ساركوزي المتدين!!

حسن الرشيدي
istratigi@hotmail.com
مفكرة الإسلام: "جذور المجتمع الفرنسي مسيحية في الأصل".. هذا تعليق للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أثار الدهشة في فرنسا عندما زار الفاتيكان خلال موسم أعياد الميلاد أواخر العام المنصرم لتأكيد أن الكاثوليكية تشكل واحدة من مصادر الحضارة الفرنسية كما يدعي ساركوزي ويمضي ساركوزي قائلا إن وجودي هنا في الفاتيكان يشهد عن إخلاص فرنسا لتاريخها ولأحد المنابع الأساسية لحضارتها وأود الإعراب بوجودي هنا أننا بحاجة إلى مساهمة الكنيسة الكاثوليكية والتيارات الدينية الكبرى الأخرى لتوضيح اختياراتنا وبناء مستقبلنا.
والذي أثار دهشة الناس أن الفرنسيين كانوا دائما يتبجحون ومن وراءهم من حذا حذوهم في منطقتنا أن فرنسا هي أم العلمانية في العالم كله وأن المبادئ التي تسير عليها الجمهورية الفرنسية هي مستلهمة من الثورة الفرنسية والتي رفعت شعار تسقط الرجعية ويقصدون بها الدين.
| الفرنسيين كانوا دائما يتبجحون ومن وراءهم من حذا حذوهم في منطقتنا أن فرنسا هي أم العلمانية في العالم كله.. |
هذا بالنسبة لفرنسا بصفة عامة فهي تدعي أنها صاحبة مبادئ الحرية وحقوق الإنسان وغيرها وبالنسبة للرئيس الفرنسي الجديد نيكولا ساركوزي فإنه على مستوى السلوك الشخصي يمثل تجسيدا للانحلال الأخلاقي واتخاذ الخليلات قد يقول قائل هذه سمة الشخصية الغربية بصفة عامة ولكن كان دائما على مستوى السياسيين فإنهم حريصون دائما على إخفاء فضائحهم الأخلاقية وعدم التبجح بها حتى أن الرئيس الأسبق فرانسوا ميتران لم يُعلم عن انحدار أخلاقه وأن لديه ابنة غير شرعية إلا بعد وفاته أما هذا الساركوزي فإنه يتبجح بهذه العلاقات الغير أخلاقية وكانت جولاته في المنطقة العربية خير شاهد على ذلك الانحطاط حيث اصطحب عشيقته في بعض جولاته ورفضت دول عربية استقبال هذه العشيقة بينما لم تمانع دولا أخرى في ذلك.
فظاهرة ساركوزي الفرنسية جمعت بين اللادينية والفساد الأخلاقي ذك الجناحان اللذان يطبعان النموذج الغربي ولذلك جاءت تصريحات ساركوزي والذي يتحدث فيها عن جذور المجتمع الفرنسي المسيحية لتقلب الموازين وبدت كأنها خارجة عن السياق العام فالأمر يحتاج لتحليل وخلفيات مثل تلك الأقوال.
ولكن قليلا من التأمل لمنظومة الفكر السياسي الغربي بصفة عامة والفكر السياسي الفرنسي أحد مكوناته يلحظ أن عنصر الدين لم يكن غائبا عن تلك السياسة في كثير من الشئون حتى ولو أخفى البعض هذه الخاصية وذاك النهج فبعد أن تم فصل الدين عن السياسة في أوروبا والغرب واستتب هذا الوضع وأصبح مقبولا ومرضيا في الثقافة الغربية على تفاوت في ذلك. ثم بدأ نوع من التراجع والمراجعة في السنين الأخيرة لفائدة إعادة الاعتبار للدين في الحياة السياسية.ولعل آخر مظهر لهذا التوجه الجديد هو النقاشات التي دارت في أوروبا حول صياغة الدستور الموحد للاتحاد الأوروبي وموقع الانتماء المسيحي فيه وكذا رفض كثير من الأوروبيين انضمام تركيا إليهم لكونها مسلمة وهم مسيحيون مما جعل كثيرا من المعلقين يصفون الاتحاد الأوروبي بالنادي المسيحي.
والواقع أن أوروبا قد انقسمت حول الإشارة إلى الجذور المسيحية- اليهودية لأوروبا ويظهر ذلك في صعوبة التوصل إلى صيغة مشتركة لآلية فصل الدين عن الدولة. فالدول الأوروبية التي تعيش فيها أغلبية كاثوليكية مثل بولندا وإيطاليا ومعها أحزاب المعارضة المسيحية مثل الحزب الديمقراطي المسيحي في ألمانيا أصرت على الإشارة إلى الدين المسيحي كجزء لا يتجزأ من الهوية الأوروبية. وعلى النقيض من ذلك أصر الموقف الفرنسي المدافع عن إنجازات الثورة الفرنسية وقيمها العلمانية على أهمية الفصل القاطع بين الدين ومؤسسات الدولة حتى يتم تحييد العامل الديني كلياً وهو ما عبر عنه لاحقاً القانون الذي سُن لحظر كل الرموز الدينية في الأماكن العامة في فرنسا.
| نلاحظ أن هذه النزعة إلى التدين ترتبط بظهور موجات للتعصب الغربي ضد الإسلام والتقارير الأخبار عن ذلك كثيرة فالتعصب ضد الإسلام أخذ ينتشر كالنار في الهشيم داخل أوروبا.. |
ولكن الإشارة الفرنسية الأخيرة على لسان ساركوزي تشير إلى أن فرنسا قد انضمت إلى الفريق الأوروبي الذي يدعو إلى إعلاء شأن الدين في السياسة الأوروبية
هذه العودة إلى المسيحية اليهودية يطلق عليها الكاتب جورج قرم في كتابه المسألة الدينية في القرن الحادي والعشرين المحافظية الجديدة التي يلاحظ الكاتب أنها تتميز بشكليها الإنكلو - السكسوني والأوروبي كما يلاحظ أنها تلتمس بقوة عودة الديني من أجل ترسيخ سلطتها الثقافية وشرعنة النظام الجيوبوليتيكي الجديد الذي راح يفرض نفسه تدريجا منذ انهيار جدار برلين.
