أريد طفلاً كقطز
عمر السبع
مال البستاني على زهوره، فلاحظ نشاطًا محمومًا في شرفة بالقرب منه، وبعد الفحص اكتشف البستاني أن فراشة تريد أن تخرج من الشرنقة فقام بعمل ثقب لكي تخرج منه الفراشة، وبعد لحظات، خرجت الفراشة متعددة الألوان إلى يد البستاني، ولكن بعد أن تحطمت أجنحتها ووقعت على جانبها ميتة!
هكذ، ماتت الفراشة لأنها كانت تحتاج إلى الكفاح والنضال داخل الشرنقة لكي تقوي أجنحتها من أجل الطيران، ولذا فإنها لا تستطيع أن تصبح قوية بما يكفي لكي ترتفع فوق الحديقة وتحلق في يوم من أيام الربيع الهادئة.
الآباء والفراشة:
ومثل هذا البستاني سلوك بعض الآباء الذين يميلون إلى الرعاية الزائدة لأطفالهم، فيحلون لهم كل مشاكلهم ظنًّا منهم أن هذا يجعل حياتهم أسهل، ولكن الحقيقة أن هذا يؤذيهم لأننا نحرمهم من تطوير الحكمة لديهم من خلال التجربة والخبرة.
إن القلب الرحيم للبستاني قد منعه أن يجلس بعيدًا ويراقب كفاح الفراشة، فكانت النتيجة أن رحمة الآباء لن نستطيع رؤية أبنائنا يمارسون الحياة في قوة وسعادة إذا لم نتركهم يشقون طريقهم وسط النسيج الخشن الذي تحيطهم بها شرنقة الحياة.
نعم، إن أبناءنا لن يدروا جمال القمم الجبال حتى يقاسوا صعوبة الوديان ويعانون صعوبات صعودها، فإن لم يقاسوا هذا الصعوبات في صعود قمم النجاح؛ فإنهم بلاشك ساقطون في بحر الحرمان.
أعده ليكون كقطز:
ينتظر البعض من هذا الدين – ما دام منزلاً من عند الله – أن يعمل في حياة البشر بطريقة سحرية خارقة غامضة الأسباب! ودون أي اعتبار لطبيعة البشر، ولطاقاتهم الفطرية، ولواقعهم المادي، في أي مرحلة من مراحل نموهم، وفي أية بيئة من بيئاتهم.
وحين لا يرون أنه يعمل بهذه الطريقة، وحين يرون أن الطاقة البشرية المحدودة، والواقع المادي للحياة الإنسانية، يتفاعلان معه، فيتأثران به – في فترات – تأثرًا واضحًا، على حين أنهما في فترات أخرى يؤثران تأثيرًا مضادًّا لا تجاهه، فتقعد بالناس شهواتهم وأطماعهم، وضعفهم ونقصهم، دون تلبية هتاف هذا الدين، أو الاتجاه معه في طريقه.
وحين يرون هذا فإنهم يصابون بخيبة أمل لم يكونوا يتوقعونها - ما دام هذا الدين منزلاً من عند الله – أو يصابون بخلخلة في ثقتهم بجدية المنهج الديني للحياة وواقعيته، أو يصابون بالشك في الدين إطلاقًا!
وهذه السلسلة من الأخطاء تنشأ كلها من خطأ واحد أساسي: هو عدم إدراك هذا الدين وطريقته، أو نسيان هذه الحقيقة الأولية البسيطة.
(إن هذا الدين منهج إلهي للحياة البشرية، يتم تحقيقه في حياة البشر بجهد البشر أنفسهم في حدود طاقتهم البشرية؛ وفي حدود الواقع المادي حينما يتسلم مقاليدهم، ويسير بهم إلى نهاية الطريق في حدود طاقتهم البشرية وبقدر ما يبذلونه من هذه الطاقة وليس بطريقة سحرية غامضة الأسباب) [هذا الدين، سيد قطب، ص(1-2)].
