كوسوفا صراع بين الإسلام والصليبية (2)
في حلقة اليوم نتتبع مسيرة الإسلام إلى أرض كوسوفا, ونرى الكيفية التي وصل بها إلى تلك الأرض الطيبة.فبداية قد اتَّفق المؤرِّخون على أن الإسلام دخل إلى البلقان قبل الفتح العثماني، وذلك عن طريق التجار والدبلوماسيين والدعاة، إلا أن ذلك كان على نطاق ضيق ومحدود. أمَّا انتشار الإسلام في تلك البلاد فقد كان بعد مجيئ العثمانيين.
ويجدر بنا أن نشير هنا إلى أن دخول الاسلام الى البلقان لم يرتبط بالفتح العثماني، كما يردد الكثيرون، ليعطوا انطباعا أن الاسلام دخل هذه المنطقة بحد السيف العثماني.
ذلك أنه من الثابت،أن بلاد العرب كانت الجسر الذي تعبر عليه تجارة الشرق الى الغرب،وأنها كانت تنقل عبر موانىء الشام إلى روما والبندقية على الساحل الأوروبي،الامر الذي فتح باباً واسعاً للتعامل بين العرب والأوروبيين.وكانت جسور التجارة هذه هي القنوات التي نقلت الإسلام إلى تلك المناطق.
ويذكر ياقوت الحموي أن ملك البلغار وأهلها قد أسلموا في أيام المقتدر بالله «295هـ/ 908م» وأرسلوا إلى بغداد رسولاً يعرفون المقتدر ذلك ويسألونه في إيفاد من يعلمهم الصلاة والشرائع.
إلا أن الدخول الحقيقي للإسلام إلى كوسوفا كان في عام 1389م، إبَّان الخلافة العثمانية بعد المواجهة الحاسمة بين العثمانيين والصرب،في المعركة التي اشتهرت باسم "قوصوه" أو "كوسوفا" وقد هُزم الصرب في تلك المعركة، وقتل فيها ملكهم بعد هزيمة جيشه. وقد تمكن الحكم العثماني في جزيرة البلقان بصورة نهائية بعد معركة (قوصوه)؛ فبعد هذه المعركة الحاسمة خضعت كوسوفا وصربيا للحكم العثماني ما عدا مدينة بلغراد؛ فإنها فُتِحَت في عهد السلطان سليمان القانوني؛ وذلك في 26 من شهر رمضان المبارك سنة 938 هـ/1521م.
وهكذا بدأت صفحة جديدة في تاريخ المنطقة عندما طرق العثمانيون ابواب البلقان، في النصف الثاني من القرن الرابع عشر.
كانت الاندلس وقتئذ توشك أن تضيع من المسلمين، وربما خطر للسلطان العثماني أن تكون البلقان هي البديل الذي يعوض تلك الخسارة! ولم يكن ممكناً أن يتم النفاذ إلى البلقان دون السيطرة على كوسوفا التي تعد موقعاً حيوياً عند مفترق الطرق المؤدية إلى مختلف أنحاء شبه الجزيرة.
وخلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، استطاع العثمانيون ان يبسطوا نفوذهم على منطقة البلقان، وان يعينوا ولاة يمثلون الاستانة في كل اقليم او «ايالة» عثمانية، وظلت البانيا ركيزة اساسية للحكم العثماني وبات رجالها الاشداء دعامة مهمة في جيوش الامبراطورية.وثمة شاهد في كوسوفا يعزز فكرة وصول الاسلام الى البلقان قبل وصول الاتراك. ويتمثل هذا الشاهد في ضريح لواحد من الاولياء ، اسمه ساري سلطاكو يرقد جثمانه في مدخل مدينة بيا.
وهكذا نعلم كيف دخل الشعب الألباني في الإسلام أفواجًا، وكيف حَسُنَ إسلام الألبان، واندمجوا في الدولة العثمانية؛ حتى برز منهم قوَّادٌ عِظام مثل بالابان باشا (من قواد فتح القسطنطينية)، وعدد من كبار الكُتَّاب والشعراء كانوا يؤلِّفون بلغات خمس، هي: الألبانية والبوسنية والعربية والتركية والفارسية، مثل محمد عاكف أرسوي.
كانت ولاية كوسوفا أكبر الولايات العثمانية، وكانت أول عاصمة لها مدينة بريزرن،ثم مدينة بريشتينا،ثم مدينة أسكوب أو أسكوبيه عاصمة مقدونيا اليوم، وما زال عدد الألبان فيها إلى يومنا هذا أكبر من عددهم في تيرانا عاصمة ألبانيا.
هذا وتتمتع كوسوفا بتركيب عِرْقي متنوِّع يضمُّ 90% من الألبـــان، و4% من الصرب، و3% من الأتراك، و2% من البوشناق، و1% قوميات أخرى، وتبـلغ نسبة المسلمين بين هذه الأعراق حوالي 95%.
ومنذ ذلك اليوم الذي دخل فيه الإسلام عمل الصرب على إنهاء الوجود الإسلامي في البلقان، وقادوا تحالفا مع بلغاريا والجبل الأسود واليونان لطرد الدولة العثمانية من البلقان، للانتقام من المسلمين هناك.
واشتدت المؤامرات على الدولة العثمانية من الخارج ، وتمكنت صربيا من قيادة التمرد ضد الدولة في الداخل - في منطقة البلقان - واستطاعت أن تنسلخ عن الدولة العثمانية قبيل الحرب الاستعمارية الأولى.
ولقد كان إعلام الألبان استقلالهم عن الخلافة الإسلامية أثناء الحرب البلقانية العثمانية سنة 1912م بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، فيما مثل الخروج الأخير من شعوب الخلافة على الدولة العثمانية, ومنذ ذلك الحين انطلقت الحرب على كل ما هو إسلامي في البلقان حرثا ونسلا.
وفي مؤتمر عقدته الدول الغربية المنتصرة في لندن عام 1912م، تم توزيع أجزاء من أراضي بلاد الألبان على المنتصرين. فتقلصت مساحة ألبانيا إلى أقل من الثلث فبعد أن كانت مساحتها حوالي 70 ألف كيلومتر مربع أصبحت حوالي 29 ألف كيلو متر مربع فقط.
وكانت كوسوفا أحد تلك الأراضي المستقطعة من ألبانيا والتي تضمنتها الغنائم المخصصة للمملكة الصربية آنذاك حيث كافأ المجتمع الدولي صربيا بإهدائها كوسوفا، وذلك عبر المؤتمرات الدولية الأربعة الشهيرة في سان ستيفانو وبرلين ولندن وباريس.
هذا ويعتبر إعلام ألبانيا استقلالها عن الخلافة الإسلامية على وجه التحديد هو تاريخ بداية المذابح الجماعية للمسلمين في البلقان عموماً، وفي البوسنة وكوسوفا خصوصاً,فالرقم الذي تذكره الإحصائيات عن عدد قتلى المسلمين في كوسوفا وحدها قريب من ربع مليون نسمة، عدا المهاجرين من ديارهم فراراً بدينهم وهم عشرات الألوف.
ومع صعود التيار الأتاتوركى إلى سدة الحكم في تركيا العلمانية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك بدأت مؤامرة جديدة بين الحكومة التركية وحكومة يوغسلافيا لإفراغ كوسوفا من المسلمين، من خلال تهجير أعداد كبيرة منهم. وقد تم التوقيع على اتفاقية في عام 1938، تقضي بتهجير 400 ألف عائلة ألبانية مسلمة إلى تركيا.
وخلال الحرب الاستعمارية الثانية ظل قادة ما يسمى بحركة التحرير الشعبية ليوغسلافيا يخدعون الشعب الألباني المسلم في كوسوفا لإقناعهم بالتعاون معهم ضد المملكة الصربية، وأنهم في حال تسلمهم مقاليد الحكم في البلاد سيعيدون هذا الحق المغتصب للمسلمين في كوسوفا.
وبعد اعتلاء الماركسيون الحكم بعد الحرب الاستعمارية الثانية في البلاد أرسلوا وحدات من الجيش لاحتلال كوسوفا الأمر, وقد سقط في هذه المعارك التي استمرت قرابة ثلاثة أشهر قرابة 50 ألف شهيد من الشعب الألباني المسلم, في واحدة من أكبر حملات الإبادة للشعوب الإسلامية المنكوبة التي سيطروا عليها.
وبالطبع استمرت المؤامرة الغربية لضرب الوجود الإسلامي في أوروبا, ففي عام 1945م قررت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي تقسيم الأراضي الألبانية المحتلة بين ثلاث جمهوريات هي صربيا، ومقدونيا، والجبل الأسود, ومن ثم فقد الحق إقليم كوسوفا بصربيا للمرة الثانية!
وقد نص الدستور اليوغسلافي الذي صدر سنة 1946م، على "تبعية كوسوفا لصربيا" كإقليم يتمتع بحكم ذاتي, ولديه اتحاد الإسلامي،وقد بدأ هذا الاتحاد عمله في أول يناير سنة 1948 بعد الحرب العالمية الثانية وكان عمله يشمل جميع المسلمين الذين يعيشون داخل حدود جمهورية يوغوسلافيا السابقة،ولكن بالرغم من ذلك فقد ظل هذا الإقليم يتقلص تدريجيا إلى أن ألغي بالكامل في دستور سنة 1963م.
