مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

الرئيس العاجي.. جزء من المشكلة أم جزء من الحل لأزمة البلاد؟!

6 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

إعداد: سارة عبد الحميد

مفكرة الإسلام : "إني على استعداد للمناقشة، ولكنني لست على استعداد نهائيًا للتفاوض". هكذا قام رئيس ساحل العاج "لوران جباجبو" بانتهاج موقف معادٍ أمام المجتمع الدولي، وذلك لعدم إظهار موقفه الضعيف أمام أعين الموالين له، في تلك التصريحات التي نقلتها عنه مجلة "بوليتيس" الباريسية.

وقد حاولت الأمم المتحدة البحث عن إيجاد حل سياسي لأزمة ساحل العاج التي أدت لانقسام البلاد منذ أكثر من أربعة أعوام إلى شقين: الحكومة والمتمردين, ويتم فصلهم بواسطة 12 ألف رجل مسلح فرنسي وأيضًا تابعيين للأمم المتحدة.

وقد قررت الأمم المتحدة تمديد الفترة الرئاسية من جديد والتي كان من المقرر لها أن تنتهي قبل يوم 31 أكتوبر، وذلك بعد أن تم تمديدها عامًا آخر في أكتوبر 2005، كما أنها كلفت الاتحاد الإفريقي والمجموعة الاقتصادية لدول غربي إفريقيا بتجميد الموقف. وكان من المنتظر وصول الوسيط النائب عن الاتحاد الإفريقي، رئيس جنوب إفريقيا "ثابو مبيكي"، إلى عاصمة ساحل العاج أبديجان، ولكن ما هدف هذه الزيارة إذا كان "لوران جباجبو" ليس على استعداد للتفاوض؟!

ويبدو أن أساس القرار في الأزمة كان بالفعل تقليص بعض سلطات الرئيس لتنتقل في صالح رئيس الوزراء الانتدابي "شارل كونان باني" الذي اختاره الحزب الرئاسي والمتمردون الذين يسيطرون على شمالي البلاد والمعارضة غير المسلحة. ويعمل هذا الرجل الذي لقي موافقة بالإجماع منذ بداية تعيينه في شهر ديسمبر الماضي، تحت إشراف "مجموعة العمل الدولية" التي أنشأتها الأمم المتحدة بهدف رفع العوائق أمام إحلال عملية السلام. وبعد عناء بدأت مفاوضات نزع أسلحة المتمردين والقوات الرئاسية ولكن دون الوصل إلى نهاية.

وكما ذكرت صحيفة "لو بيي" التي تصدر ببوركينا فاسو، فإن لوران جباجبو يأتي "للمرة الألف" ليضرب عرض الحائط بموقف المجتمع الدولي من خلال الأمم المتحدة، فهل سيكون ذلك الموقف الأخير، أم أن هناك المزيد؟!

ودائمًا لا يجد الرئيس العاجي مزيدًا من الكلمات القاسية لتحميل الأمم المتحدة كافة الأضرار مثلما وصف المجلس العام الذي انعقد في 10 سبتمبر والمخصص بدراسة ملف ساحل العاج بـ"المسرحية الهزلية".

وكان لوران جباجبو قد أشار بشكل صارم إلى أنه لن يذهب إلى نيويورك، قائلاً: "لا أستطيع دعم المسرحية الهزلية"، فهل يذكرنا الرجل التاريخي "لوران جباجبو" بالرجل الكبير الجنرال "دي جول" الذي وصف الأمم المتحدة بأنها شيء نكرة؟!

ويأتي تصلب موقف جباجبو بالتحديد في وقت بدأت فيه آلة الأمم المتحدة الضاغطة في الوصول إلى حاشية الرئيس مباشرة, بل حراسته السياسية القريبة ومحاميه المتشددين وحراسه. وحتى الآن، اكتفت الأمم المتحدة بفرض عقوبتها على محيط نظام الحكم، ولكن هذه المرة جاءت لتضرب في مقتل السلطة عندما قامت بالتنديد بـ"بسكال أفي نجوسان" رئيس حزب الجبهة الشعبية، وكذلك "مامادو كوليبالي" رئيس الجمعية الوطنية...

وقد بدأ لوران جباجبو بالتأكيد إدراك أن الخناق يضيق حوله، ويأتي من هنا رفضه للذهاب إلى "كانوسا" للشعور بالإذلال. ومنذ فترة فقد رئيس ساحل العاج الأشخاص الموالين له لدى العامة، ومن حين لآخر، لا يتوانى رئيس الدولة عن إخطار وتحذير قواته المدمنة لشعارات "وطنية" مناهضة للاستعمار (ولا سيما بالنسبة لفرنسا).

كل شيء يحدث كما لو كانت هذه القوات هي القطب الأوحد في حبها للوطن، وكما لاحظ أحد المحللين السياسيين الكبار، إذا كانت الديمقراطية لا يمكنها ولا ينبغي لها أن تفرض من الخارج، فإن الانتهاكات العامة لحقوق الإنسان يجب أن تظل السبب الوحيد الشرعي لتدخل عسكري جماعي، وبالأحرى تدخل قوات من جانب مجلس الأمن.