وهذا يعني أن مشكلة تخلف المسلمين يجب أن ننظر إليها كمشكلة "مجتمع" لا مشكلة "دين" فالإسلام حق لا يجادل فيه منصف، ولكن المسلم ينطبق عليه ذات السنن الكونية التي لا تحابي أحدًا من البشر، ولا يفيد معها "تعجل" الأذكياء ولا "أوهام" الأصفياء.
ربِّ ولدك على صناعة النهضة:
من هنا فإن المسلم لابد أن يوقن أن العمل والكدح في واقع الحياة هو الذي يخط مصير المسلمين في واقع الحياة، وأن ملكية الحق لا تكفي للنصر في الأرض إلا أن يكون من يحمل هذا الحق "يكدح" و"يعمل" من أجل ما يملكه من الحق.
ولأن هذا هو اليقين الذي يجب أن يكون عليه المسلم، فإن التربية الإسلامية في أمس الحاجة لصناعة الإنسان المتحضر الذي يرفض الكسل والقعود والاتكال، عن النهضة بهذا العالم والمرور به دون تغيير أو إعمار، ليجعل العمل والإبداع المتواصل في واقع الحياة هو نسيج حياته من لحظة الوعي، وحتى ساعة الحساب.
ويبذل في ذلك كل الجهد، ويمارس العمل والكدح في واقع الحياة، يمارسه وهو يؤمن أن (الكدح – وهو العمل في واقع الحياة – هو العبادة الدائمة التي يقوم بها المسلم، والتي يتزود – من أجل القيام بها – بذلك الزاد الروحي العميق الذي تمنحه إياه الشعائر التعبدية، حين يقوم بها على صورتها الحقة من الخلوص إلى الله، والتجرد إليه، والخشوع والخشية والإخبات) [منهج التربية الإسلامية، محمد قطب، ص(204)].
إن عبودية الله توجب عليه (أن لا يفرط في نصيبه من مقومات الحياة الدنيا كشأن أهل التصوف الخطأ والدروشة، بل لابد له من خوض معركة الحياة، وتسخير جميع الماديات واكتساب ما أمكن منها بالطريقة المباحة، ليتمكن من أداء رسالته في الحياة بالإنفاق في سبيل الله من كافة الوجوه، ويتماسك مع إخوانه المؤمنين، فتكون لهم اليد الطولى التي يقدرون بها على الصلاح والإصلاح في الأرض، لأن ما في الدنيا من المقومات المادية الهائلة سلاح خطير إذا سبق إليه أهل الباطل وظفروا به كان وسيلة فعالة للتحكم في الناس وإفساد دينهم ودنياهم، وما جرى للمسلمين إنما هو بسبب الأفكار التي أقعدتهم عن الأخذ بأسباب القوة والهيمنة على الدنيا، والتفوق على أهلها، وفسحت المجال لأهل الكفر) [صفوة الآثار والمفاهيم من تفسير القرآن العطيم، الشيخ عبد الرحمن الدوسري، ص(79)].
إن طبيعة العبودية لله سبحانه وتعالى تقتضي بتفوق المسلم العابد في كل ميادين الحياة، ولا يكون ذلك إلا من خلال العلم الجاد، ومن خلال معرفة المسلم كيف "يسارع " وكيف "يسبق"؟ ومن ثم تصحيح الفهم الخاطئ للزهد الذي يدفع إلى الفقر، بل ويجعله من سمات الصالحين!
عزيزي المربي:
(قل لابنك: إن نصيب أمتنا من الساعات في اليوم كنصيب أية أمة أخرى، ولكننا إذا كنا نعرف شيئًا اسمه الوقت، فإنا في الحقيقة لا ندرك معناه، ولا نعرف كيف نستثمره، وهذه كارثة أن يضيع وقتنا هباء كما يهرب الماء من ساقة خربة!
ودرِّبه على تخصيص نصف ساعة – على سبيل المثال – لأداء عمل معين، لأن هذه "النصف ساعة" تؤكد في عقله أهمية الوقت فلا يضيعه سدى، ومن ثم يرتفع حصاده العقلي، واليدوي، والروحي.. وهذه هي الحضارة) [مستفاد من شروط النهضة، مالك بن نبي، ص(141)].
