مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

إطلالة على الإسلام في جزيرة بربادوس(2)

7 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

يعتبر مصطلح الأقلية نسبي إلى مفهوم الغالبية التي تتعايش معها ، فبصرف النظر عن حجم تعداد الأقلية فهي في بعض المجتمعات يمثل قوة اجتماعية وسياسية فاعلة,بل ويعتقد أن الأقلية جزء أساسي من مكونات المجتمع تاريخياً وسياسياً .

ونحن قد تحدثنا في الحلقة السابقة عن معلومات عامة عن جزيرة بربادوس,وقد اشتملت هذه المعلومات على نبذة تاريخية عن تلك الدولة,وذلك قبل أن نبدأ رحلتنا على أراضيها التي سنستهلها اليوم لنتقصى أحوال الإسلام والمسلمين هناك،فهلم بنا إليها.

إخوتي أخواتي إننا إذا أمعنا النظر في أمريكا الجنوبية نجد أن المسلمين إما بأعداد كبيرة ونسب صغيرة في الدول الكبيرة في المساحة وعدد السكان,أو نجدهم بنسب كبيرة وأعداد قليلة في دول أخرى,والغالبية منهم غير عربية.

كيف وصل الإسلام إلى بربادوس:

تذكر بعض الوثائق التاريخية أن تلك المناطق عرفت الإسلام من وقت مبكر قبل اكتشافها في عام 1533 ميلادية حيث قام مسلمون من غرب القارة الإفريقية برحلات مبكّرة عبر بحر الظلمات ـ المحيط الأطلنطي ـ لاكتشاف العالم الجديد وقد عثر الأسبان هناك على العديد من الآثار الإسلامية المتمثلة في المساجد التي عُثر بداخلها على مكتبات تضم المصاحف الشريفة وبعض كتب الفقه الإسلامي ـ على المذهب المالكي ـ المنتشر في غرب القارة الإفريقية إلا أن الوجود الإسلامي هناك قد تلاشى وتلاشت معه هذه الآثار الإسلامية.

و تؤكد الحقائق التاريخية أنه عندما احتلت أسبانيا تلك المناطق وقامت بنقل عدد لا بأس به من الأفارقة وبالتحديد من السنغال وجوارها وذلك للعمل هناك وكانت غالبيتهم من المسلمين الذين دعموا الوجود الإسلامي وكان ذلك في النصف الثاني للقرن الثامن عشر1777م، واختلطوا بسكان البلاد وقامت بينهم علاقات تزاوج ومصاهرة مما أدى إلى اعتناق عدد كبير منهم للدين الإسلامي الحنيف,وحسب الروايات المحلية فقد كان أولئك المسلمون يقرأون ويكتبون العربية.

وحول تاريخ التواجد الإسلامي الحقيقي في تلك الجزيرة، فإن الإسلام وصل بربادوس عن طريق استقدام الهنود والباكستانيين إليها خلال فترات الاحتلال,ويقال أن أول من وصل إليها في العصر الحديث حوالي عام 1913م هو تاجر حرير بنجالي,وقد استوطن وتزوج من السكان المحليين ولحق عدد كبير من البنجاليين، وقد جاءوا إليها كأيدي عاملة مهاجرة في زراعات قصب السكر، إضافة إلى المهاجرين الأفارقة الذين جاءوا لنفس الغرض. وجاء إليها المسلمون من جزيرة ترينداد و توباجو،ويزيد عدد المسلمين بها على 4000 مسلم,بالإضافة إلى 200 من أهل البلاد المحليين، معظمهم يتبعون المذهب الحنفي.

