نبتة الإسلام تزدهر بين عواصف المادية في بلجيكا (4)

اليوم ونحن نصل إلى نهاية جولتنا في بلجيكا حيث تتبعنا ورأينا كيف أن نبتة الإسلام نمت وترعرعت وازدهرت بين عواصف المادة هناك, ورأينا كيف واجهت هذه النبتة تلك العواصف حتى استقرت جذورها بفضل الله في أراضي بلجيكا, نمضي في حديثنا في هذه الحلقة لنرى كيف واجهت تلك النبتة.
إن التي الصعوبات والتحديات مرت بالإسلام والمسلمين في بلجيكا أحدثت نوعا من اليقظة لدى المسلمين فبدأوا تحركات إيجابية للتوحد والتجمع معا، ومد جسور الاتصالات فيما بينهم للتشاور في شؤونهم والتعاون على ما يواجههم من حصار أو اتهامات في الغرب ،وبذلك كسب المسلمون عملية إصلاحات داخلية في مؤسساتهم في بلجيكا بصورة ملحوظة، ولكن نتائج هذه الإصلاحات لن تظهر الآن، بل ستتضح بجلاء بعد أن تنتهي هذه الموجة العالية من العداء للإسلام والمسلمين وتهدأ، وأنا أعتبرها موجة أو صرعة عداء ستهدأ بالفعل وتعود إلى معدلها الطبيعي، لأن العداء للإسلام قائم في كل زمان ومكان كما يذكر القرآن الكريم.
لقد استطاع مسلمو بلجيكا أن يغيّروا أوضاعهم في المجتمع من مجرد عمال في مناجم الفحم إلي برلمانيين يدافعون عن قضايا إخوانهم، كما استطاعوا أن ينشئوا مؤسسات تعليمية وتربوية تدعم من صلة المهاجرين بالإسلام.
وعلى الرغم من أن المسلمين يعيشون في مجتمع تسوده القطيعة الاجتماعية عمومًا، فهم يعيشون في جو يغبطون عليه ويتمثل هذا الجو في التضامن والترابط الذي لا تخفى مظاهره في حياتهم ويرجع الفضل في هذا إلى عدة عوامل نذكر منها:
1- التربية الاجتماعية التي تربى عليها المهاجرون وخاصة الجيل الأول منهم. تلك التربية التي هي ثمرة التوجيهات الإسلامية.
2- الاهتمام المتزايد بتأسيس المساجد والمرافق التابعة لها لتعليم اللغة العربية وتحفيظ القرآن الكريم.أما المؤسسات والنوادي والهيئات فهي قليلة إذا ما قورنت بالجمعيات المسئولة عن المساجد وليست لدى هذه القنوات رؤية واضحة في البرامج والأنشطة التي تقدمها لفئات من الجالية المسلمة.
غير أن هذه الجهود الطيبة بقيت ردحا من الزمن مبعثرة، إذ أن كل جماعة حصرت أعمالها داخل مؤسساتها، أو مسجدها الذي أقامته في حيها، أو في القرية، أو المدينة التي استقرت فيها، وبذلك كانت الدعوة الإسلامية مطبوعة بالطابع المحلى الضيق مفتقرة إلى النظرة الشمولية وإلى التنظيم والترابط المحكمين إلى أن أنشئ المركز الثقافي الإسلامي .
هذا وقد كان للمركز الإسلامي والثقافي في بلجيكا دورًا كبيرًا في المضي بقافلة الدعوة الإسلامية, وخدمة المسلمين هناك بصور شتى:
● يبذل المركز الإسلامي والثقافي في بلجيكا جهودًا كبيرًا انطلاقًا من أهدافه وتحقيقا لرسالته في خدمة الجالية المسلمة في بلجيكا خاصة وفي أوروبا على وجه العموم تتضمن تلك الجهود العديد من الأنشطة في مقدمتها النشاط الدعوي، وبرنامج الفتوى، وإقامة مساجد ومصليات في الأماكن العامة، إضافة إلى النشاط العلمي، والنشاط الثقافي والإعلامي، والخدمات الاجتماعية والعلاقات العامة.. وفيما يلي تفاصيل ما يقوم به المركز من أنشطة.
