مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

العلاقات الإيرانية - المصرية في الميزان

8 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

صباح الموسوي مركز النهضة الأحوازية للثقافة والإعلام

مفكرة الإسلام: مرت العلاقات الإيرانية - المصرية خلال القرن الماضي بمراحل مختلفة، تراوحت بين التطور الذي بلغ حد التصاهر بين نظامي الحكم في البلدين في مرحلة ما، وبين القطيعة الكاملة والدخول في حرب سياسية وأمنية شديدة في مرحلة أخرى.

وكنموذج لمتانة العلاقة التي شهدها البلدان، يمكن ذكر زواج ولي عهد إيران ( شاه إيران فيما بعد ) الأمير محمد رضا بهلوي من الأميرة فوزية أخت الملك فاروق سنة 1939م، حيث أثمر هذا الزواج، الذي جرى بترتيب من المايسترو البريطاني الذي كان مهيمنًا على البلدين آنذاك، عن إنجاب "الأميرة شهناز"، لتكون همزة وصل بين نظامي الحكم في البلدين. إلا أن هذا الزواج لم يدم طويلاً؛ حيث وبعد أن أدى غرضه المنشود جرى طلاق الإمبراطورة المصرية من الشاه الإيراني سنة 1945 مما ترك أثرًا سلبيًا على العلاقات بين البلدين ودفع بإيران للاعتراف بدولة "إسرائيل" عند إعلانها سنة 1948م، مما زاد في انخفاض مستوى العلاقات بينهما.

ومع قيام ثورة يوليو 1952م. وتولي الزعيم جمال عبد الناصر زمام الأمور وتصاعد المد القومي العربي، فقد اتخذت إيران موقفًا عدائيًا من عبد الناصر، (رغم أنه متزوج من إيرانية هي السيدة تحية كاظم ابنة تاجر سجاد إيراني)، الأمر الذي تسبب ولأول مرة سنة 1963 في قطع العلاقات بين البلدين.

لما تعرضت مصر للعدوان الثلاثي، وقفت إيران إلى جانب دول العدوان، وهكذا فعلت في حرب 1967م، وقامت بمد الكيان الصهيوني بالنفط

ولما تعرضت مصر للعدوان الثلاثي، وقفت إيران إلى جانب دول العدوان، وهكذا فعلت في حرب 1967م، وقامت بمد الكيان الصهيوني بالنفط. وبالمقابل فقد دعم عبد الناصر المعارضة الإيرانية ضد الشاه وأيد ثورة مصدق بقوة. (أورد تفاصيل ذلك الدعم كل من المرحوم " فتحي الديب "، رجل عبد الناصر ورسوله لدى كل الثورات وحركات التحرر العربية والأجنبية في كتابه " عبد الناصر والثورة الإيرانية"، و"مصطفى شمران "، وزير الدفاع الإيراني في عهد رئاسة أبو الحسن بني صدر، في كتابه المعنون " لبنان").

ومع اعتلاء الرئيس الراحل أنور السادات سدة الحكم في مصر عام 1970، عادت العلاقات بين البلدين إلى مجاريها وأصبحت في آخر أيام الشاه حميمية للغاية؛ حيث تبادل الشاه والسادات الزيارات بينهما، خصوصًا بعد أن قطع العرب علاقاتهم مع مصر نتيجة توقيعها اتفاقية " كامب ديفيد " مع الكيان الصهيوني، وعندما هرب الشاه محمد رضا بهلوي من إيران إثر قيام الثورة الشعبية ضده عام 1979م وأصبح تائهًا يتنقل بين البلدان أملاً في ملجأ يؤويه، احتضنته مصر حتى حين وفاته عام 1980م ودفن في المقبرة الملكية بجامع الرفاعي الشهير في القاهرة.

وفي هذه الفترة دخلت العلاقات الإيرانية المصرية مرحلة جديدة سادها التوتر الشديد بين البلدين. فنظام الثورة الإيرانية كان مصرًا على أن تقوم مصر بتسليمه الشاه الهارب، غير أن السادات كان يرفض ذلك وهو ما وجدته إيران فرصة لكي تقوم بشن حرب إعلامية وسياسية ضد مصر متذرعة باتفاقية كامب ديفيد، ما حدا بالسادات إلى الوقوف بجانب العراق في حرب 1980- 1988م التي شنتها إيران ضده تحت شعار "تحرير القدس يمر عبر تحرير كربلاء "، وقد وجد النظام الإيراني في التعاطف الشعبي المصري مع الثورة الإيرانية التي رفعت شعار الإسلام، فرصة لمد خيوط العلاقات مع منظمات الإسلام السياسي المصرية: تنظيم الجهاد، الإخوان المسلمين، الجماعة الإسلامية...، في إطار مشروع تصدير الثورة. ولهذا فقد قامت طهران عام 1980م بقطع كامل علاقاتها السياسية مع مصر. وقد أقسم آية الله الخميني حينها قائلاً: " إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لن تعيد علاقات بمصر إلا إذا مزقت الأخيرة اتفاقية كامب ديفيد".

تعرضت مصر طوال العقود الثلاثة الماضية لأعمال إرهابية عديدة، ذهب ضحيتها الكثير من المدنيين الأبرياءوألحقت أضرارًا بالمصالح الاقتصادية والأمنية المصرية. وقد أثبتت التحقيقات أن أغلبتلك الجرائم الإرهابية كانت مدعومة من قبل أجهزة المخابرات الإيرانية

وعند مقتل السادات عام 1981م ابتهجت إيران واعتبرت قاتله " خالد الإسلامبولي " بطلاً إسلاميًا وأطلقت اسمه على أحد الشوارع الرئيسة في طهران، وبنت له جدارية كبيرة نصبتها على مقربة من السفارة المصرية. وقد تعرضت مصر طوال العقود الثلاثة الماضية لأعمال إرهابية عديدة، ذهب ضحيتها الكثير من المدنيين الأبرياء وألحقت أضرارًا بالمصالح الاقتصادية والأمنية المصرية. وقد أثبتت التحقيقات أن أغلب تلك الجرائم الإرهابية كانت مدعومة من قبل أجهزة المخابرات الإيرانية، وذلك بحسب الأدلة والشواهد التي قدمتها السلطات المصرية، ومنها اعترافات العناصر التي كان قد تم تدريبها وتمويلها من قبل أجهزة المخابرات الإيرانية وجرى دفعها للقيام بأعمال معادية ضد مصر. ولعل من بين تلك الشواهد يمكن ذكر قضية " محمود عيد دبوس " العميل المصري الذي حكم عليه عام 2004م بالحبس 35 عامًا بعد أن تم إلقاء القبض عليه واعترافه بالتجسس لحساب شبكة إرهابية تعمل لصالح الحرس الثوري الإيراني، ويرأسها الدبلوماسي في مكتب رعاية المصالح الإيرانية بالقاهر الضابط الحرسي " محمود رضا حسن دوست ". ولكن رغم كل تلك الاعتداءات الإيرانية إلا أن مصر بقيت ممسكة بأعصابها ولم ترد بالمثل، مما أعجز إيران من إظهار تعرضها ولو لمرة واحدة لعمل معادي تثبت لمصر دور فيه. وبعد موت الخميني وتولي ثعلب السياسة الإيرانية " هاشمي رفسنجاني " رئاسة الجمهورية، جرى في سنة 1991م استئناف العلاقات بين طهران والقاهرة على مستوى مكتب رعاية المصالح، وظلت العلاقات مستمرة على هذا المستوى منذ ذلك الحين.

وعند قيام إيران عام 1992م باستكمال احتلالها لجزيرة أبو موسى الإماراتية، دفع ذلك مصر للتحرك على صعيد الأروقة الدولية للحيلولة دون تطور الأزمة وبنفس الوقت طالبت بضرورة إنهاء إيران لاحتلالها الجزيرة الإماراتية مما أدى بطهران لشن حملة إعلامية مكثفة على مصر، متهمة إياها مجددًا بالعمل ضمن المحور الأمريكي للسيطرة على الخليج بحسب زعمها. ومع تولي محمد خاتمي سدة الرئاسة وصعود التيار الإصلاحي الذي حاول تلميع صورة إيران وإظهارها بمظهر الاعتدال وقبولها لمشروع السلام في المنطقة، فقد سعت طهران نحو التقارب مع مصر، وقد رحبت القاهرة بالخطوة الإيرانية ولكن بحذر.

