مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

تركيا ترسخ أقدامها في العالم الإسلامي

6 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

محمد سليمان الزواوي

zawawy@yahoo.com

مفكرة الإسلام : ينظر الغرب اليوم إلى تنامي النفوذ التركي في العالم الإسلامي وتمدده الإقليمي بارتياب وتشكك؛ حيث يخشى من أن تخرج تركيا عن دائرة التحالف الغربي وأن تصبح دولة قائدة للعالم الإسلامي في حقبة العدالة والتنمية التي بدأت في 2002 وتزامنت مع حربي العراق وأفغانستان بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وهو عالم مختلف بسبب شن الولايات المتحدة ما أسمته "الحرب على الإرهاب"، والذي يخشى بعض المراقبين أن تركيا ستسغله في إعادة الترويج لنظرية صمويل هنتنجتون لصراع الحضارات وأن تنحاز فيه تركيا للعالم الإسلامي.

ففي تقرير لسونير كاجابتاي نشرته دورية فورين أفيرز الأمريكية في الخامس عشر من نوفمبر الجاري قال الكاتب أن تركيا ربما تكون أكثر دولة ذات هوية إسلامية في العالم؛ فقد تشكلت عبر الدماء والحروب من أجل أن تكون دولة خالصة للمسلمين ومن المسلمين، وهو زعم تشترك فيه مع باكستان فقط التي نشأت على أساس هويتها كدولة مسلمة.فمع فرارهم من المحاكمات في أوروبا وروسيا والقوقاز، نزح ملايين الأتراك وغير الأتراك من المسلمين إلى تركيا، واليوم ينحدر ما يقرب من أكثر من نصف سكان البلاد ـ البالغ عددهم 73 مليون نسمة ـ من أصول تلك الشعوب البائسة. وتلك القصة ـ التي ربما لا يعرفها الكثيرون ـنسجت خيوطها عند ولادة الدولة التركية كدولة مسلمة؛فعندما انهارت الإمبراطورية العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى، انضم المسلمون من كافة أنحاء العالم إلى العرق التركي للدفاع عن الدولة الجديدة ضد أعدائها، من المسيحيين من قوات التحالف والأرمن واليونانيين. ومنذ ذلك الحين، فإن الموازنة بين تلك الهوية الإسلامية وبين الهوية التركية القومية العلمانية قادت مسار السياسة الخارجية للبلاد.

ويقول الكاتب أن الدين لا يزال يمثل الهوية القومية الصامتة لتركيا ـ حتى في فترة ما بعد الحقبة العثمانية ـ ؛ فعلى سبيل المثال عندما تبادلت تركيا واليونان أقلياتهم السكانية في عشرينيات القرن الماضي كجزء من تسوية الصراع اليوناني التركي، سلمت تركيا المسيحيين الأرثوذكس المتحدثين بالتركية من هضبة الأناضول في مقابل المسلمين الذين يتحدثون اليونانية من كريت. ولكن بالرغم من ذلك فإن الهوية التركية لا تعتمد بصورة كاملة على الإسلام، فبدءًا من عشرينيات القرن الماضي حاولت السياسات الكمالية لتركيا ـ على يد مصطفى كمال أتاتورك الرئيس الأول لتركيا ـ أن تؤكد على القوة الرابطة والدامجة للقومية، فقد روجوا لفكرة حضارة ديموقراطية غربية فردية، لا توحد الناس فقط على أساس الدين ولكنها هوية تتسع لجميع الأتراك؛ فالقومية التركية كانت علمانية في جوهرها بمعنى أن المواطنين كان من المتوقع منهم أن يكونوا متغربين (نسبة إلى الغرب) ولكن يمكنهم في الوقت ذاته أن يظلوا مسلمين إذا أرادوا ذلك، وبالتبعية، فإن الكماليين حولوا السياسة الخارجية التركية غربًا. ومنذ عشرينيات القرن العشرين وحتى الجزء الأول من القرن الحادي والعشرين تبنت النخب التركية والأحزاب الحاكمة سياسات خارجية موالية للغرب، فانضمت تركياللناتو وسعت حثيثًا باتجاه عضوية الاتحاد الأوروبي.

ولكن اليوم بدأت تركة أتاتورك في التلاشي، فمنذ عام 2001 نقّب حزب العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامية عن الهوية الإسلامية للبلاد وإزال الغبار عنها من جديد، ففي البداية افترض الكثيرون أن تأكيد الحزب على الإسلام لن ينقل تركيا بعيدًا عن الغرب، بل أثنى الكثيرون على تركيا في عهد العدالة والتنمية باعتبارها نموذجًا للدولة الإسلامية الديموقراطية، ولكن بسبب إعادة استخدام مصطلح "العالم الإسلامي" سياسيًا في عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، أصبحت تلك الدولة ذات الهوية المسلمة أكثر جنوحًا إلى رؤية العالم من خلال مصطلحات هنتنجتون الخاصة بصدام الحضارات.