حيث يقوم المركز الإسلامي بتهيئة المسجد لإقامة الصلوات الخمس وكذلك الجمع والأعياد حيث يتوافد عدد من أبناء المسلمين على المركز الإسلامي فيبلغ عددهم في الصلوات الخمس ما بين المائة إلى المائتين، وفي صلاة الجمعة ما يزيد على ثلاثة آلاف مصل ويتضاعف العدد في شهر رمضان وفي الأعياد.
وقد حرص المركز على تهيئة المسجد بفرشه وتوفير جميع الخدمات اللازمة للمصلين كما اجتهد في اختيار الإمام وفي اختيار خطيب الجمعة وكذلك الموضوعات التي تعرض في الخطبة لتعم بها الفائدة ويتحقق المقصود وقد أعدت إدارة المركز جدولًا بذلك كما يقوم المركز بترجمة خطب الجمعة ترجمة فورية إلى اللغة الفرنسية.
وقد خصص المركز أيضًا ثلاث ساعات يوميًا لاستقبال الأسئلة والفتاوى والإجابة عليها عبر الهاتف كما خصص مكتبًا لاستقبال أصحاب القضايا الاجتماعية والمشكلات الأسرية والسعي لحلها وكلف بعض الأساتذة والدعاة بالعمل في هذا المكتب استجابة لرغبة الجالية المسلمة، وأعد جدولًا لذلك وقد أعلن في المساجد والجمعيات.
يحرص المركز على نشر الدعوة في المجتمع البلجيكي وتقديم المعلومات والمعارف الأصيلة عن الإسلام وذلك عبر توزيع المنشورات والكتيبات التي تعرف بالإسلام وتدعو إليه وقد وزع المركز ما يزيد على 000ر40 نسخة بلغات مختلفة ومنها (العربية والفرنسية والانجليزية والنير لندية).
قام المركز بافتتاح مسجدين في مطار بروكسل الدولي في الصالتين الدولية والداخلية وذلك بالتعاون مع إدارة المطار وقام المركز بتجهيزهما بالفرش وتزويدهما بالمصاحف والكتب وبعض النشرات للتعريف بالإسلام ونشره أوقات الصلاة التي يصدرها المركز.
كما أقا م المركز مصليات في بعض سجون بلجيكا بالتعاون مع السلطات البلجيكية لخدمة إخواننا المسلمين في السجون مع تزويدها بالمصاحف والكتب المناسبة لذلك، وكذلك يشرف المركز على بعض المصليات في الجامعات البلجيكية مع دعم الأندية الطلابية التي يشرف عليها الشباب المسلم.وقد أقام المركز مصليات ببعض المستشفيات الرئيسية في بروكسل لخدمة المرضى من إخواننا المسلمين.
ويشرف المركز الإسلامي على المعهد الإسلامي الأوروبي الذي أنشأته رابطة العالم الإسلامي ليمنح درجة الليسانس في الدراسات الإسلامية وقد خرج هذا المعهد ما يزيد على ثلاثمائة طالب وطالبة يعمل كثير منهم في التدريس في المدارس البلجيكية وفي الدعوة وإمامة المساجد، ويضم المعهد عددًا من الأساتذة من البعثة المغربية والبعثة المصرية والبعثة السعودية.
ولديه أيضًا المدرسة العربية الإسلامية وتضم هذه المدرسة المراحل الثلاث (الابتدائية والمتوسطة والثانوية) ويبلغ عدد طلابها أكثر من (700) طالب وطالبة وتتولى هذه المدرسة تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية في إجازة نهاية الأسبوع (الأربعاء والسبت والأحد).
وكذلك يضم المركز قسمًا لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها,و يدرس في هذا القسم ما يزيد على (170) طالبًا وطالبة من جنسيات أوروبية متنوعة من العاملين في البرلمان الأوروبي وغيرهم من الراغبين في تعليم اللغة العربية، ويدرسون في مساء أيام الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس من كل أسبوع.
