إسرائيل و السلام السوري

حسن الرشيدي
مفكرة الإسلام: "لم يكن لدينا من خيار آخر سوي بدء محادثات سلام مع سورية"
هذا ما نقله مسئول إسرائيلي كبير عن رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود اولمرت وبحسب هذا المسئول الكبير الذي رفض الكشف عن اسمه لوكالة الأنباء الفرنسية فإن اولمرت قال أمام لجنة الشؤون الخارجية والدفاع البرلمانية ما رجح كفة الميزان لصالح إجراء مثل هذه المحادثات هو مسألة معرفة ما إذا كنا سننجر بسبب خطأ في التقدير إلي نزاع مع سورية .
كان الإعلان عن المفاوضات السورية الإسرائيلية غير مفاجئ فالأنباء الصحفية تتحدث عن تسريبات حول هذه المفاوضات منذ فترة طويلة و لكن الغريب و المفاجئ هو توقيت الإعلان عن هذه المفاوضات و التقدم الحاصل حولها من وجهين :
الأول : أن الذي أعلن المفاوضات هو زعيم حزب كاديما أيهود اولمرت و من المعروف أن حزب كاديما كان له موقفا مسبقا من المفاوضات مع سوريا عبر عنه شارون عندما رفض التلميحات و الدعوات السرية السورية عام 2004 بإجراء مفاوضات ففي مقابلة معه في صحيفة معاريف عام 2004 رأىشارونحينها : إنالبيئة الإستراتيجية لإسرائيل قد تحسنت كثيرا بعد احتلال العراق وإن وضع إدارة بوشسورية في إطار محور الشر بعد أن ضعفت في ظل الوجود الأمريكي بجوارها لذلك فانمعاودةالمفاوضاتمعهايعزز موقفها ويخالف السعي الأمريكي والغربي لعزلها وإجبارها على عدم دعم المنظماتالإرهابية ووقف تدخلها في الشؤون اللبنانية.
الثاني :هو عدم وجود رغبة شعبية إسرائيلية بإرجاع الجولان إلى السوريين فقد أظهر استطلاع للرأي أن65% من الإسرائيليين يعارضون أي انسحاب حتى لو كان جزئيا من هضبة الجولان السورية, التي احتلتها إسرائيل في عدوان عام1967و أشار معهد جيو كراتو جرافيا في استطلاع رأي أجراه إلى أن 64% من المشاركين في الاستطلاع يعتقدون أن أولمرت غير ملائم للقيام بإدارة المفاوضات مع سوريا والالتزام بتنازلات في الوقت الذي لم يتضح فيه مصيره السياسي.
وفي استطلاع آخر نظمه معهد مجمع الأدمغة الإسرائيلي, أشار إلى أن70% من الإسرائيليين يعارضون الانسحاب من الجولان مقابل السلام مع سوريا, بينما قال65% إنه لا يجوز تقسيم القدس مقابل سلام مع العالم العربي.
فما الذي حدث و جعل الإعلان في مثل هذا التوقيت ؟
سنحاول الغوص في أعماق السياسة الإسرائيلية حيث أنها هي العامل الحاسم في هذا الأمر نظرا لأنها تقدم على هذه المفاوضات من موضع القوة الإستراتيجية و الطرف الثاني نظرا لضعفه و عدم امتلاكه مثل هذه القوة هو مرهون بما تقدم عليه إسرائيل.
داخل إسرائيل :
الصراع داخل إسرائيل يتبلور في اتجاهين :
اتجاه فضيحة الرشاوى التي تورط فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت و التي أوصلته إلى تحقيقات النيابة التي اتهمته بتلقي مئات آلاف الدولارات بطريقة غير قانونية من رجل الأعمال الأميركي موشيه تالنسكي الذي مثل أمام المحكمة المركزية في القدس المحتلة للإدلاء بالشهادة المبكرة ضد أولمرت و استمرت ساعات وذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت أن تالنسكي هاجم من خلال التحقيق معه غالبية السياسيين الإسرائيليين. وقال إن أولمرت ليس السياسي الإسرائيلي الوحيد الذي حصل على مغلّفات من رجال أعمال مبينا أن سياسيين إسرائيليين آخرين حصلوا أيضاً على نقود وتمويل لأسفارهم إلى الخارج وقال تالنسكي إنه كان شريكاً لرجل الأعمال ليون تشيرني لتمويل جزءٍ من مصروفات رئيس الحكومة الإسرائيلية إسحاق رابين الذي قدّم محاضرات في الولايات المتحدة عندما كان عضواً في الكنيست.
و الاتجاه الآخر على صعيد احتدام الصراعات والاستعدادات الحثيثة من جانب قياديين داخل حزب كديما لخلافته.و يجري الخلاف داخل كاديما بسرية دون أن يخرج إلى العلن و لكن تسريبات صحفية و مواقف بعض الضالعين في هذه الخلافات يكشف عن مدى ضراوتها و يتركز هذا الصراع السري بين وزير الدفاع السابق ووزير المواصلات الحالي موفاز و وزير الخارجية ليفني التي تخوض حربا صامتة منذ فترة مع رئيس الوزراء أولمرت الذي وصفها بأنها متآمرة و تتبع ليفني الأسلوب الهادئ الصامت في هذا الصراع و لم ينقل عنها الحديث عن خلافة أولمرت رغم من طموحها الكبير لخلافته وخصوصاً أن استطلاعات الرأي العامة تمنحها تفوقا ملموسا على المستوى الجماهيري العام .ويرى مقرّبون من موفاز أن تفوّقها في الاستطلاعات ناتج من صمتها.
هناك في موضوع المفاوضات السورية الإسرائيلية أمران :المفاوضات نفسها و الإعلان عنها
و هنا تبرز رؤيتان رؤية اليمين الإسرائيلي و الأخرى اليسار .
فرؤية اليمين تستلهم المحادثات السلام السورية الإسرائيلية الأولى و التي جرت كتوابع لمؤتمر مدريد عام 1991 في ظل حكومة يمينية بزعامة إسحاق شامير و يعبر عنها يوسي بن أهرونمدير عام ديوان رئيس الوزراء ورئيس الوفد للمحادثات مع سورية في حكومة شامير حيث وصف التجربة التي مر بها و الدروس المستخلصة في صحيفة معاريف الإسرائيلية في شهر مايو الحالي حيث يرى هذا السياسي الإسرائيلي السابق أن أولمرت قد ارتكب عدة أخطاء بفتحه محادثات مع الأسد : أول هذه الأخطاء أن أولمرت يعرف بأن دعوات الأسد لاستئناف المفاوضات ترمي إلي إعادة بناء شرعية بلاده تماما مثل أبيه يسعي بشار إلى تحقيق الهدف بمعونة إسرائيل ودون أن يدفع أي ثمن وعليه فان مجرد استجابة إسرائيل للشروع في المحادثات يشكل انجازا لسورية.
الخطأ الثاني في نظر هذا السياسي الإسرائيلي أن الحكومة الإسرائيلية وافقت هذه المرة علي مفاوضات غير مباشرة بينما في مدريد جرت مفاوضات مباشرة وبفضل مدريد والمفاوضات مع إسرائيل نجح حافظ الأسد في الحفاظ علي مكانته في الغرب رغم سيطرته علي لبنان تأييده للإرهاب الفلسطيني والحلف الذي كان له مع الاتحاد السوفييتي.
و يرى هذا السياسي أن دوافع بشار للسلام غير جدية فهو مثل أبيه يعلم بأن الطريق إلى واشنطن والي الغرب تمر في القدس. وقد حاول ابتزاز ثمن من إسرائيل لقاء مجرد الدخول إلى مفاوضات معها أنزل من الرف ملفات المحادثات العقيمة التي أديرت مع حكومات رابين و نتنياهو وباراك وطالب إسرائيل بأن توافق علي استئناف المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها. بمعني أن تتنازل إسرائيل عن هضبة الجولان في بداية المفاوضات ولا تدور المباحثات إلا علي الترتيبات الأمنية. الآن عندما تزعجه عزلة بلاده والعقوبات التي فرضتها عليها الولايات المتحدة قرر بشار اغلب الظن التنازل عن هذا المطلب الإنذاري ولهذا تصدر عن دمشق رسالة غامضة: من جهة وكأنها وعدت بتسليم الجولان إلى سورية ومن جهة أخرى صرح وزير الخارجية وليد المعلم بان سورية لن تدير أي مفاوضات علي مطلبها استعادة هضبة الجولان.
