إرهاب طهران.. هل يشعل فتيل الأزمة؟

رويل مارك جريشت*/ وول ستريت جورنال
ترجمة/ شيماء نعمان
مفكرة الاسلام: لا يزال هناك الكثير لنتعلمه بشأن المخطط الإيراني لاغتيال السفير السعودي في أحد مطاعم العاصمة الأمريكية واشنطن. وفي حال كانت معلومات وزارة العدل صحيحة، فإن المؤامرة تثبت حقيقة خطيرة بشأن النظام الإيراني؛ ألا وهي: أنه يصبح أكثر خطرًا وليس أقل كلما تقدم به العمر.
ومنذ وفاة مرشد الثورة الإيرانية "آية الله روح الله الخوميني" عام 1989، تحرى المراقبون الغربيون عن مؤشرات قد تدل على نهاية لعداء الثورة المستميت إزاء الولايات المتحدة. وقد كانت الدلائل وفيرة خارج نطاق النخبة الحاكمة: حيث انتقد جميع العلمانيين تقريبًا والكثير من طبقة المفكرين الدينيين بقوة الثيوقراطية ووصفوها بـ "غير الشرعية"، كما ألقى الشباب ذوو التعليم الجامعي- (ولدى إيران أفضل جمهور متعلم أكثر عن أي دولة كبرى أخرى في الشرق الأوسط) - بأنفسهم في إطار الحركة الخضراء الداعية للديموقراطية والتي هزت أركان النظام في صيف 2009.
أما في قمة النظام - ويضم المرشد الأعلى "علي خامنئي"، وحماته من فيالق الحرس الثوري، ورجال الدين ممن لا يزالون يتبنون الثيوقراطية - تصاعدت قوة الأيديولوجية الدينية ومعاداة أمريكا.
لقد كانت عملية الاغتيال المدبر في واشنطن فعلاً وقحًا: صحيح أن إرهاب الجمهورية الإسلامية الإيرانية في جميع أنحاء العالم، وفي أوروبا بشكل متكرر، إلا أنه كان يستثني الأراضي الأمريكية حيث إن إيران حتى تحت قيادة الخوميني كانت تخشى القوة الأمريكية الغاضبة.
وكانت إيران قد فجرت السفارة الأمريكية وثكنات مشاة البحرية (المارينز) في لبنان أثناء فترة رئاسة ريجان؛ معتبرة أن غطاء التنفيذ اللبناني الذي تم استخدامه في ذلك الهجوم سيكون كافيًا لإرباك الثأر الأمريكي. إلا أن إسقاط طائرة مدنية إيرانية في يوليو عام 1988 عن طريق حاملة الطائرات الأمريكية "فنسنس" قد ساهم بلا شك في إصرار طهران على أن البيت الأبيض كان قد تحالف مع "صدام حسين" ما أدى إلى انتهاء حرب إيران – العراق بالخسارة. وأثبت مفهوم القوة الأمريكية أنه حاسم.
إن أحد المزايا غير المقصودة لوجود أمريكا في بؤرة المؤامرات الإيرانية هو أن الولايات المتحدة كثيرًا ما يتم تصويرها على أنها قوة شيطانية. وتحدي ذلك الخوف أيضًا هو اهتمام أساسي آخر للثورة أي: عجز أمريكا عن صد "الإيرانيين المؤمنين" عن تحرير وطنهم - (العالم الإسلامي بأسره) - من الهيمنة الغربية والانحدار الثقافي. أما مبدأ القوة الأمريكية في مقابل الضعف الأمريكي فهو رقصة خطيرة تتحرك في العقلية الإسلامية.
أما في الداخل الإيراني، فقد أدى هذا التفاعل إلى موجات من الإرهاب المتشعب الاتجاهات ضد الولايات المتحدة. وقد كان خامنئي، الذي يصفه العديد من المحللين بأنه رجل حذر فيما يتعلق بالشئون الخارجية، شريكًا – بل وربما شريكًا حاسمًا - في كل عملية إرهابية نفذتها إيران في الخارج منذ وفاة الخوميني.
وقد صار خامنئي - الذي كان يومًا خانعًا وغير ذي شأن - حاكمًا لإيران بلا منازع بعدما منح منصب المرشد الأعلى عام 1989 من قبل "علي أكبر هاشمي رفسنجاني" الذي كان يومًا "دون كورليون" السياسة الدينية (والذي تولى رئاسة إيران في العام نفسه).
إن خامنئي كان هو من رفع بشكل كبير من القوة العسكرية والاقتصادية لفيالق الحرس الثوري في الوقت الذي كثيرًا ما يلعب فيه لعبة الكراسي الموسيقية مع قياداتهم. وقد حول المرشد الأعلى النظام الثيوقراطي المتوافق عليه إلى حد كبير إلى نظام استبدادي يخشى فيه الجميع من الحرس الثوري ووزارة الاستخبارات؛ التي تخضع بدورها الآن لسيطرة المرشد الأعلى. وقد مارس ضغطًا على حليفه السابق الأكثر ذكاء رفسنجاني، وقمع الحركة الخضراء المؤيدة للديموقراطية حتى الخمود. كما أحرز إلى حد بعيد تفوقًا على خصمه الرئيس المستقل العنيد "محمود أحمدي نجاد" الذي أزعجت طموحاته الشعبية القومية المرشد الأعلى وأغضبت العديد من المحافظين المتدينين.
