"عرب إسرائيل"... معضلة تترصد الكيان الصهيوني

بقلم/ رئيس تحرير مجلة "نيوزويك"
ترجمة/ شيماء نعمان
مفكرة الإسلام : بالرغم من أن "إسرائيل"، التي ترى في نفسها منبرًا للديمقراطية، ظلت تمارس الاضطهاد والتمييز العنصري ضد مواطنيها من العرب على مدى عشرات السنوات، فإن الوضع الراهن الذي يعيشه "عرب إسرائيل" صار أكثر سوءًا من أي وقت مضى، وخاصة بعد دعوة السياسي المتطرف "أفيجدور ليبرمان" لإبعاد عرب 48 خارج حدود "الدولة اليهودية"، وهي الدعوة التي لاقت قبولاً واسعًا لدى المواطنين "الإسرائيليين".
وترى "إسرائيل" في عرب 48 معضلة تهدد وجودها في المنطقة، وهو الشعور الذي تنامى مؤخرًا بشكل مطرد، بالرغم من تمسك الأقلية العربية بالتزاماتها حيال القانون، وإن كانت لم تخفي أن ولاءها للقانون فقط وليس لقيم الكيان الصهيوني.
ويقدم الكاتب الصحافي البارز هندي المولد "فريد زكريا"، رئيس تحرير مجلة "نيوزويك" الأمريكية، في السطور التالية محاولة لتفصيل ماذا يمثل "عرب إسرائيل" لكل من سياسيي ومثقفي الكيان الصهيوني. وكيف يمكن أن تتعامل "إسرائيل" مع معضلة تتفاقم حاليًا في داخلها، مع واقع الكراهية الذي صار سافرًا بين المواطنين العرب و"الإسرائيليين" داخل الكيان الصهيوني؟
وجاء في المقال الذي نشرته شبكة "بوست جلوبال" التابعة لصحيفة "واشنطن بوست":
حتى قبل أن تخرج للنور الحكومة الائتلافية الجديدة، فإن الانتخابات "الإسرائيلية" الأخيرة كانت تاريخية. فقد شهدت انهيار حزب العمل- وهو الحزب الذي يمكن أن يدعي إلى حد معقول أنه قد أسس "إسرائيل" وأخرج معظم أشهر رؤساء حكوماتها، بداية من "ديفيد بن جوريون"- (زعيم حزب ماباي الذي خلفه حزب العمل)- مرورًا بـ "جولدا مائير"، وحتى "إسحاق رابين". وكان آخر أثر لكبار أعضاء حزب العمل هو "شيمون بيريز"، الذي- بمفارقة ملائمة- هو الرئيس الحالي لـ "إسرائيل" فقط لأنه استقال من الحزب.
ويسيطر على الطيف السياسي في "إسرائيل" حاليًا ثلاثة أحزاب يمينية وهم: الليكود، وكاديما- (وهو فرع من الليكود أسسه "آريل شارون")- و"إسرائيل بيتنا"، وهو حزب مؤلف من المهاجرين الروسيين. غير أنه بينما يركز أغلب المعلقين على مستقبل عملية السلام وحل الدولتين، فإن سؤالاً أعمق وأكثر ارتباطًا ينمو في قلب "إسرائيل".
إنه سؤال جسده أكبر الفائزين في هذه الانتخابات: "أفيجدور ليبرمان". الذي حصد حزبه "إسرائيل بيتنا" 15 مقعدًا، وجاء في المرتبة الثالثة ولكنه حصل على سلطة مفاجئة وهائلة في النظام "الإسرائيلي". وسواء كان ضمن أعضاء الحكومة الجديدة أو لم يكن، فإن ليبرمان وقضاياه قد تقدمت إلى بؤرة الضوء. وبنفس القسوة التي هاجم بها المسلحين الفلسطينيين المنتمين لحركتي حماس وحزب الله، فإن هدفه الأول كان أقلية "عرب إسرائيل"، التي وصفها بأنها تمثل تهديدًا أخطر مما تمثله حماس.
وقد اقترح تنفيذ عملية إجلاء فعالة لمئات الآلاف من المواطنين العرب عن طريق إعادة تعيين أحادية الجانب لبعض مدن الشمال "الإسرائيلي" كأجزاء من الضفة الغربية الفلسطينية. وكذلك يمكن توقع أن يتعرض آلاف آخرون لتجريدهم من الجنسية إذا ما أخفقوا في الوفاء بمتطلبات مثل يمين الولاء أو الخدمة العسكرية الإلزامية (والتي يعفى منها حاليًا "عرب إسرائيل").
ووصف رئيس تحرير مجلة "نيوريبابليك"،" مارتن بيريتز"- وهو متحمس للصهيونية وناقد لحركة السلام- ليبرمان بأنه "من الفاشية الجديدة... ومجرم في حلة شرعية... وأنه النظير "الإسرائيلي" لـ "جورج هايدر"،اليميني النمساوي المتطرف".
وأنا لم أسمع منذ الحرب العالمية الثانية بأية دولة ديمقراطية ليبرالية قامت بحرمان مواطنيها من حقوقهم أو طردهم.
إن "عرب إسرائيل" اليوم هم أحفاد نحو 160.000 مواطن عربي ممن بقوا داخل الأراضي التي أصبحت فيما بعد "إسرائيل" عام 1948. ويبلغ عددهم في الوقت الحالي نحو 1.3 مليون نسمة، أي نحو 20% من العدد الإجمالي لسكان "إسرائيل"، ويتوقع خبراء دراسة السكان أنه بحلول عام 2025 سيمثلون ربع سكانها.
وبصرف النظر عن الإعفاء من الخدمة العسكرية، فإن "عرب إسرائيل" من الناحية القانونية لهم نفس حقوق وعليهم نفس واجبات المواطنين "الإسرائيليين". إلا أنهم يواجهون تمييزًا ضدهم في كثير من نواحي الحياة، بما في ذلك الهجرة، وملكية الأراضي، والتعليم، والتوظيف.
وكان "ثيودور أور"، قاضي المحكمة العليا المتقاعد، قد انتهى في سياق تحقيق رسمي حول الانتفاضة الثانية إلى أن: "هذا التفاوت قد أثبت في عدد كبير من الاستقصاءات المهنية والدراسات، كما تم تأكيده من خلال الأحكام القضائية والقرارات الحكومية، كما وجد تعبيرًا عنه في تقارير المراقبة الحكومية وغير ذلك من الوثائق الرسمية". وأضاف أنه: "على الرغم من أن انتباه الغالبية اليهودية لهذا التمييز كثيرًا ما يكون ضئيلاً تمامًا، فإنه يلعب دورًا محوريًا في الحساسيات والمواقف من المواطنين العرب. وهذا التمييز يدرك على نطاق واسع... على أنه سبب رئيس في إثارة القلاقل".
إن الشعور بالعداء متبادل. فقد أعلن "عزمي بشارة"، وهو عضو عربي سابق بالكنيست بعدما وجهت إليه تهمة إثارة العصيان بسبب تصريحاته في تأييد حزب الله، أن: "الأشخاص الذين يعيشون هنا لم يهاجروا إلى هنا، فهذه دولتنا". وأضاف: "هذا هو السبب الذي يجعل من غير الممكن أن تتعامل معنا من منطلق قضايا الولاء. هذه الدولة جاءت إلى هنا وقامت قسرًا على أنقاض أمتي. ولقد قبلت الحصول على المواطنة فيها لكي أستطيع العيش هنا، ولن أفعل أي شيء، من الناحية الأمنية، ضد هذا البلد. ولن أعمل على التآمر ضد هذا البلد، ولكن لا يمكنك أن تسألني في كل يوم إذا ما كنت أكن الولاء لهذا البلد. فالمواطنة تلزمني بأن أكون مواليًا للقانون، ولكن ليس إلى قيم الدولة وأيديولوجياتها. ويكفي أن أكون مواليًا للقانون".
وظل "عرب إسرائيل" على مدى عقود من الزمان على ولائهم للقانون وولائهم للبلد خلال حروبها العديدة مع جيرانها. أما الآن فإن هذا الولاء تخبو جذوته. فلم يعد "العرب الإسرائيليون"- حتى أولئك المسيحيين منهم وليس المسلمون فقط- يصوتون لصالح الأحزاب السياسية الرئيسة في"إسرائيل".
وعلى الرغم من ضعف الإقبال الجماهيري، فقد حققت الأحزاب العربية نجاحًا جيدًا في هذه الانتخابات، وفازت بنحو 11 مقعدًا في الكنيست. ولم تدعى الأحزاب العربية يومًا للمشاركة في الحكومة، وهو مما يحد من تأثير السكان العرب في السياسة "الإسرائيلية".
بالنسبة لـ "إسرائيل" فإن التعاطي مع علاقتها بالأقلية العربية داخلها هو أمر أكثر أهمية حتى من قضية التعاطي مع "حزب الله" أو الرئيس الإيراني "محمود أحمدي نجاد".
إن "إسرائيل" في حاجة إلى أن تقرر كيف ستقوم بالتعاطي مع المواطنين العرب المقيمين فيها. وعلى الرغم من التطرف الذي تبدو به دعوة ليبرمان للتنصل من "عرب إسرائيل" فإنها قد لاقت صدى لدى العديد من رفاقه "الإسرائيليين". وكان "بنيامين نتنياهو" قد حذر من أن "عرب إسرائيل" يمثلون قنبلة سكانية موقوتة، واصفًا ذلك بأنه أمر غير مقبول.
أما "بيني موريس"- الذي كان يومًا مؤرخًا مدافعًا عن السلام وقام بكتابة تاريخ أحداث الطرد القسري للفلسطينيين من "الدولة اليهودية" عام 1948- فقد تحول إلى القول بأن "إسرائيل" في حاجة إلى حماية نفسها من العرب الذين يعيشون الآن داخل حدودها. وكان قد حذر خلال مقابلة له مع صحيفة "ها آرتس" منذ خمس سنوات من أن "عرب إسرائيل" يمكن أن يمثلوا "طابورًا خامسًا محتملاً". وأضاف: "على كلا المستويين السكاني والأمني، فإنهم من شأنهم أن يقوضوا الدولة... فإذا كان التهديد لـ "إسرائيل" يتعلق بوجودها، فإن إبعادهم سيكون له ما يبرره".
إن الأمر يمثل دوامة خطيرة، فكلما استفحلت الريبة وعدم الثقة، صار"عرب إسرائيل" أقل شعورًا بالولاء تجاه بلدهم، والعكس صحيح". إن الانتخابات التي أجريت الأسبوع الماضي قد دفعت بهذه القضية إلى الظهور، كما أن أي قرار خاص بها من شأنه أن يحدد مستقبل "إسرائيل" كبلد، و"دولة يهودية"، و"ديمقراطية".