سياسة تركيا .. وتحول المحاور

إرجون باباهن/ "توداي زمان"
ترجمة/ شيماء نعمان
مفكرة الإسلام : منذ البزوغ القريب لتركيا كلاعب بارز على الساحة السياسية، بدأت بعض الدوائر التي تضررت من المنحى الجديد للسياسة الخارجية لأنقرة في إثارة جدل حول ما أسمته "تحول المحاور" أو الاتجاهات.
وقد نفت تركيا أكثر من مرة اعتبار أنها تميل نحو الشرق وتقطع علاقاتها مع الغرب، إلا أن الكاتب التركي "إرجون باباهن" حاول تقديم تفسير للضجة المثارة حول سياسة بلاده الخارجية في الوقت الراهن؛ موضحًا في مقال له نشرته صحيفة "توداي زمان" التركية تحت عنوان "للمرة الأولى .. يصبح لتركيا سياسة خارجية" أن الاتجاه الحالي لا علاقة له بأي "تحول في المحاور" ولكن سياسة يفرضها الواقع القائم.
ونعرض فيما يلي نص مقال باباهن، وجاء فيه:
لقد قامت إنجلترا، التي ضعفت اقتصاديًا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، بتسليم مسئولياتها على جبهات تركيا واليونان إلى الولايات المتحدة. وكان لتركيا واليونان أهمية كبيرة نظرًا للتهديد الذي كان يمثله الاتحاد السوفيتي آنذاك. و خلال حقبة الحرب الباردة، تأثرت بشدة سياسة تركيا الخارجية بالولايات المتحدة.
ولم يكن في وسع أنقرة، في ذلك الوقت، رسم خارطة طريق خاصة بها دون وضع واشنطن نصب عينيها. الأكثر من ذلك، أن أنقرة كانت مرتبطة بواشنطن فيما يتعلق بالأمن الدفاعي والتنمية الاقتصادية. وعندما كانت تخفق أنقرة في الاستجابة للأوامر الأمريكية، كانت هناك دائمًا تداعيات فورية. لقد استغرق الأمر وقتًا من تركيا لتتعلم كيفية مواكبة عالم الحرب الباردة من حولها.
وقد بدأت حاليًا التيارات غير الشرعية داخل الدولة في الزوال نظرًا لإخفاقها في إدراك أنها ليس لها مكان في النظام العالمي الجديد. وعلى مدى العقد الماضي، بدأت المؤسسات الاقتصادية العالمية القوية التي أنشئت في عهد "كمال درويش"- وزير الاقتصاد التركي السابق- في إيتاء ثمارها. في الوقت نفسه، كانت هناك بعض التغيرات ذات الأهمية الكبيرة قد طرأت على الصعيد الدولي. فأمريكا ربما لا تزال هي القوة العظمى العالمية الوحيدة، ولكنها فقدت ذلك التأثير الذي تمتعت به خلال حقبة الحرب الباردة. أما الآن، فقد بدأت تصعد إلى المقدمة، إلى جانب أمريكا، قوى أخرى مثل الصين والهند؛ بينما أوروبا، التي تحتفظ بأهميتها الاقتصادية، قد ضعفت على المستويين العسكري والسياسي. أما بالنسبة لتركيا، فقد طبقت سياسة خارجية تعكس قيم شعبها وذلك أثناء حقبة كانت تتحول فيها إلى الديموقراطية على نحو مطرد. وهذه هي الحقيقة التي تكمن تحت سطح التوترات التي تشهدها تركيا في علاقاتها مع "إسرائيل" في الآونة الأخيرة.
وبالمثل، فالسياسة الخارجية الجديدة لتركيا تتماشى مع العالم متعدد الأقطاب من حولها. فقد دخلت تركيا في أنواع جديدة من العلاقات، ليس فقط مع مراكز القوة مثل روسيا والصين، ولكن أيضًا مع جيرانها من الدول المجاورة. وقد بدأ تفسير السياسة الخارجية في تركيا على أنها ببساطة امتداد للعلاقات الاقتصادية.
وفي الواقع، فإن الظاهرة التي يشار إليها على نحو واسع النطاق على أنها "تحول في المحاور" ليست أكثر من عملية تقوم فيها تركيا بتهيئة نفسها لمواكبة النظام العالمي الجديد من حولها. فعندما أقدم الرئيس الأمريكي السابق "ريتشارد نيكسون" على مساعيه المعروفة لتعزيز العلاقات الأمريكية مع الصين، فإنه كان ببساطة يتواكب مع ظروف تنامت في ذلك الوقت. أما الصين فلم تقبل إصرار روسيا على أنها الزعيم الدولي للدول الشيوعية؛ فقد كانت تتكشف هناك اختلافات جدية تتعلق بالأيديولوجية والمصلحة الوطنية بين البلدين. ولذلك، عندما شكل نيكسون تحالفًا هامًا مضادًا لروسيا من خلال صنع السلام مع الصين؛ فهو لم يكن يشرف على كبوة في المحاور بل يصنع مناورة دبلوماسية تتناسب مع الواقع القائم.
وبالمثل، تعتمد السياسة الخارجية التي تحاول تركيا تطبيقها اليوم على محاولات لقراءة الحقائق الدولية من حولها على نحو صحيح واتخاذ خطواتها بناءً عليها. وهذا لا يعني أبدًا ابتعاد تركيا عن حلفائها الغربيين، أو أنها تفضل الشرق على الغرب في الوقت الراهن. ولكن يعني أن أنقرة ترى وتدرك أهمية الشرق وتعتزم الاستفادة من المزايا التي يقدمها. وهذه سياسات خارجية يتعين على أي دولة تثق في نفسها، وترغب في وضع أفضل لنفسها في النظام الدولي، أن تطبقها.
وبالطبع، فهناك حقيقة لا مفر منها وهي أن بعض تلك الخطوات سيكون له تأثير سلبي على مصالح عواصم عالمية بعينها. وفي الواقع، فإنه من السهل للغاية رؤية ما يحدث في تلك العواصم عندما تنظر إلى من أطلق جدل "تحول المحاور" وإلى من يدعم ذلك الجدل. إنه في وقت أصبح فيه العالم متعدد الأقطاب وبه العديد من مراكز القوة، فإن أي سياسة خارجية ذات اتجاه واحد أو بعد واحد سوف تعني جهل معين وعدم قدرة على استطلاع الفرص. إلا أن السياسيون الأتراك، على الرغم من أخطائهم التكتيكية التي تحدث بين الحين والآخر، فإنهم بوجه عام على الطريق الإستراتيجي الصحيح حتى الآن.