وقد أظهرت نفسها في الخارج قوةخامنئيالمتزايدةوشعوره بأداء رسالة. فقد أطلق العنان لقوات الحرسضد الولايات المتحدة وحلفائها في العراق وأفغانستان. كما كشفت مؤخرًا وزارة الخزانة أن طهران لديها علاقات قائمة مع تنظيم القاعدة. ويعود تاريخ ذلك إلى ما لا يقل عن عقد مضى، كما أوضح تقرير لجنة الحادي عشر من سبتمبر التواطؤ الإيراني في السفر الآمن لنشطاء القاعدة كما سجل لاتصالات القاعدة مع جماعة "حزب الله" اللبنانية وسمسار طهران إلى المتشددين الإسلاميين الراحل "عماد مغنية".
ويأمل الكثيرون في واشنطن وأوروبا في الاعتقاد بأن مؤامرة الاغتيال في واشنطن جاءت من قبل "فصيل" داخل الحكومة الإيرانية؛ أي أن خامنئي لم يصدر أمرًا بالقتل ومن ثم ينبغي على واشنطن أن تكون حذرة في ردها. إلا أن كلاًّ من التحليل والتوصية السياسية يفتقران إلى قوة الإقناع.
أما "قاسم سليماني" - الذي يتولى على الأرجح قيادة النخبة في قوة القدس التابعة للحرس الثوري وهي القوة التي يبدو أنها من خطط لعملية الاغتيال - فليساعده الله إذا لم يكن قد راجعها مع خامنئي؛ حيث سيفقد عمله وربما حياته نفسها.
لقد شكل خامنئي على مدار 20 عامًا نظامًا سياسيًّا أكثر خضوعًا له اليوم عما كانت عليه إيران الثورية تجاه الخوميني.
وعلى مدار 20 عامًا بعثت الولايات المتحدة برسائل متضاربة للمرشد الأعلى، وحاولت في ظل الرؤساء الديموقراطيين والجمهوريين الوصول إلى إيران لإشراكها في حوار من شأنه أن يبتعد بهم عن الصدام. وقد كانت مثل تلك المحاولات في نظر خامنئي هدامة كما أنها أزكت خوفه العميق من الغزو الثقافي الغربي وتدمير القيم الإسلامية.
وربما صادق خامنئي على توجيه ضربة إلى واشنطن لأنه لم يعد يشعر بالتخوف من القوة العسكرية الأمريكية، فبرنامج الأسلحة النووية الإيراني المتقدم قد عزز بلا شك من موقفه، وعلى الرغم من وصف الرؤساء الأمريكيين للبرنامج النووي بأنه "غير مقبول"، فإنهم لم يفعلوا شيئًا حياله. كما لم يقم أي من الرئيسين "جورج دبليو بوش" و"باراك أوباما" باتخاذ إجراءات ثأرية ضد البعثات الإيرانية الإجرامية في العراق وأفغانستان.
لقد أظهر الرئيس أوباما بوضوح أنه لا يرغب في دور له - أو لـ "إسرائيل" - في ضربة عسكرية وقائية ضد المواقع النووية الإيرانية. كما أنه قد سحب تقريبًا جميع القوات الأمريكية من العراق ويرغب على نحو واضح في القيام بالشيء نفسه في أفغانستان. وربما ينظر العديد من الأمريكيين إلى ذلك على أنه أمر طيب، إلا أنه أيضًا بكل وضوح دلالة على أن واشنطن لم يعد لديها الرغبة في الاحتفاظ بهيمنتها في الشرق الأوسط.
وفي ذلك دعوة لشخص من نوع خامنئي للتحرك قدمًا ومهاجمة كلٍّ من أمريكا والغريم اللدود لإيران في الشرق الأوسط والعدو الصميم للشيعة "المملكة العربية السعودية".
وفي عالم إيران المفعم بالمؤامرة، يمثل السعوديون جزءًا من الجناح العربي المعادي لإيران؛ والذي يسعى حاليًا لإسقاط حليف إيران الوثيق الرئيس السوري "بشار الأسد" وسحق شيعة البحرين، وقد كانت محاولة تفجير السفير السعودي في واشنطن ضربة مضادة مغرية ضد أكثر قوتين أجنبيتين يمقتهما خامنئي.
وسيكون من المغري لإدارة أوباما الرد على إيران بمزيد من العقوبات الأحادية والمتعددة الجانب. وفرض مزيد من العقوبات ليس بالفكرة السيئة؛ ففرض عقوبات ضد الحرس الثوري وبيع البنزين المصنوع من الخام الإيراني يمكنه أن يلحق الضرر بطهران اقتصاديًّا ولكنه لن يخيفها. ويتعين على البيت الأبيض الرد على هذا الاعتداء بعمل عسكري. وإذا لم نفعل، فإننا إذن نطالب به.
لقد أخفقت الولايات المتحدة في حقبة الثمانينيات والتسعينيات في الأخذ بالنصيحة الحكيمة لوزير الخارجية الأسبق "جورج شولتز" بعدما قام أتباع الخوميني بقصفنا في لبنان. ونحن لم نجعل من الإرهاب ذريعة لشن هجوم، بل بدلاً عن ذلك تم التعاطي معه كمحض جريمة، ولم نفعل إلا قذف القليل من الصواريخ على الأكواخ الصخرية الأفغانية ومصنع أدوية سوداني. إلا أنه ينبغي علينا التعاطي معه كـذريعة: إن الثمن الذي سندفعه اليوم سيكون بالتأكيد أقل من الثمن الذي سندفعه غدًا.
------------------------------------------------
* رويل مارك جريشت: محلل سابق بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وزميل بارز لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطية.