مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

الجنود الأمريكيون العائدون إلى الوطن.. بين الانتحار والتشرد

6 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

جوزيف جالواي/ مجموعة ماكلاتشي الصحفية

ترجمة: شيماء نعمان

مفكرة الإسلام : على الرغم مما تبذله الإدارة لأمريكية في الوقت الراهن لتحسين حالة مؤسساتها العلاجية العسكرية في أعقاب ما فجرته الصحف المحلية من فضائح تشهدها تلك المراكز الطبية من إهمال وعدم اعتناء بالمرضى وغياب حاجيات أساسية لازمة لعلاج الجنود المصابين، تظل أزمة الصحة العقلية والرغبة في الانتحار وضعف معاشات العجز تتصدر قائمة المشكلات التي يرزخ تحتها العائدون من الحرب.

ونشرت مجموعة ماكلاتشي الصحفية، التي تعد أكبر ثالث مؤسسة للخدمات الصحفية في الولايات المتحدة، مقالاً للصحافي والمحلل العسكري المرموق "جوزيف جالواي" قدم من خلاله صورة حية للمعاناة التي يواجهها الجنود الأمريكيون العائدون من الحرب والتي تتراوح بين الإهمال، والحاجة، والتشرد، والانتحار.

وتحت عنوان "سلوك التعامل المخزي مع جنودنا السابقين" كتب جالواي:

الصحة العقلية والرغبة في الانتحار وضعف معاشات العجز تتصدر قائمة المشكلات التي يرزخ تحتها العائدون من الحرب!!

بينما تقوم بتسوق العطلات هذا العام وتفكر في عشاء تركي فخم وتلال الهدايا والحياة الرغدة التي يتمتع بها غالبية الأمريكيين، فكر للحظة من فضلك في هؤلاء الذين جعلوا كل ذلك ممكنًا: هؤلاء الذين خدموا في جيشنا والمجندين القدامى الذين ارتدوا الزي العسكري.

وتقدم لنا بعض الإحصائيات الحديثة البرهان الذي يجعلنا نشعر بالخزي من الأسلوب الذي عاملت به بلدنا أولئك الذين خدموا بالجيش وبذلوا التضحيات من أجلنا.

وتُدين تلك الإحصائيات السياسيين الذين يبدءون كل خطبة بشكر قوات الجيش والمحاربين القدامى ومباركتهم. إنها تدين زعمائنا الوطنيين الذين يظهرون بالقواعد العسكرية والمؤتمرات السنوية للمنظمات المعنية بالمحاربين القدامى ويستغلون مجندي الجيش والمحاربين القدامى فقط كخلفية للقاءاتهم مع الصحافيين والمصورين.

تأمل ذلك:

*هناك نحو 18 شخصًا في المتوسط ممن سبق لهم أداء الخدمة العسكرية في مواقع القتال ينتحرون بصورة يومية، وذلك وفقًا لإحصائيات حديثة من إدارة المحاربين القدامى. أي أن 126 من المجندين السابقين يتخلصون من حياتهم أسبوعيًا أي نحو 6.552 ينهون حياتهم بأيديهم كل عام. إن محاربينا القدامى يقتلون أنفسهم بمعدل يعادل ضعف من سواهم من الأمريكيين.

*وربع المشردين بلا مأوى في أمريكا من مجندي الجيش السابقين، أي بمعدل 1 بين كل أربعة. هل هذا الرجل الأشعث الذي يتكوم على نفسه فوق شبكة البخار في برد الشتاء القارص كان محاربًا في فيتنام؟ وهل هذا الشخص الأقل عمرًا الذي يتسول في زاوية الشارع العملات النقدية الصغيرة كان قد شارك في القتال في قندهار أو الفلوجة؟

وخلال السنوات الأربع الماضية، كانت وزارة شئون المحاربين القدامى تصر على أنها تبذل كل ما يلزم من أجل مجندي الوطن السابقين. وهذا ببساطة غير حقيقي، وخاصة عندما يتعلق الأمر بتعامل الوزارة مع مشكلات الصحة العقلية.

وكما أفاد زميلي "كريس آدامز" من مؤسسة ماكلاتشي الصحفية في سلسلة من المقالات الرائدة هذا العام، فإن نظام وزارة شئون المحاربينالقدامى- حتى بناءً على معاييرها الخاصة- لم يكن مستعدًا لتقديم الرعاية الصحية العقلية التي يحتاج إليها الجنود العائدين.

