مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

كوسوفا صراع بين الإسلام والصليبية (3)

6 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

في حلقتنا اليوم نواصل رحلة آلام ومعاناة بل وكفاح الشعب المسلم في كوسوفا ضد قوى الكفر الغربية المتعاونة مع الشرق القصى الملحد, ترى كيف وقف الإسلام والمسلمين في كوسوفا في مواجهة هذه المؤامرات.

رغم أن انتقال يوغوسلافيا من الملكية إلى الجمهورية بعد الحرب العالمية الثانية كان يمثل انقلابا شاملًا في مختلف نواحي الحياة وانتقالًا من النظام الملكي الاقطاعي والرأسمالي إلى النظام الاشتراكي والشيوعي، فإن هذا الانقلاب لم يغير من اوضاع مسلمي كوسوفا شيئًا.

فقد ظل مسلمو كوسوفا عنصرًا غير مرغوب في استمراره وظل الاتجاه العام هو تهجير هؤلاء المسلمين الى تركيا، حتى شهدت الخمسينات حملة تهجير واسعة النطاق لم تمانع الحكومة التركية في قبولها، وإن اشترطت على كل مهاجر ان يوقع اقرارًا بأنه تركي الأصل حتى لا يطالب بأية حقوق باعتباره ألبانيًا.

فيما بعد الملكية صنفت حياة المسلمين في كوسوفا إلى 3 مراحل حسب رأي الباحثين الألبان, استمرت الأولى ثلاث سنوات فقط، وقد كان مسلمو كوسوفا قد خرجوا لتوهم من عسف الملكية وقد عاشوا حالة من الانفراج النسبي، خصوصًا أن العلاقات كانت جيدة وقتئذ بين يوغسلافيا وألبانيا.

لكن الأزمة التي حدثت بين ستالين وتيتو وانحياز قادة تيرانا إلى صف ستالين أصابت علاقات البلدين بالتوتر والقطيعة ومن ثم الخصومة. وكان مسلمو كوسوفا هم ضحية هذه الأزمة.

ولم يقتصر الأمر على واقع تغير وحلم تبدد وإنما قدر لمسلمي كوسوفا أن يعيشوا مأساة طوال العشرين سنة التالية، أي في المرحلة الثانية التي استمرت من 48 إلى 68 وهي المرحلة التي عاشت يوغسلافيا طوالها في ظل ما سمي بسياسة «القبضة القوية».وكانت جريرة أهل كوسوفا التي لم تغتفر لهم أنهم مسلمون، فنالهم عسف مضاعف وامتد الظلم حتى شمل جهود التنمية في الإقليم.فازداد المسلمون خوفًا وحزنًا وازدادوا فقرًا أيضا!

المرحلة الثالثة التي يرصدها الباحثون الألبان في كوسوفا،هي تلك التي أعقبت سقوط رانكوفتش وسقوط سياسة القبضة القوية معه. وبالمقارنة بين المرحلتين يعتبر مسلمي كوسوفا أن صفحة جديدة بدأت منذ عام 1968م ,حيث أنهم أعطوا خلالها مزيدًا من الحقوق كفلتها التعديلات الدستورية التي تمت في عامي 71 و74، وسمح للمسلمين بالإعلان عن إسلامهم في الأوراق الرسمية،وهو ما كان محظورًا من قبل وسمح لهم بقدر أكبر من الحريات الدينية التي شملت إقامة المنظمات التي تهتم بشئون المسلمين وشعائرهم المختلفة وكذا ترميم مساجدهم.

وفي ظل هذا الوضع الذي استجد أعطى إقليم كوسوفا قدرًا أكثر من الاهتمام في خطط التنمية وسمح للسلطة المحلية فيه بتصنيع خامات الإقليم التي كانت تنقل الى خارجه لتصنع في جمهوريات يوغسلافية الأخرى.

أما قلب الإقليم ونبضه فيتوزع في مدن تربشا وجاكوفا وليبيليان حيث مناجم الزنك والكروم والمغنيسيوم ومختلف الصناعات.

منذ أوائل الخمسينات نقلت العاصمة من بريزرن الى بريشتينا وفهم وقتئذ أن القطيعة التي حدثت بين ألبانيا ويوغسلافيا كانت وراء اتخاذ هذا القرار. إذ لما كانت بريزرن أقرب إلى الحدود الألبانية فقد كان مبررًا في ظل تلك القطيعة أن تنقل العاصمة إلى مسافة أبعد قدر الإمكان عن الحدود، وكانت برشتينا هي التي رشحت لخلافة العاصمة القديمة.

