مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

الإسلاميون بين القدر والسنن

5 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

حسن الرشيدي

istratigi@hotmail.com

مفكرة الاسلام: في المقال السابق قلنا: إن الإسلاميين الآن قد انقسموا إزاء تعريف النصر إلى فريقين: الفريق الأول فريق عد انتصارًا صمود المقاومة و خروجها بخسائر قليلة أو كثيرة ولكن الرأس القيادي لا يزال يعمل ويخطط ويدبر، وحتى ولو سقط مدنيون كثيرون وتعرضت الديار للخراب والدمار، فهذه ضريبة الجهاد، وهل تحقق نصر من غير تضحيات أو دماء؟ ولكن فريقًا آخر يعد ذلك ليس انتصارًا، ويقول: ما الداعي لبدء أعمال من هذه أصلاً إن لم تخرج المقاومة بهدف سياسي على الأرض يعادل القتلى والشهداء والخراب والدمار ولذلك فإنه لا داعي أصلاً لهذه الحركات التكتيكية وتوفيرها لمعركة أوسع وأشمل وذات أهداف إستراتيجية أكبر من مجرد بقاء المقاومة وعدم فنائها .

تقول الباحثة روضة عبد الكريم: يظهر بوضوح الاختلاف في استعمال القرآن المكي للنصر واستعمال القرآن المدني له، فبعد أن كان في الآيات المكية مقترنًا بالحديث عن الأمم الغابرة أصبح في الآيات المدنية مقترنًا بمعارك ميدانية يخوضها المسلمون بأنفسهم ويقدّمون فيها أرواحهم، فلم تعدْ المعارك معارك جدل ومناظرة كما كان الأمر قبل الهجرة، بل أصبحت معارك حربية عسكرية. وفي كلا المرحلتين كانت كلمة النصر حين تقع على أسماع المسلمين تجد صداها في قلوبهم، وكان إدراكهم لمفهوم النصر على اختلاف أساليب عرضه سادًّا للحاجة التي يفتقرون إليها.

فالنصر ـ له مفهومان في الدنيا بالظهور على الخصم وفي الآخرة بالنجاة من النار .

فالنصر في القرآن إذًا حسب البحث العلمي في جميع كلمات النصر التي وردت في القرآن لا يخرج عن هذين المفهومين: المفهوم الدنيوي وهو الظهور على الأعداء والأخروي وهو النجاة من النار، واستدلت بالآية (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ)

ولكن الدكتور ناصر العمر قد تحدث عن نصر معنوي مقصود في بعض الآيات، وهو الثبات على العقيدة والمبدأ. وفي هذا يقول: ثبات الداعية على مبدئه هو انتصار باهر وفوز ساحق حيث يعلو على الشهوات والشبهات ويجتاز العقبات بشجاعة وثبات بل إنه لا يمكن أن يتحقق الانتصار الظاهر إلا بعد تحقق هذا الانتصار فإبراهيم عليه السلام وهو يلقى في النار كان في قمة انتصار (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأسْفَلِينَ).

ولذلك فإن الفريقين اللذين يتحدثان عن النصر الذي يقصدونه في المسألة التي تحدثنا عنها يجب عليهما أن يوضحا هل يقصدان نصرًا معنويًا؟ فإن كان هذا هو فهو صحيح، فثبات المجاهدين في وجه الآلة العسكرية سواء كانت أمريكية أو إسرائيلية في غزة وفي العراق والشيشان وغيرها وتمسكهم بمنهجهم وثوابتهم وعقيدتهم بعد أن تعرضوا لضربات عسكرية هائلة ـ لهو نصر معنوي كبير، ولكن في نفس الوقت فإنه بمنظور النصر المادي فإن كل من فقد مكاسبه على الأرض ولم يحقق أهدافه التي وضعها في بداية قتاله يمكن اعتبارها خسارة من هذا الوجه، وإن كانت بعض المواجهات لم يحسم فيها أي الأطراف قد فاز أو انهزم، ولم يظهر على وجه الحقيقة أي معيار مادي للحكم بانتصار أو هزيمة.

هناك وجه آخر للنصر غير حقيقته أو وصفه وهو أسبابه، ومن هنا نبدأ في تناول السنن والقوانين التي تحكم أي ظاهرة اجتماعية وتاريخية ومن بينها النصر.

وهذه السنن هي التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه وهي كما يقول العلماء طريقة عامة يجري بها أمره في عباده. ويفرق محمد قطب بين نوعين من السنن ويوجد الانتظام والانضباط في كل من النوعين، وهما: الإلهية وهي التي تحكم الحياة البشرية، وهذه تنقسم بدورها إلى نوعين: سنن مطردة خاصة بالمؤمنين وأخرى جارية خاصة بالكافرين. والنوع الثاني وهي السنن الكونية، وهي القوانين الطبيعية التي تحكم المادة. ويرى محمد قطب أن القوانين الطبيعية قد يخرقها الله لحكمة يريدها، أما السنن الإلهية التي تحكم الحياة البشرية فقد ثبتها الله ولا تخضع لهذا الاستثناء، وهذه السنن هي التي ذكرها المولى تعالى في قوله: (ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً ).

