اغتيال بوتو.. اللحظة المصيرية لباكستان

بقلم شاهان مفتي صحيفة كريستيان ساينس مونيتور
ترجمة أحمد أبو عطاء
مفكرة الإسلام : اعتبر المحلل السياسي الباكستاني "شاهان مفتي" أن اغتيال رئيسة الوزراء السابقة بينظير بوتو في عملية تفجيرية قوية يوم الخميس يهدّد باستمرار حالة من الفوضى الكبيرة في باكستان التي تحاول أن تخطو في طريق الديمقراطية.
وفي مقاله بصحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" ذكر "شاهان مفتي" أن اغتيال بوتو كان الدليل الأقوى حتى الآن على أن التوترات المشتعلة بسبب الصراع بين الجيش الباكستاني والإسلاميين المسلحين قرب الحدود مع أفغانستان قد اخترقت قلب البلاد وبدأت تعرقل استمرار المسار السياسي في إسلام آباد.
وقال مفتي: "موت بوتو ـ وهي إحدى زعماء باكستان الأكثر شعبية ورئيسة حزب الشعب الذي يعتبر من أكبر الأحزاب السياسية ـ هو حدث عاطفي للكثيرين، حتى لو أن الاضطرابات التي اندلعت في عدّة مدن في وقت متأخّر من ليلة الخميس، قد تؤدي إلى إعادة إعلان الحكم العرفي أو تأجيل الانتخابات البرلمانية المقررة في 8 يناير".
وأشار شاهان مفتي إلى أن الوضع الحالي يعبر عن نوع من عدم الاستقرار كانت الدول الغربية قد أرادت تفاديه كثيرًا بإقناع الرّئيس برفيز مشرّف بالسماح لبوتو بالعودة إلى البلاد، على أمل أن تقدم دورًا كبيرًا في التصدي للإسلاميين المتعاطفين مع طالبان، كما عولت الدول الغربية على جهود بوتو في وضع باكستان على طريق أكثر اعتدالاً.
وأكد المحلل السياسي الباكستاني أن مقتل بينظير بوتو في هذا التوقيت الحساس في حياة باكستان السياسية يجعل القادة في هذه الدولة أمام لحظة مصيرية لتقرير مستقبل البلاد.
من ناحيته يقول حسن عباس الخبير السياسي الباكستاني في جامعة هارفارد: "موت بوتو على هذه الطريقة وفي ظل أن الحكومة الباكستانية كان مناطًا بها تحمل المسئولية عن أمنها يمكن أن يعطي دلالات مهمة عن حقيقة الأوضاع والمتغيرات التي تجري داخل باكستان، وهي دلالات تؤكد في مجملها أن البلاد تعاني من ضعف القيادة والسيطرة".
انتخابات برلمانية في مهب الريح
وأوضح رسول ريس باكش أستاذ العلوم السياسية في جامعة لاهور أن مقتل بوتو سيترك علامة استفهام كبيرة بخصوص الانتخابات البرلمانية المرتقبة وإمكانية نجاحها، خاصة وأن الميدان السياسي الباكستاني سيكون فاقدًا لأحد اللاعبين المهمين الذين كان لهم تأثير كبير، وكل ذلك يعني أن البلاد مقبلة على فترة مظلمة جدًا من تاريخها فترة تتسم بالحيرة والتخبط.
ولفت شاهان مفتي إلى حجم الاضطرابات العنيفة التي تفجرت في روالبيندي مباشرة بعد أنباء مصرع بوتو، وقال: إن هذه المدينة كانت متوترة أصلاً بسبب أنها كانت مسرحًا للعديد من العمليات التفجيرية في الأشهر الماضية، كما اندلعت أعمال الشغل والعنف في كافة البلدات الرئيسة في كل أنحاء البلاد وعلى وجه الخصوص في إقليم السند.
وقال أحمد راشد المحلل الأمني الباكستاني المعروف وصاحب مصنف بعنوان "طالبان": "أعتقد أن الانتخابات سيتقرر إلغاؤها، لأنه من البديهي أننا لا يمكن أن نجري انتخابات في البلاد وسط هذه الأجواء من العنف، والأقرب للتوقع الآن أن تعيد الحكومة فرض الطوارئ أو أية إجراءات استثنائية مشابهة".
وفي مقابلة مع "بي بي سي"، شدد المعارض السياسي البارز نواز شريف على أن الانتخابات لابد أن تؤجل، وقال: "لا أحد يميل للتفكير في الانتخابات في ظل كل ما يجري الآن".