وبالتأكيد فإن وجود قوات الأمم المتحدة في ساحل العاج يعكس هذه الصورة، ومع الأسف اكتفت الأمم المتحدة حتى الآن بمراقبة الوضع وأصبحت متأثرة بجلجلة جباجبو الرئيس المنتخب بشكل ديمقراطي وحاشيته...

تمكن لوران جباجبو بشكل كبير من استغلال التسامح وأخطاء حسابات الأمم المتحدة التي مكنته من تمديد فترته الرئاسية وتزويد العقوبات، ما سمح للرئيس بتجاهل الصفة الاستثنائية في وضع ساحل العاج والتلويح دائمًا بشرعيته من خلال الدستور، وكذلك إعلانه حل الجمعية الوطنية موافقًا على عودة النواب لتولي الحكم في برلمان وهمي..

وحسبما ذكر موقع "أولالا" الفرنسي، قدتم إنشاء منظمة الأمم المتحدة وفقًا لميثاقها "لحماية الأجيال القادمة من آفة الحرب"، والكشف عن هذا التحدي يعد العامل الذي يحظى بأهمية بالغة في المنظمة وعلى نطاق واسع تمثل معيارًا يساعد الشعوب التي تخدمها في الحكم عليها.

وخلال هذه الأيام الماضية، تذوقت منظمة الأمم المتحدة العديد من حالات الفشل أمام هذا التحدي، لم تعد بعد اليوم قادرة على أداء أفضل ما عندها، فالوضع الحالي في أزمة ساحل العاج يهدد بمعرفة نتائج غير محسوب لها إذا كان المجتمع الدولي يخاطر بحياته عند اتخاذه المخاطر على محمل غير الجد، تلك المخاطر التي تؤثر على مسيرة السلام في ساحل العاج وفي منطقة غربي إفريقيا.

وفي الوقت الذي يبحث فيه شعب ساحل العاج عن إحلال السلام عقب أربعة أعوام من الأزمات، يظل التساؤل الأساسي الذي يشغل بال العديد من المسئولين هي كيفية إخراج الرئيس لوران جباجبو خارج اللعبة، وانتزاع حقوقه الدستورية وتهميشه واستبعاده من اللعبة السياسية.

ويهدف هذا القلق إلى كسر العقبة الكبرى التي تتمثل في قيام لوران جباجبو بتنفيذ استراتيجية مجموعة من كبرى الدول الاستعمارية السابقة التي تسيطر على الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وتعتمد هذه الاستراتيجية على:

· وقف تدفق الهجرة من الجنوب للشمال، من إفريقيا إلى أوروبا:

وذلك من خلال إنشاء مناطق استقبال في إفريقيا ذاتها، في إطار بعض الدول الغنية مثل ساحل العاج التي استقبلت مهاجرين بنسبة تبلغ أكثر من 26% من إجمالي سكانها.

* الدفاع عن المصالح الاقتصادية للدول القوية:

وقد اتضحت هذه المصالح الاقتصادية من خلال السيد "كوفي أنان" الأمين العام بالأمم المتحدة في بيانه الأخير الذي يحمل عنوان: "أسباب الصراع والحث على إحلال سلام وتنمية دائمة في إفريقيا".

ويأتي بالفعل في الفقرة الثالثة عشرة من هذا البيان، ليوضح الأمين العام أنه: "إبان الحرب الباردة، كانت التدخلات الخارجية الهادفة لمساندة أو إضعاف الحكومات الإفريقية ظاهرة وواضحة في المنافسة بين القوى الكبرى، وعندما انتهت الحرب الباردة، أخذت هذه التدخلات في التضاؤل، ولكنها لم تختفِ بعد. وتتركز المنافسة حول البترول وثروات أخرى مهمة في إفريقيا، ولا تزال المصالح الخارجية التي تستهدف إفريقيا تلعب دورًا مهمًا، وأحيانًا دورًا حاسمًا في التحذير من الصراعات التي تتأجج. ولا تقف هذه التدخلات الأجنبية عند الثروات خارج إفريقيا. [يمكن للدول المجاورة التي لا محالة أن تمسها الصراعات التي تندلع على مشارف أبوابها، يمكن أن يكون لها أيضًا أهداف أخرى، قد تكون بالضرورة غير بريئة].

وأخذت جهود الوساطة وإحلال السلام الذي تقوم به دول إفريقية تزداد في الأعوام الماضية, ولكن ينبغي الاعتراف بدور بعض الحكومات الإفريقية التي تلعب دور المساندة وأحيانًا, ودور التهييج والصراعات لدى جيرانها أحيانًا أخرى.

