هل تنجح سياسية تطبيع العلاقات الأمريكية ـ السودانية؟!

عصام زيدان
مفكرة الإسلام: تواترت الأنباء في الآونة الأخيرة عن توقف المحادثات الأمريكية السودانية الهادفة إلى تطبيع العلاقات بين البلدين، وهو الأمر الذي مر مرورا كريما ولم يحظ باهتمام الدوائر الإعلامية إلا في القليل النادر، رغم الدلالات السياسية التي قد يحملها هذا التطبيع سواء في حال استمراره أو توقفه.
وفي هذا التقرير نحتاج إلى المرور السريع على مسار العلاقات الأمريكية السودانية بعد ثورة الإنقاذ، ومنها إلى دوافع تطبيع العلاقات بين البلدين، وأخيرًا فرص نجاح هذا التطبيع ومستقبله على ضوء تحليل هدف كل فريق، والعقبات التي يمكن أن تقابله.
مسار العلاقات الأمريكية السودانية
مرت العلاقات الأمريكية السودانية بعد قيام ثورة الإنقاذ في يونيو من العام 1989 بمراحل متعددة يمكن رصدها على النحو التالي:
المرحلة الأولى: عقب قيام الثورة ونجاحها في الاستيلاء على الحكم أبدت الولايات المتحدة قلقها من قيام دولة إسلامية في السودان، خاصة مع ظهور الانتماء الديني الواضح لقادة الثورة، ولكن العلاقات بدت مستقرة نسبيا حتى عام 1995، وإن كان يشوبها التوتر في بعض الأحيان، حيث انخفضت المعونات الاقتصادية في تلك الفترة حتى لامست الصفر.
المرحلة الثانية: بدأت في العام 1995 وبعد محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا، حيث وجهت أصابع الاتهام لحكومة الثورة، ووضعت الولايات المتحدة السودان على قائمة الدول التي تمارس "الإرهاب"، ثم سعت لإصدار ثلاث قرارات أممية تتعلق بالحظر الدبلوماسي على المسئولين السودانيين إضافة للحظر الاقتصادي والجوي، وانتهى الأمر إلى إغلاق السفارة الأمريكية في فبراير 1996م.
المرحلة الثالثة: شهدت العلاقة الأمريكية السودانية حالة من التصعيد غير المسبوق في أغسطس 1998، حيث قصفت الولايات المتحدة مصنع الشفاء للأدوية بحجة إنتاج أسلحة كيميائية، وفي سبتمبر من العام ذاته أعلن السودان سحب بعثته الدبلوماسية من واشنطن احتجاجًا على هذا القصف، وأعقب ذلك تقرير أصدره البنتاجون في عام 1999م يعلن بوضوح رغبة الولايات المتحدة في تغيير نظام الحكم في السودان، والذي وصفته بأنه يتسبب في خلق بلبلة في هذه المنطقة الاستراتيجية من القرن الأفريقي.
المرحلة الرابعة: بدأت بولاية الرئيس الأمريكي جورج بوش منذ العام 2001 وسارت العلاقات في هذه المرحلة على خطين متوازيين:
الأول: فتح المجال أمام الحكومة السودانية لتغيير نهجها المعادي للولايات المتحدة، والرضوخ لمطالبها والتي تمثلت في ثلاثة شروط:
1ـ التوصل لاتفاقية تنهى الحرب في جنوب السودان.
2ـ العمل على توسعة نطاق الحكم بتغيير بنيته، وضم قيادات من عرقيات أخرى.
3ـ التخلص من وجود أي بقايا لمنظمات "إرهابية" في الأراضي السودانية.
الثاني: ممارسة الضغوط المستمرة والتصاعدية على الحكومة السودانية لتنفيذ هذه المطالب من خلال:
1ـ دعم حركات التمرد في الجنوب والغرب إعلاميا وماديا.
2ـ تدويل العقوبات الدولية المفروضة على السودان، بدعم من أوروبا.
3ـ التهديد المستمر بتغيير بنية النظام الحاكم بدعوى تعاونه مع الإرهاب وقيامه بانتهاكات مستمرة لحقوق الإنسان.
المرحلة الخامسة: منذ العام 2003 اتسم الضغط الأمريكي على السودان بابتعاده عن سياسة العقوبات المباشرة، حيث لجأت واشنطن إلى سياسة الضغط على الخرطوم عبر الأمم المتحدة، خاصة بعد توقيع اتفاق السلام بين الحكومة والحركة الشعبية "نيفاشا"، والدخول في مفاوضات بعيدا عن الأضواء الإعلامية، إلا أنه ومنذ العام 2008 بدأت بصورة علنية مفاوضات تطبيع العلاقات بين البلدين وحل المشاكل العالقة بينهما، مع بقاء الضغوط الأمريكية كما هي، خاصة فيما يتعلق بتعامل الحكومة المركزية مع حركات التمرد سواء في الجنوب أو الغرب السوداني.
دوافع تطبيع العلاقات الأمريكية ـ السودانية
لكل من الولايات المتحدة والسودان أهدافه من تطبيع العلاقات، وهذا يمكن بيانه كالتالي:
الدوافع الأمريكية لتطبيع العلاقات مع السودان:
أولا:ـ تركت التجربة العراقية والأفغانية بصماتها على التفكير الاستراتيجي للإدارة الأمريكية، من عدة زوايا مترابطة ألقت بظلالها على طريقة تفاعلها مع الملف السوداني: ـ
الزاوية الأولى:ـ أن محاولة تغيير الأنظمة تخلف من ورائها دولا فاشلة تكون تربة خصبة للتيارات المسلحة التي تسعى الولايات المتحدة لمواجهتها منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.
| محاولة تغيير الأنظمة تخلف من ورائها دولا فاشلة تكون تربة خصبة للتيارات المسلحة التي تسعى الولايات المتحدة لمواجهتها |
الزاوية الثانية:ـ التكلفة الباهظة لتغير النظام في السودان سواء على المستوى المادي أو العسكري، مع الضعف الظاهر لحركات التمرد التي لولا الدعم الخارجي ما صمدت كثيرا أمام الجيش الوطني السوداني، ولما كان لها وجود يذكر على مسرح الأحداث.
الزاوية الثالثة:ـ التداعيات الخطيرة التي تخلفها إزاحة الحكومة السودانية إقليميا، خاصة وأن للسودان حدود مع ما يقرب من تسع دول، قد تتأثر بدرجات متباينة جراء إسقاط النظام في هذا البلد العربي، ولا يمكن بالطبع ملاحقة كرة الثلج حينذاك والتي يمكن أن تطيح بأنظمة حليفة للولايات المتحدة في هذه المنطقة الاستراتيجية الحساسة من القرن الأفريقي.
ثانيا:ـ الدعم النسبي، والقبول الشعبي للحكم السوداني الحالي رغم كثرة المخالفين، إلا أنه بالتأكيد سيقف مناوئا لأي تغيير خارجي على ضوء التجربة الماثلة في العراق وأفغانستان والتي ما زالت تعاني تدهورا خطيرا خاصة في المستوى الأمني والذي أعقب دخول قوات الاحتلال وما زال.
| البديل متاح أمام الإدارة الأمريكية للوصول إلى أهدافها بتكلفة أقل من السعي لإسقاط النظام واستبداله، وذلك بممارسة أقصى قدر من الضغوط على الحكومة السودانية، مع فتح المجال أمام تطبيع العلاقات |
ثالثا:ـ في ضوء ما يسمى اقتصاديا بـ"تكلفة الفرصة البديلة"، فان البديل متاح أمام الإدارة الأمريكية للوصول إلى أهدافها بتكلفة أقل من السعي لإسقاط النظام واستبداله، وذلك بممارسة أقصى قدر من الضغوط على الحكومة السودانية، مع فتح المجال أمام تطبيع العلاقات (سياسية العصا والجزرة) وربط المسارين ببعضهما.
رابعا:ـ تأثير عمليات الغزو والإطاحة على أسعار النفط التي تصعد بشكل عاد سلبا على الداخل الأمريكي، مع رغبة السلطات الأمريكية في الاستفادة من بحيرة البترول التي تعيش فوقها السودان في ظل بيئة أمنة نسبيا.
الدوافع السودانية لتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة
الظروف والأجواء المحيطة بالحكومة السودانية عربيا وإقليميا وداخليا لا تدع أمامها خيارات كثيرة في علاقتها مع الولايات المتحدة،وربما هي التي تدفعها دفعا لتجرع مرارة التطبيع مع عدوها اللدود الذي كان وما زال يحيك لها المؤتمرات، ومن ذلك الأتي:
أولا:ـ الحكومة السودانية تعلم بلا ريب أنها تقف أمام الإدارة الأمريكية مجردة من أي مدد أو ظهير عربي يقف مساندا أو داعما لها في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية، رغم أن أي تغيير في هوية النظام السياسية، أو التلاحم الجغرافي للدولة السودانية سيترك تأثيره على الأمن القومي لكثير من هذه الدول، خاصة في الشمال الأفريقي، إلا أن هذه الدول ما زالت تتحرك في بحيرة من الخمول السياسي، غير مدركة للأبعاد والمخاطر المحيطة بها والتي قد تباغتها من خارج أراضيها.