هذا وتقوم المشيخة الإسلامية عن الأئمة والمساجد بإدارة النشاطات الإسلامية في كوسوفا منذ العهد الشيوعي فهناك أكثر من 30 دائرة تتبع المشيخة تقوم بجمع ريع ما تبقى من عقارات موقوفة على المساجد، أما رواتب أئمة المساجد والناشطين فإنها تدفع من قبل المسلمين أنفسهم، فكل رب أسرة يدفع بشكل ثابت ما يعادل دولارًا أميركيًا كل سنة لإمام المسجد الذي يسكن في نطاقه. ولكن الإمام يمارس نشاطات أخرى تدر عليه دخلًا كافيًا وأحيانًا مجزيًا، خاصة وأن الإمام يقوم بوظائف متعدة، مثل: عقد الزواج وغسل الموتى ودفنهم، وهذه الوظيفة الأخيرة من واجبات الإمام التي لا سبيل إلى التحلل منها، لأن ثمة اعتقادا شائعًا في أن وجود الإمام إلى جانب المتوفى في مرحلة انتقاله إلى الآخرة وتلاوته القرآن الكريم على روحه مما يخفف عنه العذاب في الآخرة.

ونظرًا لأهمية هذه المسألة فقد أعدت المشيخة «تسعيرة» محددة ومفصلة معلقة في كافة المساجد وهي تفرق بين أجر عملية الغسل إذا قام به الإمام أو قام به المؤذن كما تفرق بين الأجر بحسب جنس المتوفى وعمره.

أما بالنسبة للمذهب فقد شاع المذهب الحنفي بين مسلمي كوسوفا منذ تبنى العثمانيون ذلك المذهب، وهناك نسبة قليلة من الشيعة تتركز في بلدة جاكوفا، إضافة إلى اتباع العديد من الطرق الصوفية مثل : القادرية والرفاعية والخلواتية والسعدية والنقشبندية. والغريب أن نشاط هذه الطرق الصوفية محصور في دائرة الشيعة خاصة.

لقد أدى تفكك الاتحاد اليوغسلافي في التسعينات إلى سعي القوميات للاستقلال عن هيمنة الصرب في بلجراد، لكن قوة صربيا ونفوذها في مؤسسات الاتحاد اليوغسلافي قادها إلى شن حروب مدمرة ضد القوميات الأخرى بهدف إبقاء سيطرتها على أراضي تلك الأقاليم والجمهوريات ولتكوين الحلم في إيجاد صربيا الكبرى، فبدأوا بالحرب مع الكروات أثر إعلان كرواتيا الاستقلال، ومن خلال الدعم الغربي استطاعت كرواتيا حفظ استقلالها، ثم دارت العجلة على مسلمي البوسنة والهرسك فطال الهجوم الصربي على شعبها ودول العالم تتباطئ في دعم البوسنة وشعبها،

هذا ورغم القتل والتشريد والتدمير لم يكن هذا الجزء المستثنى سوى إقليم كوسوفا الذي احتلته مملكة صربيا إلى أن انتهى الأمر إلى صيغة نصف حلّ في مؤتمر دايتون. وحين أنشئت عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، اعترفت بالوضع الذي كان لألبانيا بعد تقطيع أوصالها، مما كان يعني اعترافا بضم كوسوفا إلى صربيا وإضفاء الشرعية على عملية فصل ذلك الإقليم عن ألبانيا الأم.

وفي ظل الأمم المتحدة التي أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية، فإن المنظمة الدولية أقرت تلقائيًا ما اعترفت به عصبة الأمم لصربيا التي أصبحت تحمل اسم يوغسلافيا بضم إقليم كوسوفا إلى أراضيها.

ومثلما كانت مذابح عام 1912 بداية رحلة الشتات في التاريخ الالباني الحديث فانها أيضا كانت بداية رحلة الأحزان بالنسبة للذين بقوا في كوسوفا وقدر لهم أن يعيشوا غرباء تحت حكم الملكية اليوغسلافية.

بدأ الصرب بحملة تطهير عرقي وتدمير شامل لكل ما هو اسلامي هناك، وانتظر الغرب في هذه المرة أيضا أن يقوم عدوهم المتحالف مع روسيا بمهمته وثم تقليم أظافره، فبعد أسابيع من الاعتداءات الصربية والقتل والتشريد قام الناتو بهجومه على صربيا بحجة الدفاع عن الشعب الكوسوفي، لكن الحقيقة هو تحويل هذه الدولة التي بقيت متحالفة مع روسيا (الشرق) إلى خانتها وإسقاط النظام الحاكم الذي لايزال يشعر بنوع من الوفاء تجاه حلفاءه القدامى،ولأن الغرب يريد البلقان وشرق أوروبا بأجمعها ولم يبق هناك سوى صربيا فكانت كوسوفا هي المبرر، ولكن بعد أن يدمرها الصرب لكي ينهي الوجود الإسلامي المستقل في أوروبا وهو ما حدث مع البوسنة من قبل من خلال ثلاثية الحكم (الصربي ، الكرواتي ، والمسلم) رغم أن المسلمين هم الذين وقفوا بوجه الصرب ودافعوا عن استقلال بلادهم.