ويعتبر الرئيس لوران جباجبو بالنسبة لفرنسا ومساعديها الأفارقة، عائقًا أمام تنفيذ هذه الاستراتيجية لأسباب مختلفة:

(...) الرئيس لوران جباجبو يجسد شكلاً جديدًا للوطنيين الذين يرفضون تسهيلات العولمة الفوضوية، كما أنه ليس رجلاً تابعة للحاشية الفرنسية الإفريقية ويرفض وحدة الحصان والفارس (...)

ولا يتماشى قرار رقم 1933 في حقيقة الأمر مع ما كانت تأمله فرنسا، ومنذ نوفمبر 2004 في إطار فكر جديد حول تهميش جذري لنظام ساحل العاج، فكرت فرنسا في التخلص من لوران جباجبو من خلال فرض حظر تجوال شديد وصارم على الأسلحة ضد ساحل العاج, ولكنها نحت بوركينا فاسو التي تعتبر من إحدى الدول المقدمة للتجهيزات العسكرية للمتمردين جانبًا. وقد حاولت فرنسا بكافة الطرق اقتراح العديد من العقوبات التي تلقي الضوء على خزي كافة الأطراف الأساسية في الحزب الرئاسي بما في ذلك لوران جباجبو نفسه.

فينبغي على الأمم المتحدة فرض حل سياسي وديمقراطي في أزمة ساحل العاج التي تكشف عن ظهور مخاطر كبيرة.

إن الدول الأجنبية التي تهيمن على الأمم المتحدة لا تحقق مصالح للشعوب الإفريقية إلا إذا كانت هذه الشعوب دولاً أساسية في إنتاج البترول والثروات القيمة، وإلا فإن هذه الدول ذاتها لم تطالب بالتدخل في أوروبا, ويتضح أيضًا خروجها سريعًا من يوغسلافيا سابقًا (المعدمة من الثروات الطبيعة), وغياب قدرتهم على إنهاء الوضع في ساحل العاج؟!

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 7 ديسمبر 2006
  1. العلمانيون استغلوا الفن والإعلام لتشويه صورة المتدينينـ من الخطأ الربط بين التخلف والدين في الأعمال الفنية. ـ المؤلفون والمخرجون يتركون الجوانب الإيجابية ويصورون سلبيات المتدين. ـ أفلامنا أدمنت الاستهزاء بعالم الدين. ـ الشخصية المتدينة يتم تصويرها على أنها عصبية وغير مثقفة ومنفرة. بكل خسة، استتحقيقات · 9 د قراءة
  2. د. عامر النجار: غابت مناهج النقد الذاتي عن حياتنا فكثرت أخطاؤناـ أنماط التفكير العاطفية السائدة في بلادنا أهم أسباب تخلفنا. ـ على المتحاملين على تراثنا الإسلامي أن يقرءوا تاريخ العلم لجورج سارتون. ـ لم يظهر فيلسوف منذ ابن رشد والسبب غياب الحرية. حاورته/د. ليلى بيومي مفكرة الإسلام : د. عامر النجار أستاذحوارات · 12 د قراءة
  3. الانتخابات الفنزويلية .. بنظرة أمريكيةإعداد: مروة عامر مفكرة الإسلام : لقيت الانتخابات الفنزويلية، التي انتهت بإعادة انتخاب الرئيس ""أوجو تشابيث"" بهامش فوز كبير، اهتمامًا واضحًا من قِبل مختلف وسائل الإعلام الدولية، نظرًا لمناهضة الرئيس تشابيث للعولمة والسياسات الإقتصادية الليبحدث الساعة · 7 د قراءة
  4. هل ينجح حزب الله في خطف القرار السياسي اللبناني؟!عصام زيدان مفكرة الإسلام : امتطى حزب الله صولة الحرب ضد الكيان الصهيوني , وتمكن خلال أيام الحرب من هز أوتار الشعوب العربية التي افتقدت إلى زعامات فقدانها لبشائر النصر والتمكين والغلبة على العدو التي توهمت أنها معلقة بناصية نصر الله ورفاقه فمقالات وتحليلات · 7 د قراءة
  5. جزائري يكتشف المياه الجوفية بالموهبةاشتهر الشيخ الحملاوي صخارة (65 عاما) بموهبته في الكشف عن وجود المياه الباطنية بشكل مفصّل ودقيق، كنوعيتها من حيث عذبة أو مالحة وقوة تدفقها، بالإضافة إلى عمقها التقريبي، بحيث لا تتجاوز نسبة الخطأ فيه المتر أو المترين. يقول مراسل جريدة المستقبعجائب وغرائب · 1 د قراءة
  6. أنباء عن مطالبة اللجنة السداسية بحل حكومة "حماس"وردت أنباء عن مصدر فلسطيني، مقرب من رئيس السلطة الفلسطينية "محمود عباس" اليوم الخميس، أن اللجنة السداسية التي قدّمت توصياتها الليلة الماضية إلى عباس بشأن سبل التعامل مع الأزمة السياسية في الأراضي الفلسطينية أوصت بحل الحكومة الفلسطينية التي العالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: الرئيس العاجي.. جزء من المشكلة أم جزء من الحل لأزمة البلاد؟!