انتصار لحماس

حسن الرشيدي
مفكرة الإسلام: ثمة مشهدين في تلاحق الأحداث على الساحة الفلسطينية توحي بأن إستراتيجية حركة حماس التي اتبعتها طيلة الفترة السابقة أثبتت إيجابيتها و فعاليتها رغم المشككين في نتائجها .
فمنذ قبول حماس فكرة الدخول في الانتخابات وانتصارها فيها و اضطرارها إلى تشكيل حكومة بدون فتح التي تملصت من المشاركة بأمل فشل حماس أمام الفلسطينيين و المجتمع الدولي ثم تطور الأمر إلى قتال بين الطرفين انتهى بهزيمة فتح في غزة و تولي حماس مقاليد الأمور في غزة مما جعل المجتمع الدولي و إسرائيل يشددون الحصار على غزة و منع الغذاء و الطاقة إلى اليسير منهما مما يجعل معيشة السكان لا تطاق كل ذلك دفع محللين و فريق من الإسلاميين إلى لوم حماس خوضها غمار السياسة و تخليها عن المقاومة بل اتهموها بأن مشاركتها في الانتخابات هي السبب الرئيس فيما آلت إليه أوضاع الفلسطينيين من حصار و قصف ودمار و قتل .
و اندفع آخرون يشككون في جدوى مشاركة الإسلاميين في الحكم و كأن الإسلاميين مكتوب عليهم أن يظلوا دائما في الظل و أن السياسة و خوض غمارها و تتحمل نتائجها السلبية و محاولة التعلم منها واستثمار نتائجها الإيجابية باتت من المحرمات التي لا ينبغي للإسلاميين مقاربتها .
و لكن في خضم هذه الظلمة التي يلفها البعض حول أفكاره و طروحاته كان هناك مشهدين :
المشهد الأول هو تصريحات الرئيس الفلسطيني محمود عباس و التي دعا فيها إلى حوار وطني بهدف تحقيق مصالحة بين حركة فتح التي يترأسها وحركة حماس وقال عباس في خطاب توجه فيه إلى الشعب الفلسطيني "انطلاقا من الحرص على وحدتنا وتجاوبا مع العديد من الدعوات الصادرة من الدول العربية والأطراف العربية والصديقة التي تدعو لإنهاء الاقتتال وإعادة الأوضاع في غزة إلى ما قبل 13 يونيو 2007 أدعو إلى حوار وطني شامل لتنفيذ المبادرة اليمنية".
و لكن لماذا تراجع محمود عباس هذا التراجع السريع و هو الذي ظل منذ أكثر من عام و منذ تولي حماس أمر غزة و قبلها يعاند و يصر على عدم التحدث إلى حماس إلا بعد أن تسلم مقرات الأمن و حكم غزة مرة أخرى إليه ؟ فما الذي حدث و آل بالأمور إلى ما انتهت إليه ؟
لقد راهن عباس منذ بدايات حكمه على الجانب الأمريكي معتقدا كما اعتقد سلفه من الحكام العرب من قبله ممن انخرطوا في العملية السلمية أن معظم أوراق الحل إن لم تكن كلها في يد أمريكا و لذلك كان الرهان بالنسبة له هو وضع البيض كله في السلة الأمريكية أملا في أن تأتي له بالحل الموعود للقضية الفلسطينية هذا مع افتراض حسن النية لدى أبو مازن أو لدى مستشاريه و لم نتوجه إلى التحليل الآخر الذي يعتبر أبا مازن ما هو إلا عميل لأمريكا و إسرائيل ينفذ سياساتهم و لكن مع إهمال هذه الفرضية مؤقتا يمكننا اعتبار أن أبا مازن كان واقعا تحت ضغوط أمريكية إسرائيلية حقيقية تهدده بطرده أو حتى أن يلقى مصير عرفات و من ثم نقلت عنه أقواله لبعض الوسطاء أن أمريكا و إسرائيل هم في يدهم حل مشكلة إيجاد تفاهم فتح مع حماس .
