حقائق وتداعيات فضيحة "أولمرت"

كتبه /علي صلاح
كشفت فضيحة رئيس الوزراء الصهيوني إيهود أولمرت والتي تفجرت مؤخرًا بعد اتهامه بتلقي أموال بصورة غير قانونية من رجل أعمال أمريكي عن بعض الحقائق من أهمها, أن عالم السياسة بالمفهوم الغربي والذي تم تصديره لبقية دول العالم له قوانين صارمة؛ منها أن من يقع يتكالب عليه الجميع حتى أقرب المقربين لينال نصيبه من الفريسة؛ لذا قام إيهود باراك وزير الحرب في حكومة أولمرت وزعيم حزب العمل المنافس لحزب أولمرت وطالبه بالاستقالة, وهكذا فعلت وزيرة خارجيته وإحدى أعضاء نفس الحزب الذي ينتمي إليه أولمرت وهو حزب "كاديما", حتى قبل أن توجه إليه اتهامات رسمية, بل وصل الأمر للتنسيق بين ليفني وباراك من أجل عزل أولمرت بحسب اتهامات مصادر في ديوان رئاسة الوزراء. الحقيقة الأخرى التي تلفت الانتباه هو القدر الملاحظ من الشفافية التي تسمح بالتحقيق مع رئيس وزراء أثناء توليه منصبه دون السماع عن ضغوط لطي الأوراق والتستر على الجريمة كما يحدث في كثير من الدول التي تعيش في حالة صراع مع الكيان الصهيوني وهي حقيقة تظهر بعض أسباب تفوق الكيان في حربه مع هذه الدول.
تداعيات الفضيحة
أولاً على الوضع الداخلي في الكيان:
بغض النظر عن توجيه اتهامات رسمية لأولمرت فقد نالت الفضيحة من شعبيته بقوة؛ حيث أظهر استطلاع للرأي أن 70 بالمائة من "الإسرائيليين" يرون الاتهامات الموجهة إليه صحيحة وهو ما سيؤثر حتمًا على مستقبله السياسي بل ومستقبل حزبه خصوصًا مع تعرضه لضربة شديدة أخرى تمثلت بإقرار المستشار القضائي للحكومة توجيه لائحة اتهام بالاحتيال والسرقة لأقرب أصدقاء رئيس الحكومة وزير المالية المقال أبراهام هيرشزون, كما ازدادت الأمور تعقيدًا بإعلان ثلاثة من كتلة "المتقاعدين" الائتلافية انسحابهم من حزب كاديما، وتشكيلهم حزبًا جديدًا برئاسة الملياردير الروسي الأصل أركادي جايدماك. وأظهرت استطلاعات الرأي أن بنيامين نتانياهو زعيم الليكود في مقدمة المرشحين لرئاسة الوزراء ومن بعده وزيرة الخارجية تسيبي ليفني ثم إيهود باراك زعيم حزب العمل, ويرى محللون "أن التحقيقات الحالية مع أولمرت أدخلت الحلبة السياسية الإسرائيلية في دوامة شديدة، وطغى على جميع القوى السياسية شعور بالترقب...". لقد بدأت المعارضة تتأهب للقفز على السلطة واستغلال أجواء الفضيحة، فأعلن عضو الكنيست عن حزب الليكود سيلفان شالوم، أنه بادر إلى سلسلة من الاتصالات بالكتل البرلمانية لجمع موافقة غالبية أعضاء الكنيست على مشروع قانون أعدّه لحل الكنيست والتوجّه إلى انتخابات مبكرة, وتوقع رئيس كتلة الليكود في الكنيست، جدعون ساعر، أن يضطر باراك في الفترة القريبة المقبلة إلى اتخاذ قرار بالانسحاب من الحكومة، مما يعني سقوطها, كما دعا رئيس حزب "إسرائيل بيتنا"، أفيجدور ليبرمان، إلى تقديم موعد الانتخابات، مشيرًا إلى أن عدم الاستقرار السياسي واقترانه بعدم الاستقرار الأمني يؤدي إلى وضع خطير على "إسرائيل". من جهته دعا رئيس حزب "ميرتس"، حاييم أورون، إلى تسريع التحقيقات مع أولمرت، لكنه شدد على أن رئيس حكومة مشتبه فيه بمخالفات تتعلق برشا، لا يمكنه تحقيق سلام, على حد قوله.