وقد جرى على هامش اجتماع القمة العالمية الأولى لمجتمع المعلومات في جنيف في كانون الأول 2003 م لقاء بين الرئيسين، محمد حسني مبارك والإيراني محمد خاتمي، وكان هذا أول لقاء بين رؤساء الدولتين منذ ربع قرن وهو اللقاء الذي أعقبه قيام إيران في ديسمبر 2004م بتسليم قادة الجماعة الإسلامية " مصطفى حمزة " و" رفاعي طه " إلى مصر. وكان ذلك دليلاً واضحًا على إيواء إيران للكثير من قادة وعناصر التنظيمات المصرية المسلحة التي تعمل على قلب نظام الحكم.

أبدت مصر امتعاضها الشديد من التدخل الإيراني السافر في الشئونالعراقية، وقدردت إيران على ذلك بدفع المليشيات الطائفية الموالية لها عام 2005م للقيام باختطافالسفير المصري في بغداد " إيهاب الشريف " وقتله

إلا أن هذا التقارب بين البلدين سرعان ما توقف بعد أن أبدت مصر امتعاضها الشديد من التدخل الإيراني السافر في الشئون العراقية والذي أخذ منحًى خطيرًا يهدد وحدة العراق ويدفع به نحو الحرب الطائفية. وقد ردت إيران على ذلك بدفع المليشيات الطائفية الموالية لها عام 2005م للقيام باختطاف السفير المصري في بغداد " إيهاب الشريف " وقتله، الأمر الذي جعل الرئيس المصري حسني مبارك " وفي حوار أجرته معه قناة (العربية) الفضائية في سنة 2006م " أن يصف الوضع في العراق، بأنه أقرب إلى حرب أهلية، وحذر من أنها قد تمتد إلى خارج الحدود العراقية، واعتبر صراحة أن الشيعة فى العراق موالون لإيران.

وفي عام 2007، وحين كانت مصر تقوم بالعمل لرأب الصدع بين الأطراف الفلسطينية، اعتمادًا على ثقلها الإقليمي والدولي وعلاقاتها الوطيدة بأغلب الحركات الفلسطينية، وكانت على وشك أن تنجح في مساعيها الحميدة، فقد كانت إيران قلقة جدًا من نجاح المساعي المصرية، ولهذا فقد دفعت بحركة حماس لتنفيذ انقلابها (المدعوم إيرانيًا ) على السلطة الوطنية الفلسطينية، وذلك من أجل إرباك مساعي الوساطة المصرية وخلط أوراق اللعبة السياسية .ولكن القيادة المصرية بحكمتها المعهودة وخبرتها الطويلة في التعاطي مع الملف الفلسطيني، تمكنت من استيعاب واحتواء ما أفرزته عملية حماس الانقلابية وتمكنت مرة أخرى من إفشال المخطط الإيراني.

لقد حاولت إيران كثيرًا أن تأخذ دور مصر فيالمنطقة، إلا أنها فشلت في ذلك وعادت مصر للقيام بتنشيط دورها فيالقضية الفلسطينية، إضافة إلى تنشيط دورها في المنطقة العربية عامة

لقد حاولت إيران كثيرًا أن تأخذ دور مصر في المنطقة، خصوصًا بعد انسحاب قوات الاحتلال الصهيوني من جنوب لبنان، والذي أعطي الفضل فيه إلى حزب الله الموالي لها. حيث حاولت القيادة الإيرانية آنذاك، استغلال هذه النقطة لتحقيق هدفها، إلا أنها فشلت في ذلك وعادت مصر للقيام بتنشيط دورها في القضية الفلسطينية، إضافة إلى تنشيط دورها في المنطقة العربية عامة، وقد أخذ هذا الدور يشهد تصاعدًا خاصة بعد احتلال العراق وهو ما عزز من مكانة مصر في النظام الإقليمي والدولي. وقد ثبت لقادة النظام الإيراني بعد تجربة طويلة أنه لا يمكن لمشاريعهم التوسعية الرامية إلى فرض الهيمنة الفارسية على المنطقة أن تنجح في عزل أو تحييد مصر أو ثنيها عن القيام بواجبها القومي، وتحديدًا في منطقة الخليج العربي وفلسطين.

لهذا فقد وجد الإيرانيون أن الثقل المصري في الساحة العربية أمر واقع وأن العرب لا يمكنهم ومهما بلغت خلافاتهم، الاستغناء عن دور مصر في دعم قضاياهم الخارجية وحل خلافاتهم الداخلية، وأن إيران مهما عملت فإنها لن تستطيع أن تحل محل مصر في المنطقة؛ لذلك فقد أصبحت إيران اليوم هي من يسعى وراء إعادة العلاقات الدبلوماسية مع مصر بعد أن كانت البادية في قطعها، وقد كررت إيران في منتصف مايو آيار الماضي، وعلى لسان رئيسها أحمدي نجاد، استعدادها لإعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع مصر.