كانت الإدارة اليوغسلافية تعلن على الجميع ان المسلمين ليس لهم مكان في كوسوفا، وان مكانهم الطبيعي هو في تركيا حيث الخلافة والقيادة الاسلامية.
رغم أن انتقال يوغوسلافيا من الملكية الى الجمهورية بعد الحرب العالمية الثانية كان يمثل انقلابا شاملا في مختلف نواحي الحياة وانتقالا من النظام الملكي الاقطاعي والرأسمالي الى النظام الاشتراكي والشيوعي، فان هذا الانقلاب لم يغير من أوضاع مسلمي كوسوفا شيئا.
فقد ظل مسلمون كوسوفا في حقيقة الأمر عنصراً غير مرغوب في استمراره وظل الاتجاه العام هو تهجير هؤلاء المسلمين الى تركيا، حتى شهدت الخمسينات حملة تهجير واسعة النطاق لم تمانع الحكومة التركية في قبولها، وان اشترطت على كل مهاجر ان يوقع اقرارا بانه تركي الاصل حتى لا يطالب باية حقوق باعتباره البانيا.
وبسبب تلك الملابسات التعيسة فقد ظلت كوسوفا حتى الخمسينات بؤرة للتخلف والجهل فضلا عن كونها مستودعا لاحزان المسلمين الالبان، حتى تسجل الارقام الرسمية انه في سنة 1950 بلغت نسبة الامية في ذلك الاقليم 90%.
وبصدور دستور سنة 1974م تم تثبيت الحكم الذاتي، وتوسيع نطاقه نتيجة للضعف الذى بدأ يعانى منه الاتحاد السوفييتي، إذ أصبحت كوسوفا بموجبه وحدة فيدرالية واحدة متساوية مع بقية الوحدات الفيدرالية الأخرى في البلاد، وهو ما انطبق على البوسنة أيضاً.
ولم يكن هذا ملبيا لآمال المسلمين الذين عانوا الكثير من الويلات, فقاموا سنة 1981م بثورة شعبية على مستوى كوسوفا كلها، يطالبون فيها باستقلال كوسوفا عن صربيا ومنحها حكما ذاتيا كجمهورية في إطار يوغسلافيا الفيدرالية, وشهد التاريخ للمرة الألف مذبحة لفها الصمت ارتكبها الجيش الصربي المدجج بأفتك أنواع الأسلحة الحديثة التي راحت تحصد المسلمين.
وقدر عدد قتلى المسلمين في اليوم الأول بحوالي 300 قتيل، هذا فضلاً عن هدم البيوت، وتدمير المنشات الخدمية، وانتهاك حرمة المساجد والمدارس الدينية، وهتك أعراض الحرائر من أخواتنا المسلمات.
ومع سقوط الاتحاد السوفييتي وبداية تحلل يوغوسلافيا بخروج سلوفينيا وكرواتيا اللتان رحب بهما الغرب الصليبي وسارع إلى اتخاذ الخطوات المتسارعة لضمهما إلى الناتو والاتحاد الأوروبي, بدت مرة أخرى عنصرية الغرب الصليبي ووحشيته عندما أعلنت البوسنة استقلالها, وأعلن الغرب بكل وضوح بأنه "لن يسمح بقيام دولة إسلامية في أوروبا.
والحديث عن الجرائم التي ارتكبتها أيدي الطغاة الغربيين لا تسعه الآلاف من المجلدات,فهم لم يتركوا جريمة إلا وارتكبوها من القتل والتمثيل بالقتلى, إلى الاغتصاب وقتل الأطفال, إلى تدمير المساجد والمنازل, إلى حظر لغة الشعب الألباني ومنع تدريسها, إلى طرد المسلمين من أعمالهم ووظائفهم العمومية والجيش والأمن وقتل العاملين في تلك الجهات في تصفيات منظمة.
بل ويزداد الطين بلة حين تعلم أخي القارئ ما وصل إليه هؤلاء القوم من خسة إلى حد وضعهم السم في خزانات مياه المدارس بمدن كوسوفا لقتل أطفال المسلمين,إلى استدعاء التراث التتري في التعامل مع الكتب والعلم بمصادرة الكتب من المكتبات واستخدام أوراقها فى إعادة تصنيع أوراق التغليف,إلى إبادة قرى بكاملها على سبيل المثال قرية راتشاك.
إلى هنا نتوقف ونواصل المسير في الحلقة القادمة إن شاء الله فإلى الملتقى.