ثانيًا على التفاوض مع الفلسطينيين:
أعرب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس عن خشيته من تأثير الفضيحة التي يتعرض لها أولمرت على المفاوضات التي تجري بين الطرفين, ورغم أنه لا مستقبل حقيقي لمثل هذه المفاوضات في ظل التعنت الصهيوني وقرب الانتخابات الأمريكية وحالة الانبطاح التي تعيشها السلطة الفلسطينية لتقديم نفسها في صورة "المعتدل المحب للسلام" والابتعاد عن شبح حماس, إلا أن أولمرت لن يكون مهيأً لتحقيق طموح عباس في تقوية موقفه على الساحة الفلسطينية ومجابهة شعبية حماس المتزايدة بعد إصرارها على المقاومة والتفاف الشارع حولها. أولمرت من ناحيته يسعى لصرف الأنظار عن فضيحته بتفاوضه مع الفلسطينيين, وهو يعلم جيدًا أن الأمر لا يعدو أن يكون استهلاكًا للوقت وقد وجد مساندة من الإدارة الأمريكية عبر عنها بوش في حديثه الأخير بالكنيست.
ثالثًا على اتفاقية التهدئة:
أدت الفضيحة إلى انخفاض حاد في شعبية أولمرت كما ذكرنا سابقًا وبدأت الصراعات تزداد بينه وبين بعض الأطراف في حكومته وعلى رأسهم إيهود باراك الذي يرى أن الجيش يحتاج إلى التهدئة مع حماس لالتقاط الأنفاس؛ الأمر الذي أدى إلى تأجيل جلسة مجلس الوزراء التي كانت ستبحث التهدئة إلى حين عودة أولمرت من واشنطن, وقالت مصادر صهيونية: إن سبب الإرجاء يعود إلى عدم حصول تقدم في الاتصالات مع مصر بخصوص التهدئة مع حركة حماس, كما أعرب عدد من الوزراء "الإسرائيليين" عن معارضتهم لاتفاق التهدئة مع حماس عبر وساطة مصرية بحجة "وجوب عدم إعطاء حماس فسحة من الوقت لبناء قوتها توطئة لموجة جديدة من العنف ضد إسرائيل". وكان باراك قد أراد إرسال المنسق عاموس جلعاد إلى القاهرة حتى يتفق مع المصريين على الشكل النهائي لشروط التهدئة الأمر الذي رفضه أولمرت واشترط الزيارة بعقد جلسة للمجلس المصغر يصوت خلالها على موقف "إسرائيل" من القضية. وذكرت صحيفة "ها آرتس" عن مصادر في مكتب رئيس الحكومة الصهيونية أن أمر التهدئة قضية أكبر من أن تترك بين يدي عاموس جلعاد وعمر سليمان . وأشارت الصحيفة إلى أن الخلافات في الرأي بين أولمرت وباراك تنبع من اعتقاد الأخير بأن التعهدات المصرية كافية وأن الشروط الحالية تكفي لعقد اتفاق وقف إطلاق نار فيما يبدي أولمرت تحفظًا على هذا المنطق.
رابعًا على المفاوضات مع سوريا:
منذ سنوات طويلة أعلن السوريون أنهم كانوا قاب قوسين أو أقرب بشأن اتفاقية سلام مع الصهاينة في عهد إسحاق رابين وأشاروا إلى أن رابين وافق على الانسحاب من الجولان, وأصر السوريون بعد اغتيال رابين على استكمال المفاوضات من النقطة التي انتهت عندها إلا أن الحكومات المتعاقبة في الكيان أكدت على أن المفاوضات ينبغي أن تبدأ من نقطة البداية, إلى أن فوجئ الجميع خلال مفاوضات الأطراف اللبنانية المتناحرة في الدوحة وهم في حالة شد وجذب بالإعلان عن مفاوضات غير مباشرة بين الكيان الصهيوني والسوريين بوساطة تركية, وقد أعلن مسئولون أتراك عن حدوث تقدم في المحادثات بين الطرفين وعن استئناف قريب لها بعد اختتام جولتها الأولى, في هذا الوقت تفجرت فضيحة أولمرت وبدأ الحديث يجري عن استقالته والدعوة لانتخابات مبكرة قد لا تأتي في الأغلب برئيس وزراء من حزب كاديما الحاكم الآن بل برئيس وزراء من الليكود الذي يتزعمه نتنياهو؛ مما يعني أن التفاوض إذا بدأ بين الطرفين سيبدأ من جديد وعلى أسس جديدة قد لا ترضى عنها دمشق, كما حدث سابقًا إثر اغتيال رابين.