وهناك أيضًا المدرسة النسائية, ويدرس في هذه المدرسة عدد من الأخوات المسلمات يبلغ عددهن 140 طالبة ويقوم بتدريسهن طاقم نسائي ويتعلمن اللغة العربية والمواد الشرعية في أيام الاثنين والثلاثاء والخميس من كل أسبوع.
كما أن هناك قسمًا لتعليم مبادئ الإسلام, ويتولى هذا القسم تعليم مبادئ الإسلام للمسلمين الجدد وقد تم تقسيمه إلى أربعة مستويات يدرس فيها ما يزيد على 160 طالبًا وطالبة يدرسون ثلاث ساعات في يوم السبت من كل أسبوع.
أما عن القرآن الكريم فإن دار القرآن الكريم تتولى الإشراف على مدرسة تعليم القرآن الكريم للرجال والنساء للكبار والصغار حيث قسم الطلاب حسب مستوياتهم وأعمارهم ليتم تدريسهم وتعليمهم القرآن الكريم.
وتتولى هذه المدرسة إجراء مسابقات لحفظ القرآن الكريم على مستوى المركز وعلى مستوى بلجيكا، وتقيم مسابقة سنوية في شهر رمضان المبارك بمستويات مختلفة، ويرصد لها جوائز خاصة متميزة.
يقيم المركز الإسلامي دروسًا يومية مختصرة بعد صلاة الفجر والعصر ودروسًا أسبوعية في بعض التخصصات الشرعية بمعدل ثلاثة دروس علمية في كل أسبوع يشارك فيها عدد من الدعاة والعلماء حسب جدول أعد لهم.كما يشارك المركز بإلقاء بعض الدروس العلمية في الجمعيات والمساجد والمراكز الإسلامية في عدد من مدن بلجيكا.
كما يقيم المركز محاضرتين في كل شهر داخل المركز أحداهما باللغة العربية والأخرى باللغة الفرنسية.
ويشارك المركز في الندوات والمحاضرات خارج مقر المركز وفي أماكن تجمعات الجالية وحسب لغة المستمعين فيشارك بإلقاء محاضرات ودروس باللغة التركية والنير لندية وبعض اللغات الإفريقية. أقام المركز عشر دورات شرعية في تخصصات مختلفة وبلغات متعددة وشارك في كل دورة من هذه الدورات ما يزيد على (100) مشارك ومشاركة.
كما أقام المركز دورة خاصة في التعريف بمناسك الحج وصاحب هذه الدورة معرض بالصور عن مناسك الحج والأعمال التي يقوم بها الحاج وعرض لفيلم فيديو عن مناسك الحج بلغات مختلفة (العربية والفرنسية والنير لندية) وكانت مدة العرض عشرة أيام مما مكن الجميع من الحضور والاستفادة في أوقات مختلفة.
كما تم توزيع عدد من الكتب والمنشورات المتعلقة بالحج وأحكامه بما يقرب من (1500) كتاب أو نشرة باللغتين العربية والفرنسية.
ويقوم المركز بتوزيع المصاحف والكتب على المساجد والجمعيات والمراكز الإسلامية في مختلف مدن بلجيكا، فقد تم توزيع ما يزيد على (4000) مصحف تقريبا وكذلك (20000) كتاب ونشرة استفاد منها أكثر من (280) مسجدًا وجمعية وأكثر من (600) فرد من أبناء الجالية المسلمة في بلجيكا.
كما يقوم المركز بطباعة مواقيت الصلاة وتوزيعها على المساجد والجمعيات والمؤسسات وسفارات الدول الإسلامية وقد تم طباعة ما يزيد على (30000) ثلاثين ألف نسخة تتم طباعتها كل ستة أشهر.
هذا ولم تتوقف أنشطة الدعوة في المركز الإسلامي على الطرق التقليدية السابق ذكرها ولكنه مسايرًا للتطور المعلوماتي قام المركز بامتلاك إحدى عشرة ساعة إذاعية في الأسبوع في إحدى الإذاعات العربية المحلية ويحاول استغلالها وتسخيرها في خدمة أهداف المركز وإيصال الصوت الإعلامي الحق إلى المستمعين وبالإضافة إلى البرامج الإذاعية المتنوعة فان المركز يبث خطبة وصلاة الجمعة من مقر المركز على الهواء مباشرة لتعم الفائدة لجميع المسلمين في بروكسل.
