مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

انقلاب مرسي الناعم جدًّا

6 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

بقلم: عبد الباري عطوان

في غمضة عين، وبعد سلسلة مراسيم جمهورية مزلزلة، اتسمت بالشجاعة والجرأة، انقلبت كل الأمور في مصر، وتحوَّل الدكتور محمد مرسي من رئيس ضعيف تتطاول عليه بعض الأقلام في الصحافة ومحطات التلفزة المملوكة لمافيا رجال أعمال حكم مبارك، إلى الرجل القوي الذي "ينظف" المؤسسة العسكرية من كل رموز العهد الماضي، ويستعيد كل صلاحياته كرئيس للدولة، بما في ذلك قرار إعلان الحرب الذي سلبه منه المجلس العسكري، بإصدار إعلان دستوري مكمل يشكل "بدعة" الهدف منها إجهاض الثورة المصرية والتأسيس لدولة عسكرية.

نبوءة اللواء عمر سليمان بانقلاب عسكري في حال وصول الإسلاميين إلى السلطة لم تصدق، بل جرى عكسها، فمن قام بالانقلاب على حكم العسكر هو رئيس مدني منتخب، يملك سلطة ناعمة، سلطة صناديق الاقتراع، والدعم الشعبي الراسخ.

صناديق الاقتراع التي تمثل إرادة الشعب، واختياراته الحرة النزيهة أقوى من المؤسسة العسكرية، كما أنها أقوى من المحكمة الدستورية العليا، والإعلام الذي يعيش في الماضي، ويرفض الاعتراف بعملية التغيير الجارفة التي بدأت تجرف كل من يحاول عرقلة مسيرتها.

كثيرون داخل مصر وخارجها اعتقدوا أن الرئيس مرسي لن يجرؤ على تحدي المجلس العسكري الأعلى الحاكم، وسيظل يعيش في ظل المشير حسين طنطاوي لأعوام قادمة، وكم كانوا مخطئين، وكم كانت قراراتهم مغلوطة، وتقويماتهم في غير محلها، مثلما شاهدنا بالأمس.

قالوا: إن مصر دولة برأسين، رأس قوي بأكتاف تزينها النياشين والرتب العسكرية، ورأس صغير يطل على استحياء، ويتحسس طريقه طلبًا للرضاء والستر، لنصحو ونجد، وفي لحظة، أن الرأس الصغير قطع الكبير من جذوره، واتخذ قرارات حاسمة وحازمة، بإنهاء هيمنة العسكر على الحكم وإعادتهم إلى ثكناتهم ودورهم الطبيعي المنوط بهم، وهو الدفاع عن الدولة وحدودها.

من كان يتصور أن "أبو هول" المؤسسة العسكرية المصرية سيهبط من عليائه بجرة قلم، ويتحول إلى مستشار تحت مظلة رئيس مصري، كان حتى ثلاثة أشهر شخصًا مغمورًا، وموضع نكات بعض السذج، وتندر بعض الكتاب الذين لم يلتزموا بحدود الأدب الدنيا، ولم يتورعوا عن السخرية من أهل بيته والمحصنات من نسائه، وتلفيق الروايات الكاذبة عن زوجته السيدة الفاضلة وأبنائه، بطريقة لا تليق بمصر وإرثها الحضاري الإسلامي العريق.

الرئيس مرسي أعاد للمؤسسة العسكرية المصرية شخصيتها وهيبتها واحترامها، وطهَّرها ممن أرادوا أن يجعلوا منها حارسًا لنظام الفساد، وامتدادًا له، في زمن انقرضت فيه الديكتاتوريات العسكرية لمصلحة الدولة المدنية الديمقراطية، واختفت جمهوريات الموز من الخريطة السياسية، العربية والعالمية.

المشير طنطاوي ومجلسه العسكري ارتكبوا أخطاء كارثية لا تليق بهيبة الجيش المصري وتاريخه، عندما وضعوا أنفسهم في مواجهة الإرادة الشعبية، ومارسوا دورًا يتعارض كليًّا مع العملية الانتخابية، التي يعود الفضل إليهم في انطلاقتها ومن ثم نزاهتها، عندما انحازوا إلى السيد أحمد شفيق أحد أبرز رموز العهد السابق، وبحثوا عن ذرائع غير دستورية من محكمة دستورية عين قضاتها الرئيس المخلوع، لحل البرلمان والسيطرة على السلطة التشريعية.