ويقول المختصون إن بين 20 و30% من القوات العائدة من المهام القتالية في العراق وأفغانستان ربما يعانون من اضطرابات ضغط ما بعد الصدمة (PTSD). غير أن العديد من المستشفيات التابعة لوزارة شئون المحاربينالقدامى لا يتوافر لديها البرامج الخاصة بالتعامل مع حالات (PTSD) وهي البرامج التي يقول عنها المختصون إنها حيوية وهامة. بل يتم السماح للجنود العائدين من العراق بالانخراط في حياتهم السابقة دون ملاحظة، كما أن وزارتي الدفاع وشئون المحاربينالقدامى لا يفعلان شيئًا لملاحظة صحتهم العقلية.

إن الأشخاص الذين لم يطرف لهم جفن في إنفاق 3 مليارات دولار أسبوعيًا على حرب من اختيارهم في العراق هم أنفسهم من قاموا بتقليص ميزانية وزارة شئون المحاربين القدامى!!

وقد دأبت وزارة شئون المحاربين القدامى على إفادة الكونجرس بأن جميع الأوضاع على ما يرام. وهذا ليس حقيقي أيضًا. فبحسب ما أورد آدمز، فإن وزارة شئون المحاربين القدامى تستخدم أرقامًا مغلوطة أو متضخمة لفعل ذلك. وأنه بعد سنوات من التعهد بجلب ركيزة متنامية من طلبات تعويضات العجز تحت السيطرة، فإن الأوضاع هذا العام قد ازدادت سوءً في الواقع.

فلا يهم ما إذا كان الجنود العائدين قد أصيبوا وفي حاجة إلى متابعة طبية ودعم، أو ما إذا كانوا غير قادرين على مواصلة الحياة ولديهم رغبة في الانتحار، فهم في بعض الأحيان يجب أن ينتظروا لشهور من أجل الحصول على موعد لتقييم حالتهم والتعامل معها بالمراكز الطبية التابعة لوزارة شئون المحاربين القدامى.

إن الأشخاص الذين لم يطرف لهم جفن في إنفاق 3 مليارات دولار أسبوعيًا على حرب من اختيارهم في العراق هم أنفسهم من قاموا بتقليص ميزانية وزارة شئون المحاربين القدامى وخصخصة عمليات الصيانة بمستشفى "والتر ريد" العسكري والوقوف في وجه كل محاولة لزيادة المعونات المقدمة للمجندين القدامي من كبار السن والشباب.

وهم أيضًا نفس الأشخاص الذين غضوا الطرف كذلك بينما كان رعاتهم المساهمين والمانحين من القطاع الخاص يسطون على مليارات الدولارات من خزانة الدولة عن طريق عقود غير تنافسية وفواتير متضخمة لكل السلع بداية من المواد الغذائية الخاصة بالجنود وحتى وقود دباباتهم وشاحناتهم.

وفيما يتوافد على المستشفيات التابعة للجيش موجات من الجنود المصابين الذين يعانون من إصابات دماغية ترجع إلى الانفجارات الناجمة عن العبوات الناسفة المزروعة على جانب الطريق والألغام الأرضية، كان هؤلاء الأشخاص- بوصفهم صانعو الميزانية المسئولين ماليًا- يقتطعون بنسبة النصف الأموال الموجهة لأبحاث إصابات الدماغ.

هؤلاء الأفاكين الذين يحبون الظهور كزعماء في زمن الحرب يضجعون في استرخاء لا يحركون ساكنًا في الوقت الذي ترسل فيه البيروقراطية التي لا تعرف الرحمة جامعي الفواتير للضغط على المجندين السابقين مبتوري الأطراف لتسديد آلاف الدولارات لكونهم أهملوا في إعادة ستراتهم المدرعة وغيرها من المعدات إلى رقيب التجهيزات بعد أن تمزقت أجسادهم في ساحة القتال!

كما أنهم لم يفعلوا شيئًا بينما أصبح الجيش محافظًا، بل مقترًا، أكثر من أي وقت مضى فيما يتعلق بأعداد الجنود المصابين الذين أقر باستحقاقهم لمعاش إعاقة كاملاً. أما الجنود الذين يعانون من الإصابات الدماغية واضطرابات ضغط ما بعد الصدمة بصورة حادة تعوقهم عن العمل يُتركون بلا مأوى بمعاش إعاقة بنسبة 30%- أي 700 دولار شهريًا- لإعانة زوجة وثلاثة أطفال.

إن تلك ربما تكون المرة الأولى التي بدأنا فيها بإهمال ونسيان قواتنا بينما لا تزال الحرب مندلعة.

إن إهمال جنودنا الذين خاضوا الحرب والأرامل والأيتام الذين أفرزتهم حروبنا أمر ذو طابع أمريكي صرف كأمريكية فطيرة التفاح. ولا جديد في ذلك. غير أننا كنا فيما مضى ننتظر حتى نهاية الحرب قبل أن ننسى هؤلاء الذين شاركوا فيها بالقتال. إن تلك ربما تكون المرة الأولى التي بدأنا فيها بإهمال ونسيان قواتنا بينما لا تزال الحرب مندلعة.

