ما وراء الصراع المصري الإيراني وخلية حزب الله

سامح عباس
مفكرة الاسلام: لا شك أن الهجوم الحاد الذى شنته القاهرة ضد حزب الله منذ الكشف عن تنظيمه فى مصر مقصود به فى الأساس إيران، ورغم أن تفاصيل تلك القضية جديدة ، لكنها ظاهرة قديمة، فعلى مدى سنوات تشهد العلاقات المصرية- الإيرانية حالة من التوتر الشديد ، وفى أغلب الأحوال تتهم القاهرة طهران والمنظمات التابعة لها بممارسة الإرهاب والقيام بأعمال غير مشروعة على الأراضي المصرية، وفى الدول العربية الأخرى، وتتهمها بتهديد استقرار المنطقة.
ويعد النظام الراديكالي الإيراني السبب الرئيسي فى التوتر السائد بين القاهرة وطهران، والذى أحدث شرخ فى العلاقات منذ توليه السلطة فى إيران، ففور قيام الثورة الإسلامية قام النظام الشيعي الجديد بإلغاء جميع العلاقات الودية التى ربطت نظام الشاه بمصر، بل وقطع العلاقات الدبلوماسية مع مصر كرد فعل على توقيع الأخيرة على اتفاق السلام مع “إسرائيل”، ولاستضافتها لشاه إيران على أراضيها. وطوال الثلاثين عاما الماضية تم بذل جهود مضنية من اجل تحسين العلاقات بين القاهرة وطهران، والتى كانت جميعها بمبادرة إيرانية، لكنها كانت تقابل جميعا بالرفض المصري، طالما لم تتوقف إيران عن تدخلها السافر فى شئون الدول العربية.
ومن المؤكد أن الأطماع الإيرانية فى مصر ليست وليدة الأمس، فهى تعتبرها العقبة الأساسية التى تقف أمام تنفيذ طموحاتها التوسعية، ولعل الوثيقة التى كشف عنها حزب الله فى عام 2006 تؤكد مدى الأطماع الإيرانية ورغبتها فى السيطرة على العالمين العربي والإسلامي لبسط سيطرتها الفارسية ونشر المذهب الشيعي الذى يخدم أهدافها التوسعية، وجاء فى هذه الوثيقة على لسان الزعيم والمرجع الشيعي الأعلى فى إيران "على الخوميني :-" إن العمق الاستراتيجي لشعبنا ولثورتنا يوجد فى دول المنطقة الإسلامية، إذ يصل العمق الاستراتيجي للشعب الإيراني إلى فلسطين،وشمال أفريقيا، والشرق الوسط، ووسط أسيا، وشبه الجزيرة الهندية". ومعنى كلام "الخوميني" هو ان مصر باتت جزءا مهما من العمق الاستراتيجي لإيران، وهو ما لا تقبله مصر بأي حال من الأحوال. ولعل أهم حالات التوتر بين مصر وإيران تتمثل فى النقاط التالية :
* لكلا الدولتين مصالح قومية كبيرة وواسعة، فكلاهما تتنافسان لضمان الريادة فى الشرق الأوسط لكل واحدة منهما، وهذا الصراع على السيطرة خلق بالطبع حالة من الخلافات والكراهية بين الأنظمة فى البلدين .
* تؤمن مصر بأن النظام الإيراني يسعى لتصدير الثورة الدينية الشيعية الإيرانية للدول الإسلامية والعربية، بما فيها مصر، لذا فالنظام الإيراني قد يمتلك حركات ومنظمات قد تعمل ضد النظام المصري، وعلى ضوء ذلك اتهمت القاهرة إيران، بالمسئولية عن موجة الإرهاب التى ضربت بمصر فى التسعينات .
* يشعر المصريون بالقلق الشديد حيال التغلغل الإيراني في السودان، لاسيما أنه بعد الانقلاب العسكري فى عام 1989 ضمت القيادة السودانية عددا من الإسلاميين وتوسع التعاون بين الخرطوم وطهران خلال عقد التسعينات، على أثره أصبحت السودان قاعدة مهمة بالنسبة لإيران، فى الحديقة الخلفية لمصر. وربما هذا التعاون تقلص نسبيا فى نهاية التسعينات نتيجة للضغوط المصرية والأمريكية على السودان، لكن ونتيجة للأوضاع الداخلية الهشة للسودان فان هناك عناصر إيرانية كثيرة تعمل بها.
