العشر الأواخر وخير الوداع

كيف أجتهد في العشر الأواخر من رمضان؟
تعلّمي خطة العشر الأواخر من رمضان من الحبيب المعلمّ صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله) [رواه البخاري]، وفي لفظ مسلم (أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر).
وفي رواية لمسلم عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر مالا يجتهد في غيره) أي اجتهد وبالغ في الطاعة والعمل وهذه هي العزيمة الازمة في أخريات رمضان. فعليك أختي المسلمة تقليل النوم قدر الإمكان وجعله في النهار وشغل الليل بالصلاة والذكر.
(ومثل هذا الإجتهاد يحتاج إلى الإعداد الذي تكلمنا عنه في المقالات الأولى وهنا تصل السيارة إلى أقصى سرعة لها على الطريق، وهذا الإجتهاد يحتاج أيضًا إلى العزيمة والمجاهدة والمكابدة للنوم، والتعب من جهد العبادة، ويساعد على ذلك قلة الطعام وتنويع العبادات بين قيام وركوع وسجود وذكر وتلاوة القرآن وصحبة العابدين لشحذ الهمم، وجماع ذلك كله أن يستمطر العون والمدد، والألطاف من الله عز وجل فهو القادر على أن تقييمك بين يديه الدهر كله دون نصب أو رهق أو سآمة وفي الحديث إشاعة للأجواء الإيمانية في البيوت بحث الأهل على الإجتهاد في الطاعة والعمل وايقاظهم في الليل لصلاة التهجد (وإيقظ أهله) " شد المئزر" على الراجح أنه اعتزل النساء للتفرغ للبعدة ولطلب ليلة القدر في العشر الأواخر)........ [مستفاد من كتاب القواعد الحسان في أسرار الطاعة والاستعداد رمضان، رضا صمدي، ص(92-94)].
فرصة عمركِ في رمضان:
هل لكِ في مناسبة تستدركِ فيها ما فات من عمرك؟
هل لكِ في ساعات تتضاعف الأعمال فيها بالآلاف والمئات؟
هل لكِ في أمسية تصافحكِ فيها الملائكة وسيد الملائكة جبريل فيسلمون عليكِ ويدعون الله لك ويؤمنون على دعائك؟
هل لكِ في لحظات إن وافقتها أخرجتك من ذنوبك التي قدمتها؟
هل لكِ في ليلة لا تدرك قدرها العقول ولا تفي بوصفها الألسنة؟
إنها ليلة القدر، وما أدراكِ ما ليلة القدر ليلة القدر، هذه هي التي حباك الله فيها أختي المسلمة رحمته وبركته وإكرامه، فإن فزت فيها فأنت الفائزة، وإن حرمت منها فأنت المحرومة.
{لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر: 3-5]، تخيلي معي أختي المسلمة بركة ليلة القدر فقد جعلت العبادة ليلتها خير من عبادة ألف شهر، وهي تقدر بعمر رجل عمّر ثلاث وثمانين وأربعة أشهر في طاعة متواصلة، وفي هذا تعويض لقصر الأعمار وفيها تنزل الملائكة وفي مقدمتهم جبريل عليه السلام إلى السماء الدنيا ويؤمنون على دعاء الناس، حتى مطلع الفجر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر( ومن بركتها أنها أخفيت حتى يجتهد الناس في بقية ليالي العشر التماسًا لها فيغتنموا فضيلة هذا الاجتهاد ويضاف إلى موازين أعمالهم) [وظائف رمضان، ابن رجب، ص(64)].
ومن بركتها أن من أحياها إيمانًا واحتسابًا بالقيام والذكر والدعاء غفر له ما تقدم من ذنبه لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ماتقدم من ذنبه) [رواه البخاري].
ومن بركتها أن من أعطيها ووفق اليها خرج من زمرة المحرومين لقوله صلى الله عليه وسلم عن رمضان: (وفيه ليلة هي خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم) [صححه الألباني في صحيح الجامع، (55)].
كيف أعرف ليلة القدر؟
إن لها علامات كونية تدل على أن العوالم الفضاء والسماء تعرف تلك الليلة وتعرّف بها، فقد أخبر أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن الشمس تطلع في صبيحتها لا شعاع لها) [رواه مسلم].
بماذا أدعو ليلة القدر؟
إن لها دعاءًا مخصوصًا مستجابًا فقد سألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أدعو قال تقولين اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) [صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، (3850)].
يارب عبدك قد أتاك وقد أساء وقد هفا
يكفيه منك حياؤه من سوء ما قد أسلفا
حمل الذنوب على الذنوب الموبقات واسرفا
وقد استجار بذيل عفوك من عقابك ملجفا
رب فاعف عنه وعافه فلأنت أولى من عفا
فاللهم با غياث المستغيثين ويا مجيب المضطرين وفقنا لشهود ليلة القدر وعظم لنا فيها الأجر وضع عنا كل وزر اللهم انك عفو تحب العفو فاعف عنا ..... آمين) [من كتاب روح الصيام ومعانيه بإختصار، عبد العزيز كامل، ص (141-145)].
أختي المسلمة نريد أن نستميت في تحصيل فضل وثواب ليلة القدر، ولا تنفع الأماني والأحلام في اثبات تحرّيك لها، بل لابد من التشمير وأن تري الله منك خيرًا، حتى يرى اقبالك فيقبلك واجتهادك، فيلطف بمقامك ويضع اسمك في ديوان العتقاء من النار.
خير الوداع:
خير الوداع عليك يا شهر التقى لم يبق من ذنب ولا عصيان
فعلى فراقك سال دمع عيوننا فوق الخدود كهاطل هتان
فهو المفصل والمعظم قدره خير الشهور وسيد الأزمان
قال السلف: (رمضان سوق قام ثم انفض ربح فيه من ربح وخسر فيه من خسر ... فمن أي الفريقين أنت؟ وعن الحسن قال: إن الله جعل رمضان مضمارًا لخلقه يستبقون فيه إلى مرضاته فسبق فيه قوم ففازوا وتخلف آخرون فخابوا فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون) [وظائف رمضان، ابن رجب، ص(74)]، ونحن في آخر الشهر فمن المقبول فتقدم له التهاني، ومن المحروم فتقدم له التعازي؟ إن الفائزين يحزنون على فوات الأيام المعدودات من شهر النفحات وهو حزن يستجلبون به الأمل والرجاء، لأن يبعث الشوق إلى مرضاة الله والندم على ما فرط في جنب الله، فشأن المؤمن أن يلازمه الوجل مهما قدم من طاعة وعمل [ روح الصيام ومعانيه، عبد العزيز كامل ص(38)].
سألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: 60] فقالت: (يارسول أهم الذين يسرقون ويزنون ويشربون الخمر ويخافون الله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون وهم يخافون ألا يقبل منهم) [صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، (3175)].
وهذا هو حال الطائعين بعد رمضان أختي الحبيبة فبعد أن صاموا وقاموا وقرأوا القرآن، وتعبدوا إلى الله تعالى يخافون ألا يتقبل الله منهم أعمالهم، لأنهم أدركوا قيمة ما حصَّلوه في الأيام الماضية، وعلموا أن بضاعتهم لم تكن مزجاة ولكن بقي أن يوف الله لهم الكيل ويقصدق عليهم.
لا تنقض غزلك:
لا تنقض غزلك كالمرأة التي غزلت ثوبًا جميلًا وبذلت فيه من الجهد الكثير جلست بإرادتها لتفك عراه عروة عروة وتنقض خيوطه خيطًا خيطًًا يقول الله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} [النحل: 92].
إياك أن تكوني أختي الحبيبة من عبَّاد رمضان، وليس من عبَّاد رب رمضان.
الثبات سنة خير العباد:
الثبات على الطاعة هو هدي من هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يدعو دائمًا فيقول: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) [صححه الألباني في صحيح الجامع، (7987)] وكان يحث أصحابه على الثبات على العبادة ولو كانت قليلة فكان يقول: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) [رواه البخاري].
طريق الثبات:
لكي لا تحيدي عن جادة الطريق لابد من إشارات وعلامات بعد رمضان تداومي عليها، وتحرصي على تأديتها، لتكوني طوال العام، قريبة من رمضان ومن رب رمضان.
1. صلاتك: أدي الصلاة على وقتها وثقي أن أرجى عمل يعمله المسلم، وأفضل ما يقربك من الله هو الحفاظ على الفرائض، كما قال تعالى في الحديث القدسي: (ما تقرّب الي عبدي بشئ أحب إلى مما افترضته عليه) [رواه البخاري].
2. النوافل: ثم ليكن لك ورد ثابت من النوافل اليومية من صلاة وصيام وصدقة وغيرها حتى تنتقل من درجة المحبة لله إلى درجة المحبوبة من الله، كما قال تعالى في الحديث القدسي: (وما يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى أحبه فإذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها) [رواه البخاري].
ولتكن بدايتك بصيام ست من شوال تطبيقًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر) [صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، (2344)]، فكل صيام لرمضان نتبعه ستًا من شوال فهو كصيام سنة فتمض سنوات التكليف في عمرك كله وأنت في حكم الصائمين، وكأننا نواصل سنين عمرنا في أجر الصيام بصيام الست من شوال.
3. حبل الله المتين: لتحافظي على علاقة ثابتة مع القرآن فهو علامة قربك من الله أو بعدك عنه، لا تهجري القرآن ولا تقطع صلتك بالقرآن، فهو حبل الله الذي إن قطع حرم العبد الخير كل الخير فمن كانت لا تستطيع القراءة، فلتتعلمي التجويد، ومن كانت تقرأ فلتبدأ في الحفظ، ومن كانت حافظة فعليها بالمراجعة ولتبدأ بداية جديدة بعد رمضان.
4. عليك بصحبة أخوات الخير: اختاري من يعينك على طاعة الله، فالمرء على دين خليله والأخلاء بعضهم لبعض عدو يوم القيامة إلا المتقين.
5. كوني مشعلًا للخير: احملي هم دينك واعملي على نشره بين الناس، وانشغلي بالدعوة إلى الله بخلقكِ وسلوككِ وعملكِ، قبل أن تكوني داعية بلسانك واعلمي بأن الله الذي يراك تعملين من أجله، وتصرفين فيه الأوقات في سبيله سيوفقك إلى الثبات على دينه، فهو رب شكور حليم يضاعف الأجر لمن يشاء.
حبيبتي وأختي المسلمة:
بمثل ما استقبلت رمضان "استقبال المودعين" بالطاعة فودعيه وداع المستقبلين للشهور التي تتلوه بالطاعة، فكلها أيام الله ورب رمضان، هو رب باقي العام
صمت أيام الشهر ايمانًا واحتسابًا، وقمت لياليه وليلة القدر ايمانًا واحتسابًا، هكذا نظنك وهذا الإيمان والاحتساب شرط في كل عبادة في أية لحظة {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5]، فاجعلي صيامك بعد رمضان تطوعًا إيمانًا واحتسابًا وعملك، وطلبك للعلم وصبرك ونفقتك وكل عملك وطاعتك ايمانًا واحتسابًا فالاحتساب هو لب الإخلاص وروح القربات.
مناسبة الشهر:
حافظت على الصلاة بخشوعها وأتممت سجودها وركوعها وتلك الصلاة قدرشرعت اقامتها لذكر الله {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14]، فهلا أبقيت على ذكرك لله في كل أيام الله.
قيامك طوال الشهر في الصلاة مع نفسك أو مع الإمام مهما أطال، حجة عليك، بأن لك القدرة على طول القيام، فلا تقصري فيه سائر العام وليكن لك نصيب من القيام بعد شهر رمضان، فهو شرف المؤمن فلا تفرطي في شرفك بقية العام.
ختمت القرآن مرة أو أكثر من مرة في رمضان، فإذا كنت عزفت عن الشواغل والصوارف، حتى أنجزت هذا هلّا عزمت على صرفها عنك مرات أخر للاكثار من قراءة القرآن في سائر الأيام؟
حافظت بقرد استطاعتك على قلبك وعقلك وجوارحك عن الحرام في شهر الصيام ولكن صيام تلك الجوارح عن الحرام لا نهاية له بغروب الشمس أو بهلال عيد فهو شريعة الله في سائر العام : {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36]، أرحامك إخوانك إخواتك جيرانك، أهل بيتك أحييت صلتهم في رمضان فلا تعديهم من الموتى بعد رمضان ، فالصيام يحي قلبك في الشهر الفضيل لوصلهم ليظل الوصال حيًا سائر الأيام.
نعمة سابغة ورحمة واسعة أن تخرجي من رمضان مغفورًا، لك فحافظي على تلك النعمة ولا تبدليها بنقمة العودة إلى العصيان بعد وداع رمضان.
كنت في شهرك جوَّاده كريمة، لكن ربك الحي الذي لا يموت هو الغني الأكرم الجواد، فعاملي عباده بما تحبي أن يعاملك به من الجود والكرم، فعساه أن يجود عليك بنعيم الجنان.
عاهدي الله على الطاعة وأنت في نهاية موسم الطاعات فقد كان نبيك صلى الله عليه وسلم يعاهد الله على الطاعة، فيقول في دعائه المسمى سيد الاستغفار(اللهم انت ربي لا اله الا انت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت....) [رواه البخاري].
اللهم أعد علينا رمضان أعوامًا عديدة وأزمنة مديدة، ونحن طائعون لك ونحن مرضيون عندك وتقبل منا الصلاة والصيام وتلاوة القرآن.. آمين [روح الصيام ومعانيه، عبد العزيز كامل، ص (160- 164)].
المصادر:
· روح الصيام ومعانيه، عبد العزيز كامل.
· وظائف رمضان، ابن رجب.
· القواعد الحسان في أسرار الطاعة والاستعداد رمضان، رضا صمدي.