس مسئولًا عن تحقيق دوره فحسب.
وقد تكلمنا من قبل كيف أن لعبة كرة القدم ـ أو الألعاب الجماعية عمومًا ـ تعتبر مثال جيد لذلك.
فلكي يحصل الفريق على الفوز، يجب على كل عضو من أعضائه أن لا يكتفي بمجرد أداء دوره في الملعب بشكل جيد؛ بل عليه أن يكون مستشعرًا مسئولية تحقيق الفوز للفريق، وأن يبذل كل جهده لتحقيق فوز الفريق؛ لأنه في نهاية الأمر إن أدى دوره بنجاح بنسبة 100% لكن خسر الفريق في النهاية، فلا قيمة لكل ما بذله.
ابن مسعود رضي الله عنه على درب التوازن:
وانظر إلى هذا المثال البسيط والرائع معًا، في التوازن بين الفردية والجماعية، فعن قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم صدرًا من خلافته، كانوا يصلون بمكة وبمنى ركعتين، ثم إن عثمان صلاها أربعًا.
فبلغ ذلك ابن مسعود رضي الله عنه فاسترجع ـ أي قال إنا لله وإنا إليه راجعون ؛ حزنًا على ذلك، ثم قام فصلى أربعًا، فقيل له: استرجعت ثم صليت أربعا؟ قال: الخلاف شر) [رواه أبو داود وصححه الألباني].
في هذا الموقف البسيط يتضح لنا كيف كان الصحابي الجليل ابن مسعود رضي الله عنه متوازنًا بين فرديته وجماعيته، فعلى الرغم من اعتراضه على الصلاة أربعًا واختلافه مع عثمان رضي الله عنه في ذلك, واتضح ذلك من خلال استرجاعه, إلا أنه في النهاية قام وصلى أربعًا للحفاظ على وحدة الصف وحتى لا تحدث فرقة بين الصحابة، وظهر ذلك في تعليله حيث قال: (الخلاف شر).
وهكذا يعلمك ابن مسعود رضي الله عنه كيفية التوازن وهو أن عليك أن تبدي وتشارك برأيك، ولكن إذا حدث اختلاف في الاجتهاد وأخذ المجموع برأي غير رأيك، فما عليك إلا أن تنفذ معهم ذلك الرأي على اقتناع تام به كأنه رأيك بالضبط,
لأن التزامك بهذا الرأي الجماعي, وحتى ولو كان يخالف الصواب, أفضل وأصوب بكثير من أن تنعزل وحدك برأي فردي مهما كان ذلك الرأي، فكما قيل قديمًا: (كدر الجماعة خير من صفو الفرقة).
وختامًا تذكر قول الأستاذ محمد قطب: (في أشد اللحظات فردية يحمل الإنسان في قلبه مشاعر تربطه بالآخرين، وفي أشد اللحظات جماعية يحس بأنه على الأقل هو الذي ينفذ الجماعة بذاته، بكيانه الفردي).
مواقف وتحليل:
إليك مجموعة من المواقف التي قد تحدث لك يوميًّا، والمطلوب منك تحديد السبب من وراء هذا الموقف من بين أربعة أسباب مقترحة:
1. أثر إيجابيٌّ للفردية المتزنة.
2. أثر إيجابيٌّ للجماعية المتزنة.
3. أثر سلبيٌّ للفردية الزائدة.
4. أثر سلبيٌّ للجماعية الزائدة.
فمثلًا إن قال أحدهم: أنا أحب عملي بشدة، وحريص على إنجاز أهدافي في الأوقات المحددة.
السبب : أثر إيجابي للفردية المتزنة.
والآن إليك التدريب:
1. الموقف الأول:
تعطلت ماكينة الإنتاج التي تعمل عليها، فجاءك رئيسك في العمل فساعدك على إصلاحها، ثم وضح لك الخطأ الذي حدث بسببه ذلك العطل لتتجنبه بعد ذلك.
السبب:...........................................
2. الموقف الثاني:
أحد طلبة الثانوية العامة يسأل عن الكلية التي يريد الالتحاق بها، فقال: (أنا لا استطيع اتخاذ أي قرار في حياتي، أبي وأمي هما اللذان يقرران مثل هذه الأشياء، أما أنا فعليَّ أن أذاكر فسحب).
السبب:...........................................
3. الموقف الثالث:
قال بعض المديرين: (أنا أفضل إنسان في هذا الوجود، لا أحد يضاهيني في الذكاء والعبقرية، العالم كله يحتاج إلى عبقريتي الكامنة، وأنا لا أحتاج إلى أحد).
السبب:...........................................
4. الموقف الرابع:
سهرت أنت وزملاؤك في العمل طوال الليل؛ لإنهاء الإنتاج المطلوب منكم؛ لأن مديركم في العمل قال لكم: (لا تنصرفوا اليوم من العمل، حتى تنتهوا من الإنتاج المطلوب منكم).
السبب:...........................................
5. الموقف الخامس:
ذهبت مع زملائك في العمل يوم الأجازة إلى البحر، واستمتعتم بالجو هناك، وعدت من ذلك اليوم نشيطًا منتعشًا.
السبب:...........................................
6. الموقف السادس:
قال أحد الموظفين: (لقد تعلمت درسًا لا أنساه أبدًا من أحد زملائي في العمل، ألا وهو كيفية استخدام الحاسب في إدارة وقت العمل).
السبب:...........................................
7. الموقف السابع:
في أثناء أحد الاجتماعات، اقترح مدير الشركة استخدام الإعلانات التليفزيونية للترويج للمنتج الجديد، فرد عليه أحد الموظفين قائلًا: (لا أعتقد أن ذلك نافع في منتج جديد لم يشتهر بعد، وأنا أقترح الاعتماد في التسويق بشكل أكبر في البداية على مندوبي المبيعات).
السبب:...........................................
8. الموقف الثامن:
دخل المدير على موظفيه غاضبًا فقال: (ستنفذون جميع أوامري شئتم أم أبيتم، رضيتم أم اعترضتم، لسنا ها هنا في مؤتمر الأمم المتحدة للتشاور والنقاش، لا نريد تضييع الأوقات في مثل هذه الترهات، نريد عملًا وإنتاجًا لا يقف ثانية واحدة).
السبب:...........................................
9. الموقف التاسع:
قال أحد الموظفين: (لا أجد أي دافع يدفعني لإنجاز أي هدف، أحيانًا يكون عندي طموحات وأحلام أريد أن أحققها، ولكني للأسف لا أجد طاقة لتحقيق ذلك).
السبب:...........................................
أهم المراجع:
1. أسرار قادة التميز، د.إبراهيم الفقي.
2. دراسات في النفس الإنسانية، محمد قطب.