ومع ركوبه موجة المشاعر المعادية للغرب التي أطلقت بعد حرب العراق عام 2003، فإن حزب ا لعدالة والتنمية قام بتبريد علاقته مع الغرب، وحاول أن يعيد ضبط بوصلة الدولة كقائدة للعالم الإسلامي، فقد شجع الحزب على الرؤية العالمية التي مفادها "أننا (المسلمون ضدهم (الغرب)" على حساب المرونة التي اكتسبتها تركيا تاريخيًا. وفي كتابه "العمق الاستراتيجي" لخص وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو ذلك الموقف قائلاً: "إن العلاقات التقليدية الجيدة لتركيا مع الغرب هي نوع من التغريب". وبلا شك أن عداء الحزب للغرب لم يكن ليحظى بصدى جيد لدى الأتراك إذا كان تم قبل الحادي عشر من سبتمبر والحروب التي أعقبته؛ فقد استطاع حزب العدالة والتنمية أن يصور الحرب على العراق على أنها هجمة على المسلمين ـ بما في ذلك الأتراك ـ ووضعت تركيا برسوخ ووضوح إلى صف العالم الإسلامي.

ويضيف الكاتب أن حزب العدالة والتنمية بعد ثماني سنوات من الحكم ـ وهي فترة طويلة بصورة غير عادية في السياسات التركية (وستكون أطول فترة في تاريخ تركيا الديموقراطي إذا فاز الحزب في الانتخابات العامة القادمة في يونيو 2011) ـ استطاع أن يحشد قوى كافية لتحويل كلماته إلى أفعال، فحتى الآن استطاع أن يملأ المحاكم العليا بقضاة متعاطفين معه، بعدما فاز بالاستفتاء الذي مكّن الحزب من تعيين كبار القضاة بدون المرور عبر إجراءات تصديق أخرى، كما هدف إلى تقليص دور الجيش في الشئون الحكومية.

وأينما يذهب حزب العدالة والتنمية يسير وراءه الشعب؛ فمنذ أيام تحديث الدولة العثمانية ظل المناخ السياسي للشعب تبعًاللنخبة بشكل كبير، والعدالة والتنمية الذي يتسلح بأعداد كبيرة من البليونيرات الإسلاميين، وبالشخصيات الاعلامية وبالمفكرين وأساتذة الجامعات، أصبح نخبة تركيا الجديدة، ويبدو أن الشعب التركي قد خضع بالفعل لعقلية حزب العدالة والتنمية. فطبقًا لاستطلاع أخير أجراه مركز TESEV البحثي، وهي منظمةغير حكومية مقرها أسطنبول، فإن عدد الأتراك الذين أصبحوا يعرفون أنفسهم كمسلمين أولاً في ازدياد بنسبة عشرة بالمائة في الفترة ما بين 2002 و2007.

فأكثر من نصف السكان عرفوا نفسهم بأهم إسلاميين، مما يعني أنهم يعتقدون أن تلك الأيدلوجية غير الليبرالية، وليس الديموقراطية العلمانية، يجب أن تقود النظام السياسي التركي. وهذا انفصام تام عن رؤية أتاتورك، والتي كانت تفيد بأن الأتراك يجب أن يكونوا غربيين وعلمانيين سياسيًا ومسلمين في الوقت ذاته.

وفي السابق كان العديد من الأتراك يعتقدون أنهم يشتركون في نفس القيم والمصالح مع الغرب، مما جعلهم يتعاونون مع الناتو ومع الولايات المتحدة ومع الاتحاد الأوروبي، وأن تلك العلاقة برمتها مفيدة لهم. ولكن بعد صعود العدالة والتنمية ـ وبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر والحرب على العراق وتعريف العالم الإسلامي على أنه معارض للغرب ـ فإن الأمر لم يعد كذلك: فطبقًا لتقرير للاتجاهات عبر الأطلنطي نشر عام 2010 فإن 55% من الأتراك يشعرون اليوم أن تركيا لديها قيمًا مختلفة عن الغرب وأن تركيا ليست دولة غربية، وبالرغم من أنه 73% من الأتراك في عام 2004 كانوا يعتقدون أن عضويتهم بالاتحاد الأوروبي ستكون إيجابية، إلا أن 38% فقط منهم شعروا بذلك في عام 2010.