ولكن من الأمور التي يجب الانتباه إليها أن هذه القوانين والسنن الإلهية أو الشرعية – كما أطلق عليها بعض العلماء- لها خواص مهمة منها:

الأولى: أنها تتحقق في حياة الإنسان والمجتمعات من خلال عمل الإنسان طبقًا للسنة الإلهية العامة، (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

الثاني: أنها تتزاحم في عملها ومن ثم يتحقق من هذه السنن ما تكون له الغلبة على غيره بناء على العامل والدافع الذي يتغلب في عمل الإنسان.

الثالث: والقدر نفسه يكون في حالة تنازع طبقًا لتدافع السنن، ثم يتحقق القدر المترتب على السنة الغالبة، وفي الحديث (وإن الدعاء ليلقى البلاء فيعتلجان إلى يوم القيامة) .

ويرى أحمد حسن فرحات في بحثه القيم (سنة الله التي لا تتبدل ولا تتحول) أن فكرة تدافع السنن وتنازع الأقدار تحل لنا كثيرًا من الإشكالات المحيطة بقضية سنة الله و قدره، كما تكشف لنا سبب تخلف السنة في بعض الأحيان نتيجة دفعها بسنة أقوى منها وأن على المسلم ألا يقف مكتوف الأيدي تجاه السنن، وإنما عليه أن يغالبها ويدفع بعضها ببعض.

وعند تطبيق تلك القواعد من السنن على واقع المقاومة والمجاهدين الآن نجد أن جماعات المقاومة والجهاد إذا اتبعت سنن الله الشرعية والكونية فإن النصر بلاشك سيكون حليفها وإنما تجيء الإشكالية أن بعض الجماعات تظن بنفسها أنها استكملت جميع السنن بأنواعها كلها، ولهذا فهي لا يمكن أن تنهزم، وإذا حدثت هذه الهزيمة فإنها لا تعترف بها، أليست هي الجماعة المؤمنة القائمة على ثغر الجهاد؟ ومن ثم لا تقر بمراجعة لتستكمل السنن الكونية والشرعية التي لم تحققها في نفسها وتنسى هذه الجماعات أن الفئة المؤمنة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قد لقيت هزيمة قاسية في غزوة أحد وأطلق عليها القرآن مصيبة في قوله تعالى: (أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا...)، وحدث لها هذا عندما أغفلت عن بعض السنن المؤثرة (... قل هو من عند أنفسكم) عندها غلب القدر السنن (وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله).

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 26 فبراير 2009
  1. أين اختفى قادة حماس خلال حرب غزة؟غزة – مراسل مفكرة الإسلام بغزة أقوال لم تتوقف خلال الحرب، كان يروجها فريق معروف لكل أبناء الشعب الفلسطيني، وهي اختفاء قادة حماس تحت الأرض وتركهم لأبناء شعبهم ليلاقوا مصيرهم وحدهم ، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل قامت بعض المواقع بالترويج مختارات وحوارات · 3 د قراءة
  2. الكنز المفقود ... السر الرابعفي يوم من الأيام، وبينما كان عتبة بن ربيعة جالسًا في نادي قريش، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس في ظل الكعبة، يقوم عتبة من بين جموع قريش قائلًا لهم: (يا معشر قريش ألا أقوم إلى هذا، فأكلمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها فنعطيه إيها شاء ويكإدارة الذات · 5 د قراءة
  3. صحيفة: عاكف يصف الصراع بين السنة والشيعة بـ"السياسي"قال مهدى عاكف، مرشد عام جماعة الإخوان، إن الصراع بين الشيعة والسنة، صراع سياسي وليس طائفيًا أو عقائديًا، مؤكدًا أنه ليس لأهل السنة مشكلة عقائدية مع الشيعة، فهم يؤمنون بالله ورسوله وكتابه. وأضاف – بحسب صحيفة "اليوم السابع" - أن الشيعة لهم مذالعالم العربي والإسلامي · 3 د قراءة
  4. المغرب يستدعي مبعوثه لدى إيران بعد تصريحات استهدفت سيادة البحريناستدعى المغرب القائم بالأعمال بالإنابة بسفارة المملكة في طهران يوم الأربعاء للتشاور بعد تصريحات لمسئول إيراني تشكك في سيادة البحرين. ونقلت تقارير إعلامية عن علي أكبر ناطق نوري مستشار الزعيم الإيراني علي خامنئي قوله في وقت سابق من الشهر الحاالعالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة
  5. الجيش الإماراتي يتدخل لإنهاء اضطرابات عمالية بعجمانتسبب إضراب عمالي في إمارة عجمان شمالي الإمارات العربية المتحدة في فرض الشرطة والجيش الإماراتي طوقاً أمنياً واسعاً على مناطق صناعية، وفقاً لمصدر أمني. وأبلغ المصدر، الذي فضل عدم ذكر اسمه، CNN بالعربية أن قوات الجيش وتعزيزات من شرطة دبي شاركتالعالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة
  6. الملا عمر يدعو لوقف الهجمات على القوات الباكستانية والتركيز على الاحتلالدعا الملا عمر زعيم حركة طالبان في أفغانستان أمس مقاتلي طالبان الباكستانيين إلى وقف هجماتهم على القوات الباكستانية "فورًا". وطالب الملا عمر مقاتلي طالبان الباكستانيين بتوجيه مواردهم للعمل على إلحاق الهزيمة بقوات الاحتلال التي تقودها الولاياتآسيا واستراليا · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: الإسلاميون بين القدر والسنن