ورقة عمل:
ليس من الممكن أن يكون لمجتمع فقير المليارات من الذهب كي ينهض، ويسير في طريق البناء الحضاري، وإنما ينهض ويبني حياته وحضارته بالرصيد الأساسي للحضارة، "الإنسان" الإنسان الكادح.
(إن مما يساعد الأبناء على تنمية كفاءاتهم، وتقوية استقلاليتهم في مواجهة الحياة "التنافس الذي يحرك في الطفل مشاعر وطاقات مكنونة قد لا يعرفها إلا عندما يضع في نفسه منافسة فلان للفوز عليه.
ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القدوة في ذلك فقد كان يثير التنافس بين الأطفال، فيجري بينهم مسابقة في الجري.
ففي الحديث الصحيح، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصف عبد الله وعبيد الله وكثيرًا من بني العباس - رضي الله - عنهم ثم يقول: "من سبق إلي فله كذا وكذا"، قال: فيستبقون على ظهره وصدره فيقبلهم ويلتزمهم.
فزرع التنافس بين الأطفال ومكافأة الفائز تشعر الطفل بلذة الفوز، فيسارع إلى تقديم كل طاقته، وبذل أقصى وسعه، ومن ثم يتدرب ويتعلم، ليري والديه إلى أى درجة وصل، وهكذا تنفجر الطاقات المكنونة بداخله، وتتكون لديه استقلالية في العلم والمحاولة) [الإنصات الانعكاسي، محمد ديماس، ص(37-38)، بتصريف يسير]
وأما أهم السبل التي تعين المربي على تخليص الأبناء من الاتكالية، وتربيته على الجدية وإخراج إنسان النهضة، فهي أن يتخلص المربي من الأسلوب الاستبدادي الذي يميل إلى السيطرة، ويحترم رغبات أبنائه ما دامت تحقق الخير, ويظهر فرحة حين يتصرفون بأسلوب فيه نضج واستقلالية، لأن الابن الذي يتربى بهذه الطريقة (لا ينتظر حتى تكتمل معرفته بالواقع والحياة على أيدي الأبوين، وإنما يتحرك هو وسط ظروف الحياة، بكل جزء من المعرفة يكتسبه، ويتفاعل مع ما يستجد حوله من أمور الحياة تفاعلاً حيًّا، يصلح الخطأ، ويجعله مصدرًا للخبرة، وينمي الكفاءة، ويجعلها سبيلاً لابتكار الوسائل، فينهض في يومه بما لم يستطع النهوض به في أمسه، ويتحول إلى رفد لأمته، لا إلى عبء عليها) [مجلة الرائد، العدد 129ص(18)، بتصرف يسير].
إنه لابد من قدر من الحرية للابن ليفعل ما يراه الأفضل، ويتحمل مسئولية ما فضله، ذلك أننا كآباء ومربين حين نقرر لأبنائنا ماذا يجب أن يعملوا، ندفعهم دفعًا إلى الاعتقاد بأنه إذا كان من يقومون على تربيتنا يقولون لنا دائمًا: ماذا يجب أن نعمل، فسيكون الخطأ خطأهم إذا فشلنا في القيام بأي عمل، ومن ثم لا يتحمس الأبناء للنجاح، - فصناعة النهضة للأمة لا يأتي إلا عندما يكون الابن عنده قدر من الاستقلالية، فالمجال أمامه ليبدع كي يتغلب على الصعوبات ويصنع النجاحات.
المصادر:
· الإنصات الانعكاسي، محمد ديماس.
· شروط النهضة، مالك بن نبي.
· هذا الدين، سيد قطب.
· منهج التربية الإسلامية، محمد قطب.
· صفوة الآثار والمفاهيم من تفسير القرآن العطيم، الشيخ عبد الرحمن الدوسري.
· مجلة الرائد، العدد 129.