* هناك خلافات محتدمة بين القاهرة وطهران بشأن مكونات مركزية وأساسية لسياساتهما فى الشرق الأوسط: فمصر ساندت العراق خلال حربها ضد إيران فى الثمانينات، بينما تعارض إيران – إعلاميا على الأقل - التقارب المصري للولايات المتحدة الأمريكية، ولعلاقات السلام مع “إسرائيل”.
ولم تكن إسرائيل لتقف من ذلك المشهد موقف المتفرج , بل سعت من خلال محاور مختلفة أن توطد صلاتها بالنظام المصري مااستطاعت , وأن تبني علاقات وطيدة مع إيران , استطاعت إيران أن تخفيها عن أنظار الإعلام العالمي إلى وقت قريب .
المثلث الجديد
وعلى ضوء ذلك سعى الإعلام ”الإسرائيلي” إلى رصد ملامح الحرب المحتدمة حاليا بين مصر وإيران فى محاولة لقراءة الأوضاع فى المنطقة بعد انتهاء تلك الحرب،والتى ستسفر عن وجود توجهات جديدة فى المنطقة . وفى هذا الإطار نشر مركز أبحاث الأمن القومي”الإسرائيلي” تقريرا خطيرا عن أهم ملامح الحرب الجديدة بين مصر وإيران بعنوان ( مثلث الرعب المصري الجديد) مشيرا إلى أنه خلال العقد الأخير أصبح النظام المصري ينظر بعين القلق البالغ للتهديدات الإيرانية لأسباب مختلفة ، فمن جانب تسعى إيران لامتلاك أسلحة نووية، وهو ما تعتبره مصر خطرا كبيراً، فالقاهرة ترى أن امتلاك إيران لسلاح نووى معناه تعاظم قوتها الإقليمية ، وستمثل ركيزة أساسية لمعسكر المتشددين والراديكاليين فى المنطقة، مما سيجعلها أكثر جرأة على الإقدام لممارسات أكثر عنفا ضد الدول العربية، التى ستضطر للسير على خطاها، الأمر الذي سيضر وبشدة بمكانة مصر الإقليمية ، ويجعلها فى حيرة بشأن ضرورة امتلاك خيار نووي.
وأرجع مركز الأبحاث "الإسرائيلي" أسباب تعاظم القوة الايرانية فى السنوات الأخيرة ، وبزوغ نجم قوة المحور الشيعي الراديكالي فى السنوات الأخيرة إلى :
· بزوغ نجم الشيعة فى العراق بعد سقوط نظام صدام حسين.
· وفى لبنان بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق "رفيق الحريري".
· والتغلغل الإيراني للساحة الفلسطينية بعد وفاة الرئيس "ياسر عرفات".
· بالإضافة لتعاظم قوة التأثير والنفوذ الإيراني فى المنطقة، وتراجع الدور الأمريكي
مضيفاً بأن كل ذلك يثير القلق الشديد لدى المسئولين المصريين، ومثال ذلك ، دولة قطر، وهى فى الأساس دولة معتدلة وكان لها علاقات مع “إسرائيل”، والتى اختارت مؤخرا الانضمام للمعسكر الإيراني المناوىء لمصر ، وهو الأمر الذي أثار القلق المصري بشدة، وتعتبره مقدمة لما قد يحدث مع باقي دول الخليج العربي.
وحسبما ذكر مركز أبحاث الأمن القومي فأنه ليس من العجب أن يصرح المشير "طنطاوي" وزير الدفاع المصري فى عام 1992 بأن التهديد الإيراني أ كثر خطورة من التهديد " الإسرائيلي "
وعلى ضوء ذلك اعتبرت مصر حزب الله مصدر خطورة عليها باعتباره زراع إيران على شاطىء البحر الأبيض المتوسط , مع توجسها كذلك من التقارب الإيراني مع حماس والذي نتج عنه مااعتبرته حماس توجها ضدها من الإدارة المصرية .