فاجأنا الدكتور مرسي بشجاعته وجرأته، مثلما فاجأنا بمواصفاته كرجل دولة لا يعرف التردد، ولا ترهبه رتبة عسكرية، كبيرة كانت أو صغيرة، ولا يخاف من تحمل المسؤولية مهما بلغ حجم ثقلها، لعلها قوة الإيمان.. لعلها الثقة بالنفس.. لعله الانتماء إلى ملح الأرض المصرية الطاهرة.. ولعلها أخلاق القرية الحقيقية وليس المزوَّرة.

الفضل كل الفضل يعود إلى تلك الكارثة التي تجسدت في استشهاد 16 جنديًّا مصريًّا قرب معبر رفح الحدودي، ويمكن التأريخ لها بأنها نقطة تحول رئيسة في تاريخ مصر، وربما المنطقة العربية بأسرها.

هذه الجريمة البشعة كشفت هشاشة الأجهزة الأمنية المصرية، وتخلي المؤسسة العسكرية عن أبسط واجباتها في حماية أرض الوطن، وصمتها على تآكل السيادة المصرية لمصلحة عدو متغطرس يتعمد إهانة مصر العظيمة وشعبها العريق، من خلال اتفاقات مُذِلَّة ومكبِّلة لكرامة هذا العملاق.

الدكتور مرسي انطلق من نقطة الضعف هذه ليحولها إلى ورقة قوة لصالح مصر، عندما دفع بالدبابات والطائرات المروحية إلى سيناء وبأعداد كبيرة دون الحصول على إذن "إسرائيل"، وحتى لو جاء هذا الإذن فإنه كان حتميًّا، لأن طلب مصر الثورة لا يرد، ولأن القرار باستعادة السيادة المصرية على سيناء لا رجعة فيه.

مسيرة الكرامة بدأت بإقالة اللواء مراد موافي رئيس جهاز المخابرات، الذي كان تلميذًا نجيبًا لمعلمه عمر سليمان، ويشكل امتدادًا لسياساته التي امتدت لعقود في تحويل مصر وجيشها وأجهزتها الأمنية إلى حارس لـ"إسرائيل" وحدودها، وتقديم أمنها وأمن سياحها ومستوطنيها على أمن مصر.

بالأمس اقتربت هذه المسيرة من نهايتها بإحالة المشير طنطاوي وقائد أركانه الفريق سامي عنان إلى التقاعد، وتعيين وزير دفاع جديد وقادة جدد للجيوش المصرية، بعد أيام معدودة من عزل قائد الحرس الجمهوري وقائد الأمن المركزي.

لا نعرف ما إذا كان الرئيس مرسي سيعيد مجلس الشعب المحلول أم لا، ولكن إلغاء الإعلان الدستوري التكميلي هو الخطوة التمهيدية التي ستسهِّل عودة الأمور إلى مجراها الطبيعي. فهذا المجلس هو مجلس الشعب، وهو الأول المنتخب بانتخابات حرة نزيهة في تاريخ مصر الحديث.

من المؤكد، وبعد صدور هذه القرارات التاريخية، أن حالة من الاكتئاب والأرق تسود الآن المؤسسات السياسية والعسكرية في "إسرائيل" والولايات المتحدة، وبعض العواصم الغربية، لأن مصر لم تعد محكومة ببقايا النظام السابق، ولم تعد تأتمر بأمرة المسؤولين الأمريكيين و"الإسرائيليين"، مثلما كان عليه الحال لأكثر من أربعين عامًا.

"إسرائيل" لن تتعامل بفوقية مع الجانب المصري مثلما كانت تفعل في السابق، والإدارة الأمريكية لن تستطيع تركيع الشعب المصري من خلال مساعدات مالية مهينة، المستفيد الأكبر منها سماسرتها وشركاتها، والمعادلات الأمنية والسياسية التي سادت لعقود تتآكل تمهيدًا للاندثار.

قد يجادل البعض بأن ما يجري حاليًا هو شكل من أشكال الديكتاتورية تتركز من خلاله السلطات في أيدي حركة الإخوان المسلمين، ولكن أليس الشعب المصري هو الذي اختار هذه الحركة للوصول إلى سدة الحكم، ولماذا التسرُّع في إطلاق الأحكام، وهل يعقل أن تكون الدولة برأسين، وتخضع لحكم العسكر الذي اعترض عليه الليبراليون لسنوات عديدة؟

اليوم نستطيع أن نقول: إن الثورة المصرية اكتملت، أو بالأحرى وضعت أقدامها على الطريق الصحيح لتحقيق أهدافها.. نعم إنه طريق طويل مليء بالمطبات.. ولكن مخطئ.. بل ساذج.. من كان يتصور أنه سيكون سهلاً ومعبدًا بالورود والرياحين.