مصر اشترطت قبل التفكير في تطبيع كامل العلاقة بينها وبين إيران أن تثبت الأخيرةحسن نواياها وجديتها بالعمل لإعادة الأمن والاستقرار إلى العراق وتكف عن تدخلها فيالشئون العربية

فقد صرح أحمدي نجاد قائلاً: إننا على استعداد لاستئناف علاقاتنا الدبلوماسية مع مصر وفي حال أبدت الحكومة المصرية استعدادها لذلك فإننا سنفتح سفارتنا في اليوم نفسه. من جانبها، رحبت الخارجية المصرية بتصريحات الرئيس الإيراني، ووصف الوزير أحمد أبو الغيط هذه التصريحات بأنها "إيجابية". إلا أن مصر اشترطت قبل التفكير في تطبيع كامل العلاقة بينها وبين إيران أن تثبت الأخيرة حسن نواياها وجديتها بالعمل لإعادة الأمن والاستقرار إلى العراق وتكف عن تدخلها في الشئون العربية.

ولكن هل تستطيع إيران أن تلبي هذا الشرط المصري الذي يشكل مطلبًاعربيًا، أم أنها سوف تسد آذانها وتستمر في مؤامراتها أملاً في تحقيق أهدافهاالمشئومة؟

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 14 يونيو 2008
  1. مصر وطهران ..هل يجتمعان؟الخبر: مفكرة الإسلام : دافع وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط، عن الدور المصري في المنطقة ضد منتقديه، مشددًا على أنه "لم يتراجع"، وقال: إن " منتقدي الدور المصري يريدون منا الانضمام إلى أجندة إيران" . التعليق: كتبه / علي صلاح كلما اقتربت احدث وتعليق · 5 د قراءة
  2. ما وراء المفاوضات السورية الصهيونية!أحمد الغريب مفكرة الإسلام : تترقب أجهزة الرصد والمتابعة الصهيونية وكذلك صناع القرار في تل أبيب كافة التغيرات التي قد تطرأ على النظام السوري منذ الإعلان عن بدء جولة جديدة من المحادثات بين دمشق وتل أبيب، خاصة فيما يتعلق بإبعاد دمشق عن محور طهمقالات مترجمة · 8 د قراءة
  3. الأمم المتحدة تنتقد القصور في مراقبة عائدات النفط العراقيكشف تقرير للأمم المتحدة أن هناك قصورا واضحا في المراقبة على عائدات النفط العراقي, في اتهامات جديدة بالفساد لحكومة رئيس الوزراء نوري المالكي. وقال ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في المجلس الدولي للمشورة والمراقبة للعراق وارن ساش: إن المراقبالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  4. طالبان تعلن مقتل 15 جنديًا أمريكيًا في هجوم فدائي بأفغانستانأعلن قائد في حركة المقاومة الإسلامية الأفغانية طالبان يدعى الملا شكور وهو المسئول عن العمليات الفدائية بمنطقة تورا بورا في أفغانستان أن مقاتليه نفذوا هجومًا تفجيريًا قويًا استهدف رتلاً عسكريًا أمريكيًا شمال شرق أفغانستان. وفي اتصال مع محطة العالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  5. قالت إنها قتلت 37 عسكريًّا وفرنسيَّيْن.. القاعدة تتبنى ثلاث هجمات في الجزائرأعلن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، اليوم السبت، مسئوليته عن عدة عمليات شهدتها الجزائر بين الرابع والثامن من يونيو الجاري. وقال التنظيم في بيان نُشر على شبكة الإنترنت اليوم: إنه نفذ ثلاث عمليات بينها عملية تفجيرية قام بها رجلان أُرفالعالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة
  6. محذرةً ساسة تركيا.. المحكمة الدستورية تعتبر التعليق على قضاياها "جريمة"وجهت المحكمة الدستورية العليا في تركيا، تحذيرًا مبطنًا للساسة المنخرطين في حرب تصريحات ضدها بشأن دعوى تسعى لإغلاق حزب العدالة والتنمية الحاكم. واعتبرت المحكمة الدستورية أن التعليق على القضايا المنظورة في المحكمة "جريمة"، وقالت في بيان: "من العالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: العلاقات الإيرانية - المصرية في الميزان