وأضاف المركز "الإسرائيلي" فى تقريره بأن الكشف عن تنظيم حزب الله فى مصر ،وكذلك قضية تهريب الأسلحة لقطاع غزة عبر السودان، جسد للنظام المصري مدى المخاطر التى تحدق به من جانب المثلث الإقليمي الجديد الذى يضم كل من "إيران- حزب الله- حماس" وهذا الحلف الإقليمي الجديد قد يضر بالسيادة المصرية، وبمكانة وضع النظام المصري .
لماذا كشفت مصر الآن عن خلية حزب الله ؟
يقول الدكتور "أفرايم قام" الخبير الاستراتيجي بمركز دراسات الأمن القومي "الإسرائيلي" بأن مصر فضلت اختيار التوقيت الحالي للكشف عن خلية حزب الله لأسباب خاصة، منها تدهور العلاقات العربية – الإيرانية، والتى شهدت فى الآونة لأخيرة توترا ملحوظا ومتصاعدا، لاسيما بينها وبين دول الخليج العربي، بعد تصريحات مسئول إيراني كبير بأن المملكة البحرينية، هى محافظة تابعة للدولة الإيرانية، وهو ما يذكرنا بتهديدات الرئيس العراقي السابق "صدام حسين" لدولة الكويت واعتبارها محافظة تابعة للعراق، مما أدى فى نهاية الأمر إلى اندلاع حرب الخليج واجتياح العراق للكويت.كما يشهد التوقيت الحالي توترا شديدا بين المغرب وإيران أسفر عن قيام الأولى بقطع جميع علاقاتها الدبلوماسية مع طهران.
بينما يرى المستشرق "الإسرائيلي" "موردخاي كيدار" والخبير بمركز "بيجين السادات" للدراسات السياسية بأن مصر فضلت الكشف عن خلية حزب الله فى هذا التوقيت بالذات لتوجيه رسالة عاجلة للإدارة الأمريكية ، عقب خطاب الرئيس "باراك اوباما" للعالم الإسلامي من تركيا مؤخرا ، والذى دعا فيه للحوار مع إيران. مشيرا إلى أن التراجع فى المواقف الأمريكية حيال إيران، يثير قلقا كبيرا لدى الأنظمة العربية فى كل من مصر والسعودية والأردن، وبعض دول الخليج العربي.
وأضاف المستشرق "الإسرائيلي" بأن الرسالة المصرية من خلال الكشف عن تنظيم حزب الله هى أن إيران ستواصل العمل على اختراق الدول العربية، وهو ما يتطلب اتخاذ قرارات حاسمة وحازمة تجاهها، وليس إجراء حوار عقيم ، وبلا فائدة معها، مثلما يعتزم أن يفعله الرئيس "أوباما" مع طهران.
هذا التفسير هو ما أكد عليه خبير الشئون العربية "تسيفي برئيل" الذى قال بأن اختيار القاهرة للكشف عن تنظيم حزب الله لم يأت صدفة. فالولايات المتحدة تشرع في قصة غرام علنية مع إيران والرئيس الأمريكي باراك اوباما يرى فيها شريكا لحل مشاكل إقليمية من العراق وأفغانستان عبر لبنان وربما فلسطين أيضا. فهذا هو الوقت المناسب لمصر أن تكشف للإدارة الجديدة مؤامرات إيران في مجال الإرهاب. وأكد "برئيل بأن القضية لا تزال بعيدة عن نهايتها. ومصر هي الآن عدو صريح لإيران وحزب الله. ومثل “إسرائيل”، هي أيضا تخشى عملية رد انتقامية من جانب المنظمة الشيعية
وشدد "برئيل " على المخاوف المصرية من خلال تصريح مصدر سياسي مصري لصحيفة "هآرتس" العبرية والذى قال فيه بان الخطر الآن هو ان يكون هناك جلعاد شاليط مصري الى جانب جلعاد شاليط "الإسرائيلي".
وعلى اية حال يبدو أن “إسرائيل” هى أكبر الرابحين الآن من الصراع المحتدم بين مصر من جانب، وإيران وحزب الله من جانب آخر، وهو ما أكده الخبير "قام" حيث أشار إلى أن تل أبيب ترى فى الموقف المصري المتشدد حيال إيران أهمية مزدوجة بالنسبة لها، تتمثل فى أن مصر باتت مقتنعة الآن بضرورة اتخاذ خطوات فاعلة ضد ما أسماهم بالعناصر الإرهابية الإسلامية، والتى تسعى للإضرار ب”إسرائيل”، سواء فى داخل مصر أو فى قطاع غزة. كما أنه من المهم لـ”إسرائيل” أن تقوم دولة عربية كبرى فى حجم مصر بالعمل علانية ضد المثلث الراديكالي الجديد ( إيران –حزب الله- حماس) وتجعله كمنافس للمعسكر العربي المعتدل، وكتهديد ضده.