نفرح لمصر.. ونتابع مسيرة التغيير فيها، لأنها القاطرة التي يمكن، لو صلح حالها، أن تقود عربات المنطقة العربية نحو مستقبل أفضل وأكثر إشراقًا، بعد أربعين عامًا من التيه في صحراء كامب ديفيد.

المؤسسة العسكرية المصرية انحازت للشعب عندما ثار على نظام مبارك الفاسد، وها هي تنحاز له مرة أخرى عندما أراد بعض رموزها القديمة ركوب الثورة، وتغيير مسارها بما يخدم أجندات النظام السابق، وإن بطريقة مواربة.

تابعت شخصيًّا وجه الرئيس مرسي ووجوه المشير طنطاوي ومساعديه أثناء توجههم إلى سيناء لمتابعة عمليات الجيش العسكرية، كان الرئيس مرسي مرتاحًا غير خائف من الموت، لأنه يتطلع إليه، بينما كان الآخرون مرتبكين، فقد تعودوا على رئيس لا يخرج من مخبئه، ويرتعد خوفًا من الناس، منذ محاولة اغتياله في أديس أبابا.. مصر تريد رئيسًا وقادة عسكريين لا يخافون الموت، ويبدو أن أمنيتها بدأت تتحقق.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 13 أغسطس 2012
  1. أسرار الإطاحة بطنطاوي وعنانكتبه للمفكرة/ شريف عبد العزيز shabdaziz@hotmail.com ما بين 11 فبراير و12 أغسطس عام ونصف بالتمام، مرت مصر خلالها بعشرات الأحداث والمواقف الخطيرة التي أثرت سلبًا على النسيج الوطني والبناء الاجتماعي والسياسي للبلاد، وفي كل مرة كان التشاؤم هو سمقالات وتحليلات · 8 د قراءة
  2. بعد تغيير قيادات الجيش.. "إسرائيل" تهدد مرسي بدخول سيناءهدد الكيان الصهيوني مصر بدخول سيناء للعمل على إحباط الإرهاب على حد زعمها، إذا لم تتعامل القيادات الجديدة للجيش المصري مع الكيان الصهيوني وتنسق معه. وذكر الموقع الإلكتروني للقناة العاشرة الصهيونية نقلاً عن مصادر سياسية بالكيان الصهيوني أنه مالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  3. المجلس العسكري يرحب بالتغييرات في قيادة الجيش المصريمفكرة الإسلام (خــاص): رحب المجلس الأعلى للقوات المسلحة بالتغييرات التي أجراها الرئيس المصري في قيادات الجيش المصري، معتبرا أنها تغييرات طبيعية لضخ دماء جديدة، بعد أن أدى هؤلاء القادة ما عليهم. وقال ‏المجلس في بيان على صفحة أدمن الصفحة الرسالعالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة
  4. "إن بي سي" الأمريكية: طنطاوي وعنان امتثلا "على مضض"ذكرت قناة "إن بي سي نيوز" الأمريكية أن قرار الرئيس المصري محمد مرسي بإحالة المشير محمد حسين طنطاوي وزير الدفاع والفريق سامي عنان رئيس أركان حرب القوات المسلحة للتقاعد - أجرأ تحرُّكٍ يقوم به الرئيس المصري للانفراد بالسلطة، واسترداد صلاحياته العالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة
  5. فتح بلجرادعندما تولى السلطان سليمان القانوني عرش الدولة العثمانية خلفًا لأبيه السلطان سليم الأول سنة 926هـ، ابتلي في بداية عهده بأربع تمردات شغلته عن حركة الجهاد، وهذه الفتن الطارئة شجعت أعداء الدولة العثمانية في أوروبا على العصيان والمخالفة. كانت بلحدث في مثل هذا اليوم · 1 د قراءة
  6. الإقالات في الجيش المصري تقلق "إسرائيل"فجَّرت إقالة كبار المسئولين في الجيش المصري يوم أمس الأحد بقرارات الرئيس محمد مرسي مخاوف السياسيين والمعلقين "الإسرائيليين" مما سيترتب على هذا "الزلزال" العسكري والسياسي. وقال مسئول حكومي "إسرائيلي" كبير طلب عدم الكشف عن اسمه في تصريح لوكالالعالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: انقلاب مرسي الناعم جدًّا