أي أن الكاتب يريد أن يقول إن الاتجاه إلى المنظومة المسيحية اليهودية الجديدة هدفها ترسيخ الهيمنة الغربية على العالم
لذلك نلاحظ أن هذه النزعة إلى التدين ترتبط بظهور موجات للتعصب الغربي ضد الإسلام والتقارير الأخبار عن ذلك كثيرة فالتعصب ضد الإسلام أخذ ينتشر كالنار في الهشيم داخل أوروبا والولايات المتحدة حتى أن قسا ألمانيا قد أقدم على الانتحار بحرق نسفه وترك رسالة يقول فيها أنه أضرم في نفسه النيران ليحذر من خطر أسلمة أوروبا
واستعرض تقرير إتحاد هيلسينكي الدولي لحقوق الإنسان الصادر يوم 7-3-2005 تحت عنوان التعصب والتمييز ضد مسلمي أوروبا مظاهر التعصب ضد المسلمين في كل من النمسا وبلجيكا والدانمارك وفرنسا وألمانيا واليونان وإيطاليا وهولندا وأسبانيا والسويد وبريطانيا ، مشيرا إلى أن معدل الاعتداءات التي سجلت ضد المسلمين في تلك البلدان في تزايد وتتراوح ما بين المضايقات اللفظية والاعتداءات الجسدية وعمليات التخريب ضد ممتلكات المسلمين وحتى الاعتداء على مقابرهم ومساجدهم وأشار التقرير الصادر في 160 صفحة إلى أن هناك ميلا من جانب بعض وسائل الإعلام إلى معالجة القضايا المتعقلة بالمسلمين بأسلوب نمطي وهو ما أدى إلى ظهور تقارير صحفية تعمق من المفاهيم الخاطئة لدى عامة الناس عن الأقليات المسلمة في الغرب.
وتابع قائلا: إن ممثلي المسلمين بأوروبا أعربوا عن أسفهم إزاء ميل وسائل الإعلام إلى تسليط الضوء على بعض المسلمين الذين يحملون أفكارا متطرفة والذين لا يمثلون غالبية المسلمين.
| تم اعتقال مئات المسلمين تحت ذريعة قانون مكافحة الإرهاب، وتم إطلاق سراحهم دون توجيه أي تهمه إليهم بينما تم توجيه تهم لثلاثة فقط ومقاضاتهم.. |
وأدان التقرير تصوير وسائل الإعلام للإسلام على أنه متعصب ومنغلق على نفسه ودخيل على أوروبا واعتبار المسلمين غرباء عن التركيبة الاجتماعية الغربية.
وضرب التقرير مثلاً بالإعلام البريطاني الذي صنع انطباعا لدى الجمهور بأن نظام القضاء الجنائي في البلاد نجح في مقاضاة الإرهابيين المسلمين، مشيرا إلى أنه تم اعتقال مئات المسلمين تحت ذريعة قانون مكافحة الإرهاب، وتم إطلاق سراحهم دون توجيه أي تهمه إليهم بينما تم توجيه تهم لثلاثة فقط ومقاضاتهم. ويرى الكاتب يحيى أبو زكريا أن التحامل الغربي على الإسلام متعدّد الأبعاد والتفاصيل ولعلّ ظاهرة الحجاب نالت حصة الأسد من هذا التحامل الغربي الذي بدأ في فرنسا ولن ينتهي إلا بحظره في الدستور الأوروبي الموحّد كما يخطط لذلك بعض الإستراتيجيين في الغرب.
وقد دعت ليزي بوركوب وزيرة الداخلية النمساوية إلى منع المدرسات المسلمات من ارتداء الحجاب، وهو الأمر الذي أثار غضب الهيئة الدينية الإسلامية التي تعد الممثل الرسمي لمسلمي النمسا، ودفعها إلى مطالبة حزب الشعب اليميني باتخاذ موقف رسمي من تصريحات الوزيرة التي تنتمي لهذا الحزب صاحب الأغلبية في الحكومة.
حتى ساركوزي نفسه فقد وصف عندما كان وزيرا للداخلية مثيري الشغب في الضواحي التي يقطنها الكثير من المسلمين بـالأوباش انطباعاً سيئاً لدى المسلمين كما جاءت تصريحاته الأخيرة على القناة الفرنسية الأولى التي قال فيها في فرنسا لا نذبح الخراف في حوض الحمام متهماً المسلمين بذبح خراف الأضاحي في منازلهم.
ووصل الأمر بساركوزي حامل لواء الحرية في العالم إلى درجة أنه يطالب العالم بمساندة الرئيس مبارك لمنع وصول الإسلاميين للسلطة.