كما تقوم إدارة المركز بالإشراف على الموقع الدعوي للمركز على الشبكة الدولية للمعلومات ويسعى المركز للاستفادة منها واستغلالها لتحقيق أهداف المركز وإيصال رسالته إلى الشارع البلجيكي عمومًا وإلى إفادة المسلمين في بلجيكا خصوصًا.
كما شارك المركز في عدد من البرامج التلفزيونية والتي تبث على الهواء مباشرة بالتعاون مع قنوات أوروبية وعربية مختلفة.وقام المركز بالتنظيم والمشاركة في بعض البرامج الإعلامية والعلمية التي ينفذها الاتحاد الأوروبي والجامعات البلجيكية.
قام المركز بافتتاح نادي الشباب المسلم ليكون مقرًا للشباب المسلم ليزاول عددًا من الأنشطة والبرامج العلمية والرياضية والتي تساهم في المحافظة على الشباب من الانحراف وتستثمر أوقاتهم بالنفع والفائدة ومن خلال هذا النادي تنظم الرحلات الطلابية والمعسكرات الكشفية وتمارس أنواع من الأنشطة المختلفة مما كان له الأثر الكبير على شباب المسلمين في بلجيكا.
ويقوم المركز بتنظيم زيارات دورية للسجون والمستشفيات بشكل عام ورعاية المسلمين فيها بشكل خاص وقد قام المركز بتنظيم أكثر من 50 زيارة للسجون يلقى من خلالها بعض الدروس الشرعية ويجاب على الأسئلة والاستفسارات من قبل المسجونين كما يتم توزيع بعض الكتب والمصاحف والنشرات والتمور وبعض الهدايا العينية كما يقدم المركز هدية العيد للإخوة والأخوات في السجون والمستشفيات وقد تم توزيع ما يزيد على ألف هدية وكان لها الأثر الكبير على نفوس المرضى والمسجونين.
وبالإضافة إلى نشاط المركز الإسلامي فقد أوضحت صحيفة "دي ستاندرد" الفلمنكية واسعة الانتشار، أن مسلمي بلجيكا قد حازوا على عدد من الأصوات يتفوق بعدة آلاف على ما حصل عليها زعماء أحزابهم من البلجيكيين الأصليين، وقد دلّ الصعود غير المتوقع للمرشحين المسلمين في الانتخابات الأخيرة على مؤشرات إيجابية، أهمها أنّ الأحزاب السياسية البلجيكية قد وعت الدرس جيدًا، وأنها ستعمد إلى إدراج المزيد من المرشحين المسلمين على قوائمها الانتخابية في الجولات المقبلة؛ نظرًا لأهمية الصوت المسلم، والتي تتزايد عبر السماح للأجانب بالمشاركة في الانتخاب.
من هذا الواقع نرى أن تعزيز العلاقات مع المؤسسات الدينية والثقافية الإسلامية في بلجيكا الفتية أمر ضروري لدعم مسيرة الإسلام هناك .ومن هذا المنبر ندعو الجميع حكومات ومنظمات وأفراد إلى وضع خطة محكمة ومنهاج سليم لدعم الدعوة لديننا الحنيف في بلجيكا وفي شتى أرجاء المعمورة حتى تؤتى ثمراتها طيبة يانعة بإذن الله تعالى.
ولا شك أنه بعد الإخلاص في العمل إلى الله وتوفير الإمكانات المادية، وانتداب الرجال الأكفاء الصالحين نستطيع تحمل أعباء هذه الأمانة الثقيلة حتى تمتد جذور شبكة العمل الإسلامي في كامل القارة الأوروبية متصدية لكل التحديات والمشكلات والله الموفق بحوله وقوته وإلى الملتقى في ملف آخر إن شاء الله.