مصارع الأمريكيين في العراق

مايكل أوبراين*/ أنتي وور
ترجمة/ شيماء نعمان
مفكرة الإسلام : أعلن الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" في خطاب له نهاية الشهر الماضي أن حرب العراق انتهت فعليًا، وهو ما نفاه مسئولون ومحللون أمريكيون رفيعو المستوى، ولكن المفاجأة التي ربما استرعت انتباه الشعب الأمريكي مؤخرًا كانت مقتل اثنين من الجنود الأمريكيين في منطقة طوزخورماتو في الطرف الشمالي من محافظة "صلاح الدين" السنية شمال العراق؛ وهي أول خسائر في الأرواح تتكبدها قوات الاحتلال الأمريكي منذ إعلان أوباما تغيير مهام قواته في العراق وتحويلها من مهام قتالية إلى تقديم "المشورة والدعم" .
وتحت عنوان "مقتل أول جنود في عراق اللا حرب" انتقد المحلل العسكري "مايكل أوبراين" في لهجة ساخرة إعلان الإدارة الأمريكية إنهاء الحرب، مشيرًا إلى أن الحادث الأخير لم يكشف إلا عن كذب هذا الادعاء، وجاء في مقاله:
سقط أول جنديين أمريكيين قتلى في العراق الأسبوع الماضي وهم أول الخسائر الأمريكية في العراق منذ أخبر "باراك حسين أوباما" البلد (والعالم أجمع) أننا لم نعد في حالة حرب. وقد لقيا مصرعهما يوم الثلاثاء الموافق 7 سبتمبر 2010. ولمن في عقله ذرة من المنطق والحس الصائب، فإن هذا يمثل معضلة:
فلو أننا لسنا في حرب، كيف إذن نصنف مقتلهما؟ لو أننا لسنا في حرب- كما أخبرنا أوباما وبايدن- فأعتقد أن ذلك يجعل مصرع هذين الجنديين موازيًا في أهميته لمجرد حادث تدريب، أو حتى شجار في أحد الحانات ذهب في اتجاه خاطيء. لو أننا لسنا في حرب، فإن مصرعهما إذن ليس خسائر قتالية.
إن أوباما وبايدن هما من جعل الأمر كذلك. فالشخص الذي قتل الجنديين لابد أنه لم يفهم ما قيل عندما كان "جو بايدن" هناك قبل أسبوع. ينبغي أن يخبره أحد أن الحرب انتهت وأن عليه الذهاب إلى داره. ربما سيعود بايدن ويقوم بذلك بنفسه!
وفي مقال لـ "سام داغر" بصحيفة "وول ستريت جورنال" نُشر في يوم 8 سبتمبر 2010، وصف القصة وراء مقتل الجنديين والإصابة التي لحقت بتسعة آخرين أنها:
"لقد كانت حالات الوفاة هي أول خسائر أمريكية في الأرواح منذ إعلان الرئيس "باراك أوباما" عن بدء عملية "الفجر الجديد" في 31 أغسطس مدشنًا نهاية الأنشطة القتالية التقليدية في البلاد بالنسبة للقوات الأمريكية. وقد صرح القادة هنا أن التركيز الجديد للولايات المتحدة سينصب على تقديم المشورة ومساعدة القوات العراقية ودعمهم في المناطق التي يعانون فيها من قصور على مستوى التقنية والمعدات.
"إلا أن هجوم الثلاثاء- شأنه شأن الهجوم المعقد الذي تعرضت له المنشآت العراقية في وسط بغداد يوم الأحد والذي ساعد الجنود الأمريكيون في صده- يؤكد ما يقوله القادة العسكريين الأمريكيين على الأرض منذ أسابيع حول أن: تغيير المهمة لا يعني أن التهديدات قد زالت بالنسبة لما يُقدر بنحو 50.000 جنديًا أمريكيًا لا يزالون باقيين في البلد."
ولقد ناقشت مؤخرًا في مقالاتي المعضلة الخطيرة التي وضعت إدارة أوباما نفسها فيها بتحديدها جدولاً زمنيًا للانسحاب من العراق. وأوضحت أن الحروب لا تسير وفق جدول زمني كمباراة كرة قدم، تنتهي في غضون 60 دقيقة. ودون أن يملك مفاتيح أيًا من ذلك، ومنصتًا لمشورة ضباط بأربعة نجوم لن ينبسوا ببنت شفة ويقولون له هذا، فإن أوباما قال للشعب العراقي، وعناصر المقاومة أيضًا، أننا سنعود إلى ديارنا في غضون اقل من عام. وان كل ما عليهم فعله هو الانتظار. وربما لم يستطع الشخص الذي قتل الجنديين يوم الثلاثاء ذلك، فقرر تمديد جهاده الخاص. والحقيقة ناصعة الوضوح في العراق هي أن القتال لا يزال أبعد ما يكون عن نهايته، واعتقد أنه سيستمر طالما كنا ماضين في عملية مغادرة شعب العراق قبل انتهاء عمليات "التمرد" بصورة نهائية. أما بالنسبة لأوباما ، فإن الوعود السياسية أكثر أهمية بكثير لديه من حقائق الوضع على الأرض في العراق.