و يرى الكاتب أن عزلة سورية قد تعاظمت بسبب الدور السلبي الذي تقوم به في لبنان وفي العراق الكشف عن سعيها إلى إنتاج سلاح نووي وعضويتها في محور الشر إلى جانب إيران وحزب الله.
و على نفس الوتيرة يرى مستشار شارون السابق دوف فايسغلاس في صحيفة يديعوت أحرنوت أن الحديث الإسرائيلي ـ السوري سيحسن الوضع السياسي لسورية في العالم بشكل عام وفي أوروبا بشكل خاص ويمنح الأسد مظهرا من الاحترام والاعتدال ومحبة السلام. وهكذا نزيد صعوبة صراع الرئيس بوش ضد الحاكم السوري ونحدث حرجا للإدارة لا معني له فنوايا السلام لبشار الأسد فسرها شارون كمحاولة مكشوفة للتخلص من براثن الولايات المتحدة ذلك أن الافتراض الذي وجه السوريين وفيه منطق كان إن أمريكا ستجد صعوبة في مكافحة زعيم عربي يتحدث عن السلام مع إسرائيل. شارون لم يصدق الأسد لم يثق بالأسد وشكك بصدق نواياه.
أما على الجانب الإسرائيلي الآخر و هو اليسار الإسرائيلي و الذي يمثله يوسي بلين رئيس حزب ميرتس سابقا فقد كتب في صحيفة معاريف الإسرائيلية في هذا الشهر يؤكد على أنه في عام 2000 في المفاوضات التي جرت بين باراك و فاروق الشرع برعاية كلينتون فإن الجانبين السوري و الإسرائيلي كانا على وشك إبرام اتفاقية سلام بعد أن اتفقا على كل شيء و لكن استطلاع أجري من أجل باراك أظهر له أن أغلبية الجمهور غير مستعدة للنزول من هضبة الجولان حينئذ حذره مستشاروه السياسيون في تلك الأيام من الهزيمة و لذلك لم يوقع الاتفاق .
و يشرح بلين شروط و مزايا هذا الاتفاق مع سوريا للجانب الإسرائيلي :
الهضبة ستكون مجردة من السلاح فيما أن التجريد من السلاح في الجليل لن يكون مساويا في حجمه مثلما حدث مع مصر .
1.الإسرائيليون سيكون بوسعهم الدوران حول بحيرة طبريا حتى دون تأشيرة دخول رغم أن السيادة ستكون هناك سورية وذلك علي نحو يشبه اتفاق طابا.
2.الاتفاق علي توزيع المياه بطريقة لا تمس بتزويد المياه لإسرائيل.
3.بالنسبة لحزب الله و لحماس لن يكون بوسعهما مواصلة تلقي المساعدة السورية الحالية.
4.ستهتز بلا شك علاقات سورية مع إيران.
5.سينهي الإحساس بالإغلاق علي إسرائيل وأنه سيكون بوسع الإسرائيليين أن يأخذوا سياراتهم وان يسافروا شمالا عبر سورية وتركيا إلى قلب أوروبا.
و على نفس المنهج يصرح وزير البنى التحتية الإسرائيلي بنيامين أليعازر بأن تحقيق السلام على المسار السوري – الإسرائيلي وحلّ مسألة الأسرى اللبنانيين لدى إسرائيل سيقلب الوضع الإستراتيجي في الشرق الأوسط و يبرر ذلك وفق رؤيته ليقول إن تلك المواقف إنّما تعزل إيران وتالياً تسكت حزب الله .
لذلك فإن أمر المفاوضات الإسرائيلية السورية سيحدد مسارها بشكل حاسم بقاء أولمرت من عدمه على سدة الحكم في إسرائيل و طبيعة من يخلفه إذا أجبر أولمرت على ترك الحكم .