وحتى الآن فإن جهود حزب العدالة والتنمية للدفاع عن القضايا الإسلامية العالمية، مثل محاولاتها الفاشلة التي أجرتها الصيف الماضي للتوسط في صفقة نووية بين إيران والغرب، كلها ذهبت سدى. ولكن حتى لو كانت تركيا لا تستطيع أن تقنع بقية العالم الإسلامي بقوتها، فإن تركيا استطاعت أن تعلي من الشعارات الإسلامية التي تفيد بـ "أننا ضد الآخر" على حساب الهوية القومية لتركيا. بعبارة أخرى، فإن حزب العدالة والتنمية سوف يكون لديه كعكته ولكنه سيضطر إلى أكلها بمفرده، إلا إذا توقفت تركيا عن الإيمان بنظرية هنتنجتون الخاصة بصدام الحضارات بين العالمين الإسلامي والغربي، وإلا فإن الكمالية ستعود للظهور مرة ثانية للتأكيد على الهوية القومية والعلمانية لتركيا. والفرصة القادمة لحدوث ذلك ستكون انتخابات يونيو 2011، والتي ربما تكون المعركة الأهم على روح تركيا منذ مائة عام، منذ أن حول سلاطنة تركيا اتجاه البلاد إلى الغرب المسيحي.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 26 نوفمبر 2010
  1. تفاصيل مؤامرة الموساد فى دول البلقان ضد تركيامفكرة الإسلام ( خاص) : كشفت مصادر صحافية عبرية النقاب عن تفاصيل مؤامرة صهيونية جديدة يقودها الموساد بهدف الانتقام من تركيا، من خلال بلورة حلف مخابراتي جديد فى منطقة البلقان موجه ضد أنقرة. وقالت صحيفة هاآرتس العبرية إن الموساد "الإسرائيلي" يآسيا واستراليا · 2 د قراءة
  2. هل بدأ الغربيون يعودون إلى ضميرهم؟بقلم: خباب مروان الحمد* بين فينة وأخرى تطالعنا الأنباء من خلال الصحف والإعلام المرئي، وكذا تتقافز في أذهاننا عدد من التراكمات الإخبارية حول عودة بعض الغربيين إلى ذواتهم وضمائرهم في جوانب تتفق مع المنهج الإسلامي، بل نسمع بإعلان إسلام كثير منمقالات وتحليلات · 29 د قراءة
  3. رسائل احتيال إلكتروني تغزو "فيسبوك"بدأ المحتالون الإلكترونيون استهداف المستخدمين على الموقع الاجتماعي الشهير "فيسبوك"، وذلك بعد أيام قليلة من إعلان الموقع إطلاق خدمة الرسائل الإلكترونية. وانتشرت يوم الخميس رسالةٌ أرسلت إلى حسابات البريد الإلكتروني على فيسبوك تخبر المتلقين بأمنوعات · 1 د قراءة
  4. التايمز: بريطانيا وراء فضيحة قيادي طالبان المزيفمفكرة الاسلام: نشرت صحيفة تايمز البريطانية اليوم الجمعة أن جهاز الاستخبارات البريطاني "ام اي 6" هو المسئول عن إحضار الشخص الذي انتحل شخصية قيادي كبير في حركة طالبان مخول بدء مفاوضات سلام مع الحكومة الأفغانية. وكانت صحيفة نيويورك تايمز كشفت أفريقيا وأوربا · 1 د قراءة
  5. المحكمة الأوروبية تدين روسيا بشأن جريمة دموية بالشيشانمفكرة الاسلام: أدانت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان روسيا في قضية تتعلق بأربع حالات إعدام من دون محاكمة جرت في الشيشان. وبحسب المدعين الأربعة المنتمين إلى عائلتين تقيمان في الشيشان فإن قريتهم غيخي-تشو تعرضت لقصف صاروخي في 7 فبراير 2000، واأفريقيا وأوربا · 1 د قراءة
  6. مصر تسمح بعبور قافلة الأمل إلى غزةمفكرة الاسلام: سمحت السلطات المصرية لقافلة الأمل الأوروبية بالدخول إلى قطاع غزة عبر معبر رفح في ساعة متأخرة من مساء الخميس. وذكرت صحيفة "فلسطين الآن" أن عشرات المتضامنين عبروا المعبر بسياراتهم إلى الجانب الفلسطيني من المعبر، بالإضافة إلى الالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: تركيا ترسخ أقدامها في العالم الإسلامي