قال شافركز عضو الحزب الديمقراطي المسيحي الحاكم في ألمانيا واصفا جرائم الصرب في البوسنة والهرسك تحت عنوان "ذلك كله رأيته بعيني ":" رأيت طفلا لا يتجاوز عمره الثلاثة أشهر مقطوع الأذنين مجدوع الأنف رأيت صورا لحبالى وقد بقرت بطونهن ومثل بأجنتهن رأيت صور الشيوخ والرجال قد ذبحوا من الوريد إلى الوريد رأيت الكثيرات ممن هتكت أعراضهن ومنهن من تحمل العار ولم يبق لولادتها سوى أسابيع رأيت صورا لم أر مثلها على شاشات غربية ولا شرقية واتحدى إن كانت عندهؤلاء الجرأة والشجاعة لبثها إن ما رأيته لن أنساه أبدا". والحادث الذي روته كثير من الصحف في حينها عن الطفل الرضيع الذي أمسك به الصرب ووضعوه على النار ليشوى أمام عيني والده ولما تم شيه قطعوه قطعا وأجبروا أباه على أن يأكل من لحمه ثم أطلقوا عليه الرصاص فقتلوه.هذا ما فعله الصرب في البوسنة والهرسك ، ويفعلونه بإخواننا المسلمين في كوسوفو اليوم.

إلى اللقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 28 نوفمبر 2010
  1. طالباني يقترح منح المسيحيين العراقيين محافظة مستقلةرفض زعيم مسيحي عراقي الدعوات لتسليح المسيحيين بالعراق، من أجل للدفاع عن أنفسهم، لكنه رحب بمقترح للرئيس العراقي جلال طالباني بإنشاء محافظة عراقية خاصة بالمسيحيين، في أعقاب تزايد الهجمات ضدهم خلال الفترة الماضية وكان أعنفها الهجوم على كنيسة "العالم العربي والإسلامي · 3 د قراءة
  2. أثيوبيا وأسباب التصعيد ضد مصربقلم: شريف عبدالعزيز shabdaziz@hotmail.com مفكرة الإسلام : في تصريح أشبه ما يكون بإعلان حرب، وبلغة تفتقر لأي دبلوماسية، شن رئيس الوزراء الأثيوبي "زيناوي" هجوماً شرساً علي مصر واصفاً إياها بالمدبرة للانقلابات والمثيرة للاضطرابات، ووجه إليها مقالات وتحليلات · 9 د قراءة
  3. معاق فلسطيني يصمم أسرع سيارة كهربائية في العالمصمم فلسطيني معاق سيارة تعمل بالكهرباء، أطلق عليها اسم "مريم سيدس"، تُعد الأسرع بين نظيراتها من السيارات الكهربائية في العالم التي تنتجها شركات تصنيع السيارات العالمية. وتم الكشف عن "مريم سيدس"، التي وصفت أيضاً بأنها صديقة للبيئة تماماً، بحيمنوعات · 3 د قراءة
  4. كوسوفا صراع بين الإسلام والصليبية (2)في حلقة اليوم نتتبع مسيرة الإسلام إلى أرض كوسوفا, ونرى الكيفية التي وصل بها إلى تلك الأرض الطيبة.فبداية قد اتَّفق المؤرِّخون على أن الإسلام دخل إلى البلقان قبل الفتح العثماني، وذلك عن طريق التجار والدبلوماسيين والدعاة، إلا أن ذلك كان على نطنحن والغرب · 8 د قراءة
  5. هل يمكن عزل الرئيس الإيراني؟محمد سليمان الزواوي zawawy@yahoo.com مفكرة الإسلام : تراكمت المشكلات في الفترة الماضية على الحكومة الإيرانية بقيادة محمود أحمدي نجاد، حيث حاول بعض أعضاء البرلمان الإيراني تجميع أعداد كافية من الأصوات من أجل عزل الرئيس، وذلك لعدة أسباب رآها مقالات مترجمة · 4 د قراءة
  6. سياسة تركيا .. وتحول المحاورإرجون باباهن/ "توداي زمان" ترجمة/ شيماء نعمان مفكرة الإسلام : منذ البزوغ القريب لتركيا كلاعب بارز على الساحة السياسية، بدأت بعض الدوائر التي تضررت من المنحى الجديد للسياسة الخارجية لأنقرة في إثارة جدل حول ما أسمته "تحول المحاور" أو الاتجاهامقالات مترجمة · 4 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: كوسوفا صراع بين الإسلام والصليبية (3)