وقال الميجور جنرال "توني كوكولو"، قائد القوات الأمريكية في شمال العراق: "هذا حادث مأساوي وفعل جبان أعتقد بقوة أنه كان حادث معزول وبالتأكيد لا يعكس صورة الجيش العراقي في محافظة "صلاح الدين"".
"وتقع طوزخورماتو في الطرف الشمالي من محافظة "صلاح الدين" ومتاخمة لمحافظة كركوك الغنية بالنفط".
وما يفعله كوكولو هو أنه ينسج القصة لإدارة أوباما. وهذا هو الخط نفسه الذي ينبغي أن نتوقعه من أي ضابط أمريكي رفيع يهتم أكثر بالاحتفاظ برتبته ثم التقاعد بأعلى رتبة ممكنة. والآن وهو يحمل نجمتين فإنه في حاجة للحفاظ عليهما لمدة عامين أو ثلاثة ليتقاعد بهذه الرتبة. وبناءً عليه، سيراعي أن يكون الجندي الصالح ويخبر العالم أجمع أن مقتل اثنين من رجاله كان "حادثًا معزولاً".
وبالتأكيد هو "حادث معزول". فهل كان هناك أي حادث آخر في نفس الزمان والمكان مثله؟ بالطبع لا، إذن فمصطلح "حادث معزول" تم إطلاقه لجعل الأمر يبدو فقط على غرار "الحادث المعزول" الذي وقع في فورت هود بولاية تكساس العام الماضي. فجميع "الإرهابيين" و"المتمردين" يرتكبون "حوادث معزولة" عندما يقتلون شخص ما. وربما الاستثناء يكون في حالة إذا ما قتل أحد المتمردين شخصًا على بعد 10 أقدام من متمرد آخر يقتل شخصًا آخر، وبفارق خمسة دقائق بين بعضهم البعض. ومن ثم لن يكونا "حوادث معزولة". ويلح عليا التساؤل ما هي القصة التي يمكن أن يتم نسجها لمثل ذلك؟!
ثم من الذي سيقوم بإبلاغ عائلات الجنديين القتيلين أن أبناءهم لم يلقوا مصرعهم في عملية قتالية؟ هل "جو بايدن"؟ إن الرئيس أوباما ينبغي عليه أن يبعث بايدن لكي يبلغ عائلات هذين الشابين أن أبناءهم قد قتلوا على يد شخص ما بينما كانوا يقومون بمهمة "تقديم مشورة ودعم" في العراق. وبالطبع يجب عليه كذلك أن يبلغهم أن أبناءهم لن يحصلوا على وسام القلب الأرجواني لأنهم لم يلقوا حتفهم أثناء عمليات قتالية. وعليه أيضًا أن يخبرهم أنهم لن يحصلوا على أية تعويضات تتعلق بالقتال لأن أبناءهم، كما ترى، لم يُقتلوا في معركة قتالية. كل ما هنالك فقط أنهم لقوا مصرعهم في مكان اسمه العراق!!!
وربما سيمنح بايدن عائلات هذين الجنديين ميدالية "تقديم المشورة والدعم" الجديدة، والتي تُمنح بعد الموت بالطبع!
وإنني أتساءل كيف ستبدو هذه الميدالية؟ ربما ستكون في شكل وشاح منثني مثل جميع الوشاحات الأخرى التي نراها في خلفيات السيارات هذه الأيام؟ وماذا سيكون لونها؟ هل أرجواني، كما هو الحال في القلب الأرجواني؟ أو ربما يكون أصفر، كما في الهروب.
ولا يساورني أدنى شك في أن هذين الجنديين سيتم منحهم وسام القلب الأرجواني، وهذا ينطبق على الجنود التسعة المصابين أيضًا. لأنهم في الحقيقة في معركة قتالية. لكن الصندوق الذي وضع كلاً من أوباما وبايدن أنفسهما فيه يعني قول شيء معين للشعب الأمريكي وفعل شيء آخر. ولا شك لدي في أن هذه الأوسمة سيتم منحها لعائلات الجنود فعلاً، ولكنك على الأرجح لن تقرأ عنها في الصحف. سيوجه أوباما تعليماته لوزارة الدفاع بتوزيع هذه الأوسمة، ولكن ليس علانية، وذلك لأنها تتناقض على نحو مباشر مع إعلانه أن الحرب انتهت. إنها لم تنته بعد، بغض النظر عما يقوله أوباما وبايدن.
------------------------------------------
*مايكل أوبراين: صاحب كتاب "فشل أمريكا في العراق"، وكان قد عمل كمقاول تابع لوزارة الدفاع في العراق من عام 2006 إلى عام 2007. وهو خريج أكاديمية "ويست بوينت" العسكرية الأمريكية وخدم كضابط مشاة، وأحد أفراد المغاوير بالجيش، وجندي مظلات.