وبرغم أن مصر تحاول جاهدة النأي بحماس بعيدا عن إيران ومعسكرها , فإن الخطوات الحمساوية حتى الآن يبدو أنها متثاقلة تجاه هذا المنحى بأسباب تتعلق بالعلاقة بالنظام السوري وضغوطاته وما يسمي نفسه بمعسكر الممانعة .
لكن الخبير "الإسرائيلي" يرى أنهناك مصالح مشتركة بين القاهرة وتل أبيب , ويرى أنه رغم تلك المصالح فمن الصعب التوقع بحدوث أي تعاون علني بينهما فى هذا المجال. لكنه لا يستبعد فى ذات الوقت بأن تكون مصر مستعدة لتلقي بعض مساعدات فى إطار الجهود التى تبذلها من أجل العمل ضد هذا المثلث التهديدي الجديد الذى تقوده إيران حاليا فى منطقة الشرق الأوسط، لكن ذلك لن يتم بشكل علني- من وجهة نظر الخبير اليهودي , حيث ستفضل مصر العمل بمفردها ، أو فى إطار عمل عربي مشترك , وذلك لحساسية الموقف إزاء التعاون الأمني والمخابراتي مع “إسرائيل”، وهو ما سوف يثير مزيد من الانتقادات العنيفة ضد النظام المصري، سواء من داخل مصر أو على المستوى العربي , إضافة أن جانبا كبيرا من النظام المصري الأمني والسياسي لازال يعتبر " إسرائيل " هي العدو الأول له وينظر بريبة لكل ماجاء عن طريقها .
حماس والشد والجذب
لكن صحيفة هاآرتس العبرية طرحت فى إحدى تقاريرها عن شبكة حزب الله فى مصر تساؤلا خبيثا يكشف المخطط " الإسرائيلي " الجديد ضد الفلسطينيين، حيث قالت بأنه لم يرد ذكر فى جميع التقارير الإعلامية التى نشرت في مصر بشأن شبكة التجسس الاتصال بين الشبكة وحركة حماس،.
فلماذا تمتنع مصر عن توجيه أصابع الاتهام إلى حماس أيضا؟ لماذا يتم توجيه دائرة الاتهام على حزب الله وايران فقط ؟ السبب يكمن على ما يبدو-حسبما ذكرت هاآرتس- في المساعى المصرية لتحقيق مصالحة فلسطينية بين فتح وحماس. فطالما توجد مداولات بين الأطراف، تسعى مصر للحفاظ على لقب الوسيط النزيه. هذا اللقب لا يستوي مع توجيه الاتهامات لحماس. بينما حزب الله وإيران، فى المقابل، يعتبران ارض مفتوحة لتوجيه التهم إليهما إضافة إلى ماذكرناه من رغبة مصرية في احتواء حماس تدعمها تقاربات تاريخية ودينية وشعبية .
وزعمت الصحيفة العبرية أن الشتائم التي أطلقها نصرالله نحو مبارك منذ حرب لبنان الثانية، وسخريته من المساعي المصرية لإحلال مصالحة لبنانية. وتفضيله الاعتماد على قطر بدلا من مصر، هو ما تسبب حاليا فى آثار الأزمة العلنية. ففي فترة حرب غزة، أمطر نصرالله النار والكبريت على مصر واتهمها بالتعاون مع “إسرائيل” وبفرض الحصار على غزة، بل انه دعا المواطنين المصريين الى إسقاط نظام "مبارك".
وأنهت الصحيفة تقريرها بأن نصرالله بات هدفا استخباريا وقضائيا، بالنسبة للقاهرة ، وفي مصر يفكرون برفع لائحة اتهام ضده. أما إيران بالمقابل، فهي هدف سياسي. اذا أنها تستخدم حزب الله لدفع شؤونها في لبنان، وفي العراق، في البحرين وفي اليمن. وهو ما يهدد المكانة الإقليمية والعربية لمصر بقوة.