وجملة القول تذكر الإحصاءات أنه يوجد أكثر من 4000 مسلم في بربادوس معظمهم من المهاجرين أو المنحدرين من المهاجرين من ولاية جوجارات الهندية. وبعض المهاجرين من غويانا,ترينيداد, جنوب آسيا, والشرق الأوسط فضلاً عن قرابة 200 شخص من السكان الأصليين حيث يشكلون بقية المجتمع المسلم المتنامي وهو ما يمثل 1.5%من السكان الذين تبلغ نسبتهم تقريبا 90% من جميع سكان بربادوس (المعروف أيضا بالعامية باجان) وهم من أصل أفريقي (أفريقيو الباجان) و معظمهم أحفاد العمال العبيد في مزارع السكر.ما تبقى من السكان وتشمل مجموعات من الأوروبيين (أوروبيو الباجان) والآسيويين،الباجان الهندوس والمسلمين،ومجموعة مؤثرة من الشرق الأوسط (عرب الباجان) من أصل سوري ولبناني.

وقد أقام المسلمون في بربادوس جمعية أهل السنة والجماعة وتسمى "الآسجاة" وهي امتداد لنفس الجمعية في جزيرة ترينداد، إضافة إلى جمعية نقابة المبشرين المسلمين، ويطلق عليها " الغليد" وتتولى الإشراف على برنامج إذاعي أسبوعي يهدف إلى نشر الإسلام.

وعلاقة مسلمي بربادوس وطيدة بمسلمي جزيرة ترينداد المجاورة،وتتعاون الجاليتان المسلمتان في نشر الدعوة الإسلامية.وقد أقام المسلمون عددًا من المساجد بالجزيرة،وألحقوا بها المدارس الإسلامية؛ لتعليم أبناءهم قواعد الإسلام،وتلاوة القرآن الكريم وتجويده،وتعليم اللغة العربية.

بدأت محاولات المسلمين لبناء أول مركز إسلامي بالجزيرة منذ فترة كبيرة، وتعرضت المحاولة للعديد من المشاكل، وفي سنة 1977 نجح المسلمون في تكوين مركز إسلامي، وافتتح رسميًا يوم عيد الفطر من نفس العام، وتتركز جهود المركز بصفة رئيسية في حل مشكلات الشباب المسلم، ومحاولة حل مشكلة البطالة ومحاربة المنكرات.

وقد حافظ المركز منذ نشأته على إقامة صلاة الجمعة والجماعة داخل مبنى المركز، كما افتتحت به عدة فصول لتعليم القرآن الكريم واللغة العربية ( اللغة الإنجليزية هي اللغة الأم هناك) ووضعت في برامج التعليم المهني في الاعتبار.

وهناك أيضاً الأكاديمية الإسلامية للبربادوس,و قد تأسست الأكاديمية في سنة 1998م لتأسيس فهم أكبر للإسلام في الصغار والكبار على حد سواء بين المسلمين وغير المسلمين المهتمين,ولتحقيق هذا الهدف قامت هذه الأكاديمية بتوزيع منشورات عن الجوانب الإسلامية المختلفة جنباً إلى جنب مع القضايا المعاصرة التي تواجه المسلمين اليوم مثل المجلة الفصلية صوت سهل، بث محاضرة أسبوعية،برنامج شهري للأطفال من سن العاشرة فأكثر،برنامج للشباب من سن السادسة عشر فأكثر،المؤتمر السنوي للدعوة،المؤتمر السنوي للأشقاء،المؤتمر السنوي للسيرة،لقاءات مع المهتمين من غير المسلمين،صفوف تعليمية إسلامية, الاستشارات والفتاوى الدينية.

ولدينا كذلك مدرسة الفلاح الإسلامية التي تضم المراحل الدراسية من 6 سنوات إلى 18 سنة وتم تأسيسها من أجل زرع القيم الإسلامية في نفوس الأطفال ,هذا و يقع المجتمع الثقافي للمجتمع المسلم غرب مدينة بريدج تاون. كما توجد مجتمعات إسلامية في بيليفيل و وانستيد.

وبالرغم من كل ما سردناه من أحوال تدعو للتفاؤل فإن الأمر لا يخلو من بعض العقبات والمنغصات,فمثلا برغم الجهود والأنشطة التي يبذلها المركز الإسلامي الذي سبق الحديث عنه،فإن المركز يعاني مشكلات عديدة أبرزها التمويل لبرامجه،وهنا تتضح مشاكل الأقلية المسلمة في بربادوس والتي منها الحاجة إلى تمويل الأنشطة الإسلامية،ودعم الدعوة بالمزيد من رجال الدين والمعلمين.

وكذلك فإن الحاجة الماسة لربط جسور التواصل مع العالم الإسلامي،ليس رغبة مسلمي بربادوس فقط،وإنما رغبة كل دول البحر الكاريبي وأمريكا اللاتينية عامة،خاصة في ظل التجاهل العربي والإسلامي لهم.

إن المركز الإسلامي في بربادوس يتبنى عددًا من المشروعات التي تهدف إلى رفع المعاناة عن كاهل المسلمين هناك وخاصة الشباب، إلا أن مشكلة نقص التمويل تمثل العقبة الكبرى في إتمام هذه المشروعات وخروجها للنور.

إن جزيرة بربادوس زراعية،ويعد قصب السكر هو المحصول الرئيس،وتخلو من الثروات المعدنية باستثناء مخزون ضئيل من الغاز الطبيعي،ويعد دخل الفرد بها من أقل المعدلات في دول البحر الكاريبي.وهذا يؤثر سلباً على شعب بربادوس عموماً وعلى المسلمين خاصةً.

ورغم محاولة الحكومة تنويع مصادر الدخل بدلاً من الاعتماد على زراعة قصب السكر،واتجاهها إلى الصناعات التحويلية والتنمية السياحية،إلا أن الأزمة المالية التي ضربت العالم بأسره وما زالت توابعها موجودة في العديد من الدول، جعلت هذه الجهود لا تحقق الهدف المرجو منها،وأصبحت البطالة هي المشكلة الرئيسية في الجزيرة.

ولا تلقى الأقلية المسلمة في بربادوس الاهتمام الكافي من النظام السياسي؛ فلا توجد إحصاءات دقيقة عن أعدادهم،والمشكلات التي تواجههم،كما أن المشكلة الأخرى التي تواجه الأقلية المسلمة هناك بعدها عن الجاليات الإسلامية في منطقة البحر الكاريبي وأمريكا اللاتينية،خاصة مع انعزال نظامها السياسي،وتركز أنشطته الخارجية بصفة خاصة على الولايات المتحدة وبريطانيا.

لذلك فعلى العالم الإسلامي قادة وجمعيات خيرية وأفراد يستطيعون تقديم العون أن يدلوا بدلوهم في المحافظة على الهوية الثقافية للأقليات الإسلامية,والتي تحتاج منا أن نتعهدها بالرعاية الكاملة،تربويًا وثقافيًا وأخلاقيًا وفكريًا،حتى تبقى هذه الأقليات بمنأى عن المؤثرات الضاغطة التي تهدد الوجود المعنوي لها،وتضعف فيها المناعة الثقافية والأخلاقية؛فتصبح فريسة الضياع والانحراف والتيه,وكذلك التصدي للدعايات الصهيونية التي لا تأل جهداً لمحاربة الإسلام والمسلمين في كل مكان.

ولا بد لتلك الأقليات من أن تتمتع بسلامة العقيدة والفكر،وقوة التمسك بالأخلاق والقيم؛لأن الجماعات الإسـلامية خارج العالم الإسـلامي كلما كانت متماسـكة عقائـديًا وأخلاقـيًا كان ذلك أقـرب إلى التأثير الإيجابي في البيئة والمحيط الذي تعيش فيه،أما إذا ضعف كيانهم بسبب غياب الوعي الديني؛فإن ذلك سيؤدي إلى انسحابهم من ميدان التفاعل الحضاري،وعدم مقدرتهم على التأثير بالمجتمعات المحيطة بهم.

كما ينبغي على المنظمات الإسلامية الحكومية والأهلية أن تساند هذه الأقليات بالمال والكوادر البشرية والخبرات؛فيجب الاهتمام بهذه الأقليات،وتأصيل سبل التعاون معها،واعتبارها وسيطًا أو جسرًا لترسيخ القيم الإسلامية,ونشرها في تلك المجتمعات.

انتهت رحلتنا على أرض بربادوس وبين أهلها من المسلمين ونرجو أن نكون وفقنا في توضيح نبذة عن أحوال المسلمين هناك,وإلى اللقاء في بقعة أخرى من المعمورة أضيئت بنور الإسلام ,في موضوع جديد إن شاء الله.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 2 سبتمبر 2012
  1. وزير الدفاع المصري يحيل 70 لواء جيش للتقاعدنقلت تقارير صحافية مصرية عن مصادر عسكرية تأكيدها وزير الدفاع والإنتاج الحربي عبدالفتاح السيسي، استغنى عن 70 لواء جيش، من بينهم أعضاء بالمجلس العسكري. وقالت المصادر، بحسب موقع جريدة الشروق: إن السيسي أعد قائمة بأعضاء المجلس العسكري الجديد، تالعالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة
  2. المسلمون في جزر سليمان هل سمعت بهم؟من المعلوم أن المسلمين الذين يكونون أمة الإسلام في عصرنا الحاضر ينتشرون في قارات العالم المختلفة إذ لا يخلو بلد من بلدان العالم من جماعة إسلامية قل عددها أم كثر. هذا ويعيش ثلث المسلمين في دول يكونون فيها أقليات,وقد عانى هؤلاء المسلمون من ضغنحن والغرب · 5 د قراءة
  3. طارق الزمر: اختيار «السيسي» منع انقلاب الجيش على الرئيسبقلم: شريف الدواخلي قال الدكتور طارق الزمر، القيادى فى «الجماعة الإسلامية»، وذراعها السياسية حزب البناء والتنمية، إن الرئيس محمد مرسى استغل الخلافات الداخلية للإطاحة بالمشير محمد حسين طنطاوى والفريق سامى عنان، وإن الفريق أول عبدالفتاح السيسمختارات وحوارات · 5 د قراءة
  4. المسلمون في جزر سليمان هل سمعت بهم؟ (2)علمنا في الحلقة السابقة أن جزر سليمان هي دولة توجد في جنوب المحيط الهادي، ويقطن فيها نحو نصف مليون شخص موزعين على عشرات الجزر تبلغ مساحتها 2600 كم شرق أستراليا، معظمهم يعيش في بيوت مصنعة من الخيزران. إخوتي أخواتي.. نحن في حلقة اليوم نواصل رنحن والغرب · 6 د قراءة
  5. إطلالة على الإسلام في جزيرة بربادوسإخوتي أخواتي نعلم أنه مع نموّ حركة الهجرة من العالم الإسلامي إلى شتى الأصقاع نشأت ظاهرة الأقليات الإسلامية لأول مرة تقريباً في تاريخ الإسلام،حيث وصل المسلمون إلى هذه الأقطار يحملون ثقافتهم وحضارتهم وعاداتهم وتقاليدهم ليجدوا أنفسهم وسط مجتمعنحن والغرب · 8 د قراءة
  6. وما زلنا نسأل... من الإرهابي؟إخوتي أخواتي كنا قد ذكرنا من قبل, بل وأكدنا بالأدلة الدامغة أن الحروب الصليبية مازالت قائمة مستمرة، وأن الغرب لم يتخل عن دينه الصليبي قط, بل والحقيقة أن الغرب وقائدته صاحبة الإمبراطورية الدموية – الولايات المتحدة الأمريكية - صاروا أكثر صليبنحن والغرب · 7 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: إطلالة على الإسلام في جزيرة بربادوس(2)