هل ستفلح الشرطة في منع زيت الطعام وقودًا لسيارات غزة؟

غزة – مفكرة الإسلام
أنت لست في مطبخ
أنت لست في وسط مطبخ للطعام، تقلي فيه البطاطس أو السمك، ولست في مطعم قديم في أحد الأحياء الفقيرة؛ حيث يتم استخدام زيت الطعام لعدة مرات الأمر الذي يؤدي إلى تغيّر رائحته، ولكنك تقف الآن عند دوار العودة في قلب مدينة رفح جنوب قطاع غزة، وبالتحديد عند موقف السيارات، حيث تأتي وتذهب السيارات من شمال القطاع إلى جنوبه، وهناك في طرف موقف "دوار العودة" وفي موضع يسهل لجميع السائقين الوصول إليه، يجلس رجل أمام صناديق مليئة بزجاجات زيت الطعام يقوم ببيعها للسائقين الذين بدورهم يقومون بتشغيل سياراتهم على هذا الزيت.
هذه الظاهرة التي بدأت واستفحلت في الأيام الأخيرة جاءت بسبب منع الكيان الصهيوني دخول الوقود إلى قطاع غزة بسبب الحصار الغاشم المفروض عليه؛ الأمر الذي اضطر غالبية سائقي الأجرة إلى استخدام زيت الطعام بديلاً عن السولار؛ وذلك في خطوة منهم للتعايش مع الحصار بحيث يتمكن الواحد منهم من جلب قوت يومه لعياله الذين يتضاغون جوعًا، وهذا ما حدث مع سائقي سيارات الديزل أما سيارات البنزين فقد تم تحويلها إلى سيارات تعمل بالغاز؛ الأمر الذي فاقم أزمة غاز الطهي، وجعل أنبوبة الغاز تساوي وزنها ذهبًا، كما جاء في تقرير سابق فكان حل أزمة الوقود باختلاق أزمتين.
كارثة بيئية
لكن ظاهرة استخدام زيت الطعام كوقود بديل باتت تهدد بحدوث كارثة بيئية وإنسانية لا تحمد عقباها؛ بسبب مخاوف أبداها بعض الخبراء من جراء عوادم زيت الطعام الذي يؤدي احتراقه عبر مواتير الديزل إلى انبعاث غازات وعوادم قد تؤدي في النهاية إلى أمراض صدرية خطيرة؛ حذرت منها العديد من الأوساط الصحية .
وبسبب تلك المخاوف بات منظرًا مألوفًا أن ترى في شوارع القطاع الرئيسة وفي أماكن ازدحام السيارات العديد من المواطنين وهم يضعون كمامات واقية على أفواههم؛ في خطوة منهم للتعايش مع التلوث الذي طالهم، في خطوة لم تحدث سابقًا في أي مكان في العالم، لكنه الحصار الخانق الذي يجبر الفلسطينيين لتصدير أزمتهم وحل الأزمة بأزمات، في الوقت الذي تنكر فيه الصديق وتبجح فيه العدو .
المواطن يوسف داود، والذي يعمل بائعًا وسط دوار العودة بمدينة رفح جنوب قطاع غزة، تحدث لــ" مفكرة الإسلام " وهو يضع كمامة على وجهه قائلاً: لقد اختنقنا، حتى الكمامة تزيدنا اختناقا، ومن الصعب الحديث مع الزبون وأنت تضع الكمامة على وجهك، فمنطقة الدوار ملوثة أصلاً و زادها استخدام زيت الطعام كوقود تلوثًا ورائحته تؤذينا بشكل كبير، داعيا الجهات المختصة للتحرك بأقصى سرعة لوقف هذا الوضع الكارثي، على حد قوله .
السائق يضحي بسيارته
والسائق عندما يضع زيت الطعام في سيارته هو أصلاً يجازف بسيارته التي ستتعرض للعطل وربما يكلفه ذلك الكثير، فالسائق محمد الشاعر أب لستة أطفال يقول : "في البداية كنت متخوفًا من وضع زيت الطعام في سيارتي، ولكن عندما ألحت الحاجة وكان لا بد من إطعام الأطفال اضطررت لوضع زيت الطعام في سيارتي، ولدي إحساس بأنني أجازف بسيارتي، ولكنه زمن الجوع"، على حد قوله.
أبو محمد صاحب ورشة لتصليح السيارات على شارع صلاح الدين أكد لــ" مفكرة الإسلام " وجود زيادة في عدد السيارات التي تأتي للورشة للتصليح بسبب استخدام زيت الطعام، مشيرًا إلى وجود أعطاب أدت إلى تلف شبه كلي في ماتور السيارة.
ويتابع أبو محمد قائلاً: تحتاج رشاشات الوقود في ماتور السيارة إلى تنظيف دائم ، وعملية التنظيف قد تكلف السائق 100 دولار على أقل تقدير، بالإضافة إلى ضرورة تغيير فلاتر الوقود الأمر الذي يعجز السائق عن تحقيقه.
ولكنه استدرك قائلاً: ولكن بسبب الحصار انقطعت الفلاتر، و لا يمكن للسائق تغيير الفلاتر بشكل متواصل؛ الأمر الذي يأتي بالطبع على حساب السيارة ومدى إمكانية تواصلها للسير .
دور الشرطة
هذا الوضع الكارثي وتحت مطالبة الجمهور بغزة للتحرك نحو حل هذه الأزمة التي باتت تهدد الهواء الذي يتنفسونه نظمت دائرة العلاقات العامة بالشرطة وبالتنسيق مع وزارة الصحة بمقر الجوازات بغزة ورشه عمل حول خطورة استخدام زيت الطعام كوقود للسيارات، وحول ما أسفرت عنه هذه الورشة أكد المقدم عبد السلام هنية مدير شرطة المرور بغزة لــ"مفكرة الإسلام" ضرورة قيام الشرطة الفلسطينية في غزة للقيام بواجباتها للحد من هذه الظاهرة الخطيرة .
وأشار المقدم هنية إلى أن السائق يبدو له أنه يستفيد ماديًا من وراء استخدام زيت الطعام كوقود، إلا أنه هو أيضًا المعرض الأول لخطر عوادم زيت الطعام لافتًا إلى أن بعض السائقين استغل انقطاع الوقود لابتزاز الركاب وإجبارهم على دفع أجرة عالية .
وشدد المقدم هنية إلى أن مطالب شعبية وراء هذه الحملة من قِبل الشرطة، مضيفًا إلى أن هناك حملة إعلامية واسعة قامت وستقوم بها الشرطة؛ بهدف توعية المواطن بخطورة هذه الظاهرة معربًا عن أمله في استجابة السائقين بعدم استخدام زيت الطعام كوقود للسيارات مذكرًا إياهم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم "لا ضرر ولا ضرار".
وبسبب شح الوقود وقلته تم توزيع الوقود عبر كوبونات يتسلمها أصحاب السيارات، إلا أن بعض السائقين يقوم بتسلم الوقود وبيعه في السوق السوداء بأسعار تتجاوز الخمسة دولارات للتر الواحد، وهو ما زاد الأزمة بحسب ما بيّن مدير المرور بغزة .
ودعا المقدم هنية السائقين والمواطنين إلى الالتفاف في خندق واحد لمواجهة الحصار الغاشم على أبناء الشعب الفلسطيني؛ قائلاً : " نحن جميعًا محاصرون فلنكن جبهة قوية في مواجهة الحصار بدلاً من حل الأزمة بأزمة أشد، مشددًا على ضرورة الثقة بالله سبحانه وتعالى الذي لن يضيعنا ما دمنا واثقين به سبحانه وتعالى " .