وبعد أن هتف أنصار بوتو أمام المستشفى الذي نقلت إليه زعيمتهم بعبارات من قبيل: "مشرف الكلب"، أشار شاهان مفتي إلى أن هذا الأمر كان رد فعل طبيعي نابع من حالة سوء الظن المتبادلة بين بوتو والجيش على مدار سنوات طويلة، لاسيما وأن مشرف كان يترأس الجيش حتى الشهر الماضي فقط، مع الأخذ في الاعتبار أن والد بوتو الذي كان يحكم باكستان قد شنق بعد أن خلعته القيادات العسكرية الباكستانية السابقة بزعامة الجنرال ضياء الحق.
ويقول مفتي: إن احتمال اغتيال بوتو لم يكن غائبًا عن الأذهان منذ أن خاطرت وقررت العودة لبلادها من المنفى في أكتوبر الماضي، خاصة وأنه وقعت محاولة بالفعل لتصفيتها في كراتشي، هذا في ظل تهديدات القيادي الإسلامي بيت الله محسود قائد طالبان في إقليم وزيرستان بأنه ينوي استقبال بوتو بالهجمات التفجيرية المتلاحقة.
مصرع بوتو.. فشل أمني أم تواطؤ
وقال نجم الدين شيخ الذي عمل كوزير للخارجية في إحدى المرات التي تولت فيها بوتو سدة الحكم في باكستان: "ظروف مصرع بوتو، والفشل الأمني الرهيب سيكونان محل فحص وتدقيق لفترة كبيرة، وهناك العديد من علامات الاستفهام المثارة التي تحتاج إلى أجوبة".
وتعليقًا على ما صرح به رئيس الوزراء البريطاني جوردن براون من أن اغتيال بوتو لا يجب أن يخفف من قوة المواجهة مع ما يسميه الغرب بـ"التطرف والإرهاب" في باكستان"، قال حسن عباس: "من المؤكد أن هذا الحادث سيجعل الأصوات التي يمكن أن تنادي بواجهة مفتوحة مع الإرهاب أكثر ضعفًا".
وقال حسن عسكري ريزفي العالم السياسي المستقل في لاهور: "الأمر قد يستغرق العديد من الشهور لكي يتمكن حزب الشعب من تحديد الشخصية التي ستخلف بوتو في القيادة، وبالتالي لا يمكنني أن أتصور هذا الحزب وهو يخوض انتخابات برلمانية بعد أيام وسط هذه الحالة من التشوش وفقدان القيادة القوية".
مستقبل الصراع بين الجيش الباكستاني والإسلاميين
من ناحيتها اعتبرت صحيفة "ديلي برس" أن باكستان اليوم أصبحت محورًا لشرائح مختلفة من الإسلاميين مثل المتعاطفين مع القاعدة ومسلحي طالبان والعناصر المؤيدة لطالبان الباكستانية شمال البلاد، هذا فضلاً عن الإسلاميين الذين يتحينون الفرص لتطبيق الشريعة الإسلامية في المناطق التي يتمتعون فيها بنفوذ كبير.
وقالت الصحيفة إنه ورغم أن مشرف أبطل الطوارئ وأعاد الدستور وتخلى عن قيادته للجيش وفاز بولاية رئاسية كحاكم مدني إلا أن البلاد ظلت تحاول عبور واحدة من أشد مراحلها صعوبة على مدى الستين عامًا الماضية، لاسيما في ظل استمرار المواجهات الدامية بين الجيش والإسلاميين وكذلك مع ترقب الانتخابات البرلمانية التي كان ينتظر أن ترسم الملامح السياسية لمستقبل باكستان.
وأضافت الصحيفة أن اغتيال بوتو قد لا يكون القشّة الأخيرة التي ستكسر ظهر البعير لكنّه بالتأكيد سيضيف إلى الأزمة المتزايدة في البلاد، خاصة في ظل قيام الولايات المتحدة بتخصيص 10 مليار دولار لتقوية مصادرها في داخل باكستان للتصدي للإسلاميين المتعاطفين مع طالبان.
وألمحت الصحيفة إلى أنه بغض النظر عن الجهة التي قتلت بوتو فلا شك أن القاعدة وطالبان ستستفيدان من الفوضى المتزايدة ومن الاضطراب الذي من المؤكد أنه سيلحق بقوات الأمن ويعوق قدرتها على مواجهة الإسلاميين.