ثانيا:ـ الحكومة السودانية تدرك كذلك أن الحركات المتمردة المتكاثرة في الجنوب أو الغرب، ستضعف أي مواجهة بينها وبين الإدارة الأمريكية، كون تلك الحركات تدين في نشأتها واستمرارها لهذه الإدارة، التي لولا دعمها ما ظهرت هذه الحركات على الخريطة السودانية.
ثالثا:ـ تقع السودان في محيط من الكراهية والمؤامرات الإقليمية، فيما يشبه الطوق المحكم والذي يشتت مجهوداتها وطاقتها، وهو ما يعنى أن الحكومة مدفوعة برغبة ملحة في تقليل العدوات الخارجية، ولا أحد يملك خيوط هذه الدول إلا الولايات المتحدة.
فرص نجاح التطبيع الأمريكي ـ السوداني ومستقبله
قد يصعب في هذه المرحلة المبكرة نسبيا الحكم على هذا التطبيع وفرص نجاحه، ولكن يمكن رؤية مستقبله من خلال عدة زوايا سيكون لها الكلمة الأخيرة في هذا الشأن:
1ـ نوعية المباراة وكيف ينظر لها كل فريق، فإذا ما أردتها الولايات المتحدة كعادتها "مباراة صفرية" تربح فيه كل شئ، في مقابل لا شئ للخصم، فان ذلك سيشكل عقبة رئيسة أمام تجاوب الحكومة السودانية التي هي بناء على ميزان القوة لا يمكن أن تفكر في مباراة من هذا النوع.
2ـ السقف الأمريكي للمفاوضات،ونوعية المطالب التي لا يمكن أن يتنازل عنها، والتي تتلاقي في جانب كبير منها مع مطامعها الدولية.. فالسياسة الأمريكية نحوالسودان برجماتية بحته تتعلق برؤيتها لمستقبل القرن الأفريقي وموقع هذا البد العربي منه، من حيث خصوصيته الجغرافية التي تربطه بعدد بكثير من الدول التي لها أهميتها في السياسية الأمريكية، بالإضافة إلى الموارد البكر وعلى رأسها البترول.
| الولايات المتحدة عينها على البترول من زاوية، ومن زاوية أخرى تسعى لتغيير شكل نظام الحكم وتبديل صبغته الدينية ويكون حكما تشاركيا لكل العرقيات |
وبالجملة فان الولايات المتحدة عينها على البترول من زاوية، ومن زاوية أخرى تسعى لتغيير شكل نظام الحكم وتبديل صبغته الدينية ويكون حكما تشاركيا لكل العرقيات، وما هو ما يعنى ضرورة دمج الأجناس الأخرى في الحكم المركزي، وإعطائها حكما ذاتيا فضفاضا، وهو ما قد يشكل عقبة كبرى في مسار تطبيع العلاقات.
3ـ أي تطور أو تطبيع في العلاقات بين الدولتين مرتهن كذلك باستجابة الحكومة السودانية للمطالب الأمريكية، وقدرتها على المناورة، والممانعة، ورؤيتها للعائد الذي يمكن أن تحصده من وراء ركوب قطار التطبيع.
4ـ التبدلات التي يمكن أن تطرأ على الإدارة الأمريكية مطلع العام المقبل، فالوافد الجديد إلى البيت الأبيض خاصة إذا كان ديموقراطيا يمكنه أن يعيد النظر في السياسات السابقة حيال الخرطوم وجدوى الاستمرار في سياسية " الترويع والتطبيع" المزدوجة التي حكمت مسار العلاقات في ظل الإدارة الجمهورية الحالية.
وأخيرًا يمكننا القول بأن الحبل السياسي ما زال حتى اللحظة مشدودا بين الولايات المتحدة والسودان، ويتأرجح بين سياسية الترويع الذي أخذ مظاهر متعددة سياسية وعسكرية واقتصادية منذ قيام الثورة، وسياسية التطبيع التي ما زالت بعد في مهدها.