و لكن فجأة نقلت الأنباء استعداده لفتح حوار مع حماس و إيجاد صيغة توفيقية بين الطرفين بل إن وفدين من حركتي فتح وحماس الفلسطينيين يُجريان محادثات في داكار عاصمة السنغال برعاية الرئيس السنغالي عبد الله واد الذي ترأس بلادهُ دورة المؤتمر الإسلامي و الذي أجرى محادثات منفردة مع وفدي الحركتين وأفاد مراسل قناة العربية بأن اختراقا مهماً شهدته المحادثات وسط ترجيحات بالتوقيع على ما سُمي بوثيقة داكار التي تضم نقاط الوفاق للبدء بالحوار عليها لإنهاء الانقسام الفلسطيني و تنص الوثيقة على تشكيل حكومةٍ مؤقتة تشرف على إجراء انتخابات عامة قبل نهاية العام الحالي فما الذي حدث و جعل أبا مازن يغير رأيه و يشرع في التفاوض مع حماس ؟
نعتقد أن عدة عوامل جعلت أبو مازن يشعر بيأس من الموقف الأمريكي و الإسرائيلي هذا من جهة و من جهة أخرى شعر بأن القبضة الأمريكية و الإسرائيلية على مجريات الأحداث في المنطقة بدأت في الاضمحلال منها أن الإدارة الأمريكية أصبحت كالبطة العرجاء في شهورها الأخيرة و التي تسبق الانتخابات الأمريكية فهذه الإدارة همها الأول هو العراق و تفعيل إستراتيجية للخروج منه قبل أن تخرج هذه الإدارة من الحكم و لا تهمها القضية الفلسطينية في شيء إلا بمقدار ما يمس أمن إسرائيل العاجل فهذه الإدارة لم و لن تقدم شيئا لفلسطين و كذلك أبان المرشحون القادمون عن وجهتهم سواء أوباما أو ماكين في مؤتمرات إيباك وهو اللوبي اليهودي في أمريكا حيث تبارى المرشحان في إعلان الولاء لإسرائيل و تقديم أكبر خدمات ممكنة للدولة العبرية و إسرائيل نفسها في حالة بلبلة سياسية خطيرة فعصر أولمرت على وشك الأفول نتيجة لقضايا الفساد التي اتهم فيها و خليفته سيكون مكبلا أيضا سواء كانت ليفني أم موفاز لأن كاديما سيستند بعد اولمرت على غالبية ضعيفة في الكنيست يمكن أن تتلاشى في أي لحظة لكل هذه العوامل تبدو الفرصة مهيأة لمحمود عباس لإعادة اللحمة الفلسطينية بين الضفة و القطاع في غيبة أي حل حقيقي و غيبة ضغوط فاعلة لفصل القطاع عن الضفة .
أما المشهد الثاني فهو صفقة التهدئة بين إسرائيل و حماس و التي ترعها مصر و تحاول إنجازها فعلى ما يبدو تظهر الأطراف الثلاثة عدم قدرة على حسم هذه الصفقة فحماس تصر على تهدئة مؤقتة و فتح المعابر و إذا اضطرت للإفراج عن شاليط فيجب الإفراج عن عدد كبير من الأسرى الفلسطينيين و إسرائيل غير قادرة على اتخاذ قرار سياسي في التهدئة أو في عملية كبيرة حاسمة في غزة فلا يوجد خيار تفاوضي يرضيها و لا خيار عسكري يجنبها الخسائر المتوقعة
و لكن ما دخل انتصار حماس في هذين المشهدين ؟
نعم حماس بنبرة الثبات و الصبر على الخطوب و الحصار و القصف و تنكر المحيط الإقليمي لها و ظلم بعض الإسلاميين لمواقفها فقد تحول التيار و بقيت هي واقفة لم تنحني و ستخرج من العاصفة بأقل الخسائر المتوقعة و ذلك نصر و خطوة كبيرة على الطريق .