هل ينفجر «نووي إيران» بقنابل الاقتصاد؟

بقلم: محمد كركوتي
''عقاب الكاذب ليس فقط في أن أحداً لا يصدقه، بل في أنه لا يصدق أحداً''
جورج برنارد شو - أديب إيرلندي
يمكن أن نفهم ''اضطرابات الدجاج'' التي ضربت بعض المناطق الإيرانيةمؤخراً بسبب ارتفاع أسعار الدواجن ونقص الإمدادات منها. كما يمكن فهمارتفاع نسبة التضخم المتصاعدة في إيران، وأسعار المحروقات، وكذلك التراجعالتاريخي في قيمة العملة الوطنية، والتصاعد المخيف لمعدلات البطالة التيبلغت قرابة 45 في المائة، ووصول ''جيوش'' الفقراء إلى أكثر من 14 مليوننسمة من أصل 30 مليون إيراني يعيشون تحت خط الفقر النسبي. يمكن فهم كل هذهالحقائق استناداً إلى ''التراجيديا الاقتصادية'' التي تؤطر المشهد العام فيالبلاد. ولكن أجد صعوبة في فهم حقيقة هي الأخطر قاطبة عندما تواجه منظمةالطاقة الذرية الإيرانية (التي تقف في وجه العالم) صعوبات في دفع رواتبموظفيها! لقد وصل الانهيار الاقتصادي، والهزات المتوالدة منه، إلى قلبالمؤسسة التي يعاند علي خامنئي من قلبها للحقيقة، ويجد فيها قلعته المنيعة،ويرى من خلالها أحلاماً ''بديعة'' تُنتج له أوهاماً فظيعة!
قبل العقوبات الاقتصادية الغربية التي فُرضت على إيران، كان اقتصادالبلاد بمنزلة سفينة لا بحارة على متنها، وإنما مجموعة من الـ ''مُرقعين'' لبدنها. يسدون فجوة، ليباشروا بسد أخرى. وبعدها باتوا يجهدون في سد الرقعاتنفسها. إنه عمل مستدام في اقتصاد هجرته الاستدامة منذ انتصار ثورة كان منالمفترض أن تصون دولة لا أن تمسخها، وأن تقيم مؤسسات تبني على ما يمكنالبناء عليه. ومصيبة الشعب الإيراني أن قيادته تريده أن يحارب بالأوهام،وأن ينتصر ''بعتاده'' هذا! بل أن تكون له القدرة على صناعة الأعداء. وفيأحسن الأحوال، أن يؤمن بأعداء صنعتهم قيادته، وليس مهماً أن يكونوا كذلك أملا!
وسواء تلقت إيران ضربة عسكرية عقاباً على عنادها فيبرنامجها النووي،أم لم تتلق. تريثت إسرائيل حتى انتهاء الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ألملم تتريث لتوجيه ضربة ما؟ انتظر علي خامنئي عودة ''المهدي'' المنتظر (للمساعدة والدعم) أم لم ينتظر؟ فجانب مهم من مصير ومستقبل هذا البرنامجالمريب، يكمن في الاقتصاد الإيراني نفسه. والمتطلبات المالية (إلى جانباللوجستية) للبرنامج كبيرة، وتردي الأوضاع الاقتصادية في السابق، مع ضرباتالعقوبات الغربية في الوقت الراهن، التي وضعت حلم خامنئي النووي في دائرةالتهديد الكبرى. ويبدو من خلال ما تم الكشف عنه حيال مصاعب التمويل، أنسرقة مخصصات دعم الحبوب والخبز والمحروقات والمواد المعيشية الرئيسة، بلحتى مخصصات الدواجن، وتحويلها إلى البرنامج النووي، لم تحقق الكفايةالمالية له. فعندما تنضب المخصصات، لا يوجد ما يمكن سرقته. إلى جانب ذلك،هناك الدعم الاقتصادي الإيراني المصيري (فضلاً عن الدعم السياسي والعسكريوالتشبيحي)، لسفاح سورية بشار الأسد الذي يشكل عمقاً استراتيجياً بلا حدودللنظام الحاكم في طهران.
لقد دفع الواقع الاقتصادي في إيران قادة هذا البلد إلى تطوير صناعةالكذب، خصوصاً فيما يرتبط بآثار العقوبات الغربية. وإذا كان نصف الحقيقةكذبة كبيرة، فكيف الحال بالكذبة نفسها؟ ولم ينجح خامنئي في تسويق الكذب،حتى بعد أن انضم مروجون لبنانيون وسوريون (على وجه التحديد)، إلى حملةالتسويق، وهم من أولئك الذين ''أعلنوا'' أن الميزان التجاري السوري حققفائضاً في العام الجاري بلغ قرابة 8 مليارات دولار أمريكي!! مهلاً.. يقولهؤلاء أيضاً: إن سقوط الأنظمة العربية الخليجية بات قريباً، من ماذا؟ منالأزمات الاقتصادية!! لم ينته هؤلاء بعد، فهم ''يؤكدون'' أن إيران قادرةعلى المضي بقوة وثبات في نجدة الأسد اقتصادياً، وبالتالي لا أهميةللمساعدات العربية التي أوقفها العرب لسورية في ظل الأسد. وفي سياق هذهالأكاذيب، أضاف الأسد (وعصاباته) توصيف ''الشقيقة'' إلى إيران في خطابهالرسمي. وهذه هي المرة الأولى التي يصدق فيها! فإيران ''شقيقة'' له، وليسللشعب السوري.
لو كان نظام الملالي يتمتع بالحد الأدنى من الواقعية، لانتبه إلى نتائجتحقيق أجرته جريدة ''الفانانشيال تايمز'' البريطانية في مدينة أصفهانالحاضنة للمنشآت النووية. فسكان المدينة والمناطق المجاورة لها أكدوا أنهملا يعبأون بوجود هذه المنشآت، ولا حتى بالمخاطر الناجمة عنها، بما في ذلكإمكانية ضربها. الذي يشغل هؤلاء الناس مشكلاتهم الاقتصادية الرهيبة وبؤسأوضاعهم المعيشية. تحدثوا عن فداحة العقوبات الغربية لا عن إمكانية تعرضهملجحيم نووي، بصرف النظر عن طريقة انفجاره. وكيف لا؟ وقد وصلت آثار العقوباتحتى إلى رواتب أولئك الذين يعملون في المنشآت النووية نفسها.
ألم يتأكد الملالي أنه لا يمكن إخفاء ''التراجيديا الاقتصادية'' فيبلادهم إلى الأبد؟ ليستمعوا إلى تصريحات وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف،الذي اعترف فيها بأن العقوبات المفروضة على إيران وسورية بات لها تأثيرمتزايد حتى خارج الأراضي الإيرانية والسورية، وأصبحت تضر بمصالح الشركاتالروسية نفسها. حتى الحكومات المارقة بدأت تصرخ من هول هذه العقوبات عليها. لكن ما جدوى ذلك؟ فخامنئي لم يسمع الصرخات الأقرب إليه!