تقرير جولدستون..المفارقة الأبرز والنهاية الحزينة

عصـــام زيـــدان
Essam_zedan30@hotmail.com
مفارقات عديدة صاحبت تقرير القاضي اليهودي ريتشادر غولدستون الخاص بحرب "إسرائيل" الأخيرة على قطاع غزة, ولكن تأجيل التصويت على القرار يوم الجمعة الماضية شكل المفارقة الأبرز والنهاية الحزينة لهذا التقرير الذي ربما ورغم إدانته للضحية والجلاد معا إلا أنه شكل في ذاته خرقا لجدار الصمت الدولي على الجرائم الإسرائيلية المتوالية في حق أبناء الشعب الفلسطيني.
وقد جاءت كل التصريحات, الضمني منها والصريح, لتوجه أصابع الاتهام إلى سلطة رام الله, مؤكدة أنها وراء عملية التأجيل على تصويت مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة على التقريروترحيله إلى الدورة القادمة التي تبدأ في مارس المقبل.
وكان من المُقرر أن يصوت المجلس يوم الجمعة على قرار يدين تقاعس "إسرائيل" عن التعاون مع فريق الأمم المتحدة للتحقيق في جرائم الحرب الذي رأسه جولدستون ويرفع تقريره إلى مجلس الأمن الدولي.
فقد قال مراسل الجزيرة في جنيف أن الوفد الفلسطيني طلب التأجيل بناء على ضغوط أمريكية وروسية, وأشار إلى ضغوط أمريكية مورست بالفعل على الفلسطينيين لسحب القرار, ونقل عن فلسطينيين بجنيف أن الأمريكيين تذرعوا بأنهم يعدون لمشروع سلام بالمنطقة، وأن إقرار التقرير من شأنه أن يعطل هذا المشروع.
وكانت مصادر فلسطينية مطلعة قد كشفت أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس تلقى خلال اليومين الأخيرين اتصالين من وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون التي دعته إلى عدم الموافقة على ما جاء في التقرير بدعوى أنه "سيعمق الفجوة التي قل اتساعها مؤخرا مع الإسرائيليين".
وحسب المصادر تعرض عباس لضغوط شديدة من رئيس حكومة تصريف الأعمال سلام فياض لدفعه للموافقة على سحب الإقرار الفلسطيني الذي يعني اعتماد التقرير وبدء الإجراءات العملية لتنفيذ توصياته.
ووفقا للمصادر تذرع فياض بالوضع الاقتصادي وإمكانية عرقلة عمل شركة اتصالات فلسطينية جديدة واستغلال إسرائيل والإدارة الأمريكية للموافقة الفلسطينية على التقرير بغية التراجع عن تعهدات بالعمل على تسوية سلمية للصراع. (الجزيرة نت2/10)
وأكد الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي أكمل الدين إحسان أوغلو أن التأجيل جاء بناء على اتفاق أمريكي مع السلطة الفلسطينية, كما أن صحيفة هآرتس الإسرائيلية وعلى موقعها الالكتروني قالت مساء الجمعة إن السلطة الفلسطينية هي من يقف وراء سحب مشروع القرار بالتصويت.
وكشفت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية (2/10) على لسان مراسليها، إيتمار أيخنير ويوسي يهوشواع أنه قبل لحظات من مناقشة الأمم المتحدة لنتائج تقرير جولدستون سحب الفلسطينيون طلبهم بهذا الخصوص.
وقالت يديعوت إنه على أثر ضغوط إسرائيلية كبيرة، قررت السلطