مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

هل ينجح حزب الله في خطف القرار السياسي اللبناني؟!

7 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

عصام زيدان

مفكرة الإسلام : امتطى حزب الله صولة الحرب ضد الكيان الصهيوني , وتمكن خلال أيام الحرب من هز أوتار الشعوب العربية التي افتقدت إلى زعامات فقدانها لبشائر النصر والتمكين والغلبة على العدو التي توهمت أنها معلقة بناصية نصر الله ورفاقه في الحزب.

وليس للشعوب أن تمسك الدفاتر عقب الجولات والصولات لترى جرده الحساب الختامية فتحكم بمقتضاها وترى الأمور بمنظور الواقع لا بالأماني والمشاعر فقط, ومن ثم كانت كثير من تلك المشاعر في الداخل اللبناني وخارجه مجيشه لصالح الحزب بغض النظر عن حجم الدمار الذي جره على لبنان في حرب ليس لها فيها ناقة ولا بعير بل خسرت فيها الناقة والبعير.

ويبدو أن الحزب أراد أن يستغل تلك المشاعر الشعبية المتعاطفة ليدخل ساحة جديدة, ولكنها في هذه المرة ساحة سياسية وان توافقت الأهداف وتطابقت الرغبات والحوافز التي جرت الحزب إلى الحربين إن جاز التعبير.

استثمر الحزب تلك الحرب ومن خلالها أراد بغلبة المنتصر المتوهمة أن يغير من الخريطة السياسية اللبنانية لصالح الأجندة الخاصة التي يتبناها, ويفسح مجالا جديدا لرهن الإرادة السياسية اللبنانية بيد الشيعة بعدما ارتهن من قبل قرار خوض الحرب والانسحاب منها وكأنه الدولة, والدولة تابعة لإرادته.

فالمشاهد أن حزب الله بإصراره على "الثلث المعطل" إنما أراد بصورة لا غبش فيها أن يتحكم في مصير السياسية اللبنانية من خلال الضغط على رقبة الوزارة لتضاف إلى رئاسة مجلس النواب الذي , بمقتضى الوضع الراهن يتولاه شيعي من حركة أمل, إضافة إلى كون رئاسة الجمهورية لا تملك مفاتيح السياسية اللبنانية, أو هي على اقل تقدير تتفهم أجندة حزب الله الخارجية التي تخدم المحور السوري الإيراني.

حزب الله والساحة اللبنانية

وحتى يتسنى لحزب الله أن يحقق أهدافه ويرتهن سياسية لبنان كما ارتهن من قبل الحرب والسلم, كان لابد له من تعاون أو محاولة لجذب بعض التيارات التي يذخر بها الشارع اللبناني والتي ربما لا يفوقها عددا إلا "الأرز" الذي ينثر فوق رؤؤس الزعماء والموتى في كل الأوقات وعلى كل حال.

أدرك الحزب أن قراره بنزول الشارع لإسقاط الحكومة وتغيير الوجهة السياسة للبلاد لابد وأن يمر عبر عدة تحالفات تضمن له ولو قدر من الاتزان مع الأكثرية النيابية التي يمثلها تيار المستقبل وحكومة فؤاد السنيورة.

وجد الحزب ضالته في زعيم التيار الحر القادم من بلاد الإفرنج متعطشا للزعامة ولو علا حساب لبنان كله العماد ميشيل عون.

واعتقد حزب الله أن وجود تيار عون إلى جانبه سيضيف لرصيده وسيضمن له الأصوات المسيحية في لبنان, بيد أن هذا الظن ذهب أدراج الرياح, فوقف عون بمفرده مع حزب الله وانضم القسم الكبر من المسيحيين إلى صف الحكومة والأكثرية النيابية بعد أن سجل البطريرك الماروني نصرالله صفير اعتراضه على تلك المظاهرات وسحب البساط من تحت أقدام عون الذي وقف عاريا من الأنصار والمؤيدين.

حاول حزب الله أن يغازل التيار السني ويصنع من بعض روافده مؤيدين ومناصرين لتوجهاته ومظاهراته, أو على اقل تقدير أن يقفوا على الحياد من دعوته لإسقاط حكومة السنيورة.

فحاول نصر الله أن يجر "الجماعة الإسلامية" إلى خارج صفوف السنة, ويحدث شرخا بينها وبين "تيار المستقبل".

وقام وفد من جماعة نصر الله بزيارة مقر الجماعة الإسلامية في بيروت والتقيقيادتها قبل الإعلان عن التحرك في الشارع, و عرض النائب محمد رعد على رئيس مكتبها السياسيالنائب السابق أسعد هرموش الوزارة في الحكومة التي يعتزم الحزب تشكيلها، مقابل أن تدعو الجماعة إلى إسقاط حكومة السنيورة.

ويبدو أن قوى الأكثرية النيابية أدركت مغزى الزيارة, حيث سارعت إلى تفعيل الاتصالات مع الجماعة وتم عقد لقاء بين هرموش ورئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري، وظهر بعدهاهرموش إلي جانب قيادات الأكثرية, وفوت على حزب الله إحداث شقوق في الصف السني.

بل وأصدرت الجماعة بيانا أدانت فيه الفتنة المذهبية، وطالبت حزب الله وحركة أمل بإنهاء الاعتصام , مؤكدة شرعية ودستورية حكومة السنيورة.

وربما يرجع فشل الحزب في شق الصف السني ومحاولة جر بعضه خارج الصف إلى عدة أمور منها الأتي:

1ـ أن الحزب ورغم موافقته المبدئية على المحكمة الدولية للمتهمين باغتيال رفيق الحريري, إلا أنه سجل اعتراضات بعدما أقرت الحكومة قانون المحكمة وأحالته إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان, وهو ما وضع الحزب في صف المعارضين لكشف الحقيقة في مقتل الحريري الذي يتمتع برصيد شعبي ضخم في الصف السني.

2ـ انكشاف الوجه الطائفي للحزب في الحرب التي خاضها ضد الكيان الصهيوني وبعدها, حيث توجهت الإمدادات والمعونات إلى المتضررين من الشيعة فيما بقيت البيوت السنية بلا دعم.

أضف إلى ذلك أن الحزب احتكر المقاومة في الجنوب ويمنع أي تيار سني من ممارسة حقه في مقاومة الاحتلال,وهو ما يؤكد أن الحزب إنما يستغل سلاح المقاومة في خدمة سياسته الطائفية التي هي ترجمة حقيقة لأهداف المحور الإيراني السوري بالأساس.

3ـ وحد مفتي لبنان إلى حد كبير الصوت السني بإصراره على دعم حكومة فؤاد السنيورة ومعارضته للمظاهرات التي سيرها الحزب, في مواجهة التكتل الشيعي الذي برز في تضامن حركة أمل الشيعية مع حزب الله في تحركه لإسقاط الحكومة.

أما الدروز، فان النائب وليد جنبلاط رئيس اللقاء الديمقراطي, نراه قد كرس طائفته في وجه حزب الله وقوى 8 آذار, وتمسك بموقفه الداعم لقوى 14 آذار والمناهض للتدخل السوري الإيراني في شئون لبنان الداخلية.

وبقيت الساحة اللبنانية في هذه الحالة منقسمة على نفسها إلى فريق طائفي يقف على رأسه حزب الله ويدعمه عون, فيما فضلت قوى الأكثرية سنية على اختلاف مشاربها وموارنة ودروز في المواجهة الأخرى متحصنة بشرعية ودستورية حكومة السنيورة, وفشلت محاولات حزب الله في تفتيت هذا "الحلف المؤقت" أو تحييده بعض أطرافه في الصراع.

حزب الله وسكون القوى الإقليمية

وربما يكون الحزب كذلك على المستوى الإقليمي قد أقدم على حسابات خاطئة تتمحور حول عدم قدرة الدول العربية الرئيسة منها على الأقل في الدخول في معترك الساحة اللبنانية ووقوفها سلبيا أو حتى وقوفها عند مجرد إصدار البيانات والتصريحات.

وربما أتي هذا الانطباع والتصور من مجريات الأحداث في العراق وفشل المنظومة العربية في إحداث أي تغيير في سيناريو الغزو والاحتلال رغم التأثير المباشر لتلك الأحداث على أمنها ومستقبلها.

والحقيقة أن ثمة فارق جوهري بين الحالتين, فحالة العراق كانت الولايات المتحدة ومعها تحالف الراغبين يسعون لإسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين, ولم تكن الدول العربية, وفق ميزان القوى, تستطيع أن تغير من مجريات الأحداث إلا بقدر ما تمليه قوتها بالمقارنة مع القوى العالمية المسيطرة والمتنفذه.

أما في حالة لبنان فان الدول العربية تنسجم رؤيتها إلى حد كبير مع رؤية القوى العالمية, في رؤية المخاطر التي تحيط بلبنان وتأثيرها على الأوضاع الإقليمية والعالمية.

أضف إلى ذلك البعد الطائفي الذي ظهر جليا في ممارسات حزب الله, ورغبته في سيادة الصوت الشيعي سياسيا وعسكريا على لبنان, وهو ما يعد رصيدا إضافيا لإيران ومشروعها في المنطقة ونحتا زائدا عن الحد وتهديدا مباشرا للأمن القومي لدول الخليج العربي ومصر على وجه التحديد, ومن هنا جاء الدعم المباشر من قبل مصر والسعودية لحكومة فؤاد السنيورة قبالة التهديد الشيعي من قبل حزب الله.

وقد تكون الدول العربية الرئيسة فقدت جزءا كبيرا من قوتها ونفوذها, ولكن لاشك أن بعضها ما زال يحتفظ بقدر من القوى الكامنة التي قد تستفزها الأخطار المحدقة التي تهدد صلب النظام وتستنفره للقيام بادوار فاعلة توقف مسلسل سقوط الدول العربية في الجعبة الإيرانية أوفي يد ممثليها المحليين.

حزب الله وطموحات القوى الدولية

تشهد هذه الفترة ما يمكن أن نسميه بحقبة "الاستعمار الناعم", حيث تسعى الإمبراطوريات القديمة إلى إحياء دورها في منطقة الشرق الأوسط, وهي حالة ظاهرة بصورة جلية في عدد من الدول وان كانت أكثر وضوحا في المشهد اللبناني.

فالولايات المتحدة ترى في لبنان ورئيس وزرائها فؤاد السنيوة قوى اعتدال في المنطقة, ومن "الديمقراطيات الشابة" الجديرة بالرعاية والاهتمام كي تكون أنموذجا صالحا للدول "الصالحة" في الشرق الأوسط الكبير.

كما أن تمدد النفوذ الشيعي فيها يكسب إيران ورقة أخرى يمكنها المساومة بها في مفاوضاتها النووية, أو في حجم المكتسبات التي يمكن أن تخرج بها من عموم المشهد العراقي.

وفرنسا هي الأخرى ترى في لبنان منطقة نفوذ قديمة, وتربطها علاقة صداقة قديمة مع الحريري الأب والابن معا, وليس من مصلحتها إجهاض الوزارة الحالية وفقدان تيار المستقبل لوضعه في الساحة اللبنانية.

هذا المشهد بتجلياته وتوابعه يجعل من الصعب على حزب الله وغيره أن يحدث تغييرا جذريا في المسرح اللبناني, فالعرائس كثيرة وكلها تتحرك في آن واحد وثمة قوى عديدة تمسك بخيوط اللعب, تتقاطع أهدافها أحيانا وتتطابق في أحيان أخرى, ولكن في العموم ليس من مصلحتها أن يجرى تغيرا دراماتيكيا في جملة المشهد, ولن تسمح لأي لاعب أن يخرج عن حدود النص.

وختاما نقول أن المشهد الكلي يوحي بان حزب الله وضع نفسه في موقف بالغ الحرج والحساسية , فإما أن يستمر في تصعيده للموقف ويلجا إلى إشعال فتيل الحرب الداخلية ويتحمل نتائجها باهظة التكاليف للجميع، وإما أن يمنى بهزيمة معنوية يفقد معها شعبيته التي اكتسبها إبان الحرب مع الكيان الصهيوني، حيث سيبدو وكأنه يستغل "النصر" من أجل مقاعد إضافية في الوزارة لتحقيق أجندة خارجية لا تمت للوطن بصلة, وفي الحالتين لن يتمكن من خطف القرار السياسي اللبناني.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 7 ديسمبر 2006
  1. العلمانيون استغلوا الفن والإعلام لتشويه صورة المتدينينـ من الخطأ الربط بين التخلف والدين في الأعمال الفنية. ـ المؤلفون والمخرجون يتركون الجوانب الإيجابية ويصورون سلبيات المتدين. ـ أفلامنا أدمنت الاستهزاء بعالم الدين. ـ الشخصية المتدينة يتم تصويرها على أنها عصبية وغير مثقفة ومنفرة. بكل خسة، استتحقيقات · 9 د قراءة
  2. د. عامر النجار: غابت مناهج النقد الذاتي عن حياتنا فكثرت أخطاؤناـ أنماط التفكير العاطفية السائدة في بلادنا أهم أسباب تخلفنا. ـ على المتحاملين على تراثنا الإسلامي أن يقرءوا تاريخ العلم لجورج سارتون. ـ لم يظهر فيلسوف منذ ابن رشد والسبب غياب الحرية. حاورته/د. ليلى بيومي مفكرة الإسلام : د. عامر النجار أستاذحوارات · 12 د قراءة
  3. الانتخابات الفنزويلية .. بنظرة أمريكيةإعداد: مروة عامر مفكرة الإسلام : لقيت الانتخابات الفنزويلية، التي انتهت بإعادة انتخاب الرئيس ""أوجو تشابيث"" بهامش فوز كبير، اهتمامًا واضحًا من قِبل مختلف وسائل الإعلام الدولية، نظرًا لمناهضة الرئيس تشابيث للعولمة والسياسات الإقتصادية الليبحدث الساعة · 7 د قراءة
  4. الرئيس العاجي.. جزء من المشكلة أم جزء من الحل لأزمة البلاد؟!إعداد: سارة عبد الحميد مفكرة الإسلام : " إني على استعداد للمناقشة، ولكنني لست على استعداد نهائيًا للتفاوض ". هكذا قام رئيس ساحل العاج "لوران جباجبو" بانتهاج موقف معادٍ أمام المجتمع الدولي، وذلك لعدم إظهار موقفه الضعيف أمام أعين الموالين له،حدث الساعة · 6 د قراءة
  5. جزائري يكتشف المياه الجوفية بالموهبةاشتهر الشيخ الحملاوي صخارة (65 عاما) بموهبته في الكشف عن وجود المياه الباطنية بشكل مفصّل ودقيق، كنوعيتها من حيث عذبة أو مالحة وقوة تدفقها، بالإضافة إلى عمقها التقريبي، بحيث لا تتجاوز نسبة الخطأ فيه المتر أو المترين. يقول مراسل جريدة المستقبعجائب وغرائب · 1 د قراءة
  6. أنباء عن مطالبة اللجنة السداسية بحل حكومة "حماس"وردت أنباء عن مصدر فلسطيني، مقرب من رئيس السلطة الفلسطينية "محمود عباس" اليوم الخميس، أن اللجنة السداسية التي قدّمت توصياتها الليلة الماضية إلى عباس بشأن سبل التعامل مع الأزمة السياسية في الأراضي الفلسطينية أوصت بحل الحكومة الفلسطينية التي العالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: هل ينجح حزب الله في خطف القرار السياسي اللبناني؟!