إن جميع هذه الأمور مخزية، مخزية لشعب قامت حريته ورفاهيته على كاهل أولئك الجنود الذين قد أغفلوهم تمامًا حتى أنهم لم يُحملوا هيئتهم التشريعية الوطنية (الكونجرس) ورئيس بلادهم المسئولية عن هذه الوصمة في سمعتنا.

إن السياسي المتأنق التالي الذي سيهتف قائلاً: "فليبارك الله جنودنا" يجب أن يُغطى بالقار والريش ويطرد من واشنطن شر طرده عقابًا له على النفاق المحض. (1)

------------------

(1) العقاب الذي أشار له الكاتب في نهاية مقاله من تغطية الشخص المجرم بالقار والريش هو عقاب جسدي قاسٍ، يتزامن تاريخه تقريبًا مع فترة الحروب الصليبية، وكان يُستخدم لفرض العدالة العرفية في أوروبا الإقطاعية والعدالة غير الرسمية في أوروبا ومستعمراتها في مطلع العصر الحديث، وكذلك في المستعمرات البريطانية الأولى التي تحولت إلى أمريكا فيما بعد، وفي أغلب الحالات كان نوع من العقاب أو الانتقام يمارسه العامة.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 25 ديسمبر 2007
  1. مجالس العشائر صحوات من سرابكتبه: علي عبد العال مفكرة الإسلام : أخذت المجموعات العشائرية المسلحة المعروفة بـ "مجالس الصحوة" في العراق ـ والمدعومة أمريكيًا بالمال والسلاح ـ تبرز على الساحة السياسية والإعلامية بقوة، وخاصة بعد بروزها على الساحة الميدانية، بعد أن سجلت نجاأقلام القراء · 11 د قراءة
  2. كيف يمكن مواجهة الإساءة للمقدسات الإسلامية؟عصام زيدان Essam_zedan30@hotmail.com مفكرة الإسلام : الإساءة الغربية للمقدسات الإسلامية متعددة ومتنوعة, وتكون تكاد نمطًا ومنهجًا غربيًا في التعامل مع العالم الإسلامي, على عكس ردود الأفعال العربية والإسلامية التي هي في غالبها ارتجالية وعشوائمختارات وحوارات · 7 د قراءة
  3. مواجهة الإسلاميين بين تكريس الواقع والانهيار القادمبقلم : جمال ماضي مفكرة الإسلام : لقد شهدت الآونة الأخيرة حركة غير طبيعية على مستوى العالم الإسلامي من قِبل أمريكا, ممثلة في وجود وزيرة الخارجية ومبعوثيها في مؤتمرات ولقاءات متوالية: مؤتمر دول الجوار بتركيا, ومؤتمر المصالحة وبحث السلام بدارفأقلام القراء · 4 د قراءة
  4. أمريكا وإيران سيناريوهات التحالف والصدامد / محمد مورو مفكرة الإسلام : أمريكا وإيران هل يتم تحالف نهائي بين الطرفين، أم تصل الأمور إلى نوع من الصدام المحدود أو الكبير. وما أثر حدوث أي من هذين السيناريوهين على المنطقة. بداية فإن المحلل الأمريكي المعروف توماس فريدمان قال في مقال قريمقالات وتحليلات · 6 د قراءة
  5. بعد أحداث "نهر البارد".. "فتح الإسلام" تتبنى إطلاق قذيفة على "إسرائيل"أعلنت مجموعة "فتح الإسلام" التي يُقال إنها مقربة من تنظيم القاعدة مسئوليتها عن إطلاق قذيفة على مغتصبة "سديروت" في جنوب "إسرائيل" يوم الأحد. جاء ذلك في بيان لفرع الجماعة في فلسطين أورده يوم الاثنين مركز أمريكي متخصص في مراقبة المواقع الإسلامالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  6. دراسة "إسرائيلية": صواريخ القسام "ميزان رعب" يصعب الوقاية منهأكدت دراسة "إسرائيلية" أن صواريخ القسام وقذائف الهاون تشكل اليوم السلاح الفلسطيني المركزي وتتوقع تزايد عددها وطول مداها وارتفاع مستوى دقتها وخطورتها. وقدم مركز "المعلومات للاستخبارات والإرهاب"، رؤية "إسرائيلية" لاستخدام الفلسطينيين صواريخ االعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: الجنود الأمريكيون العائدون إلى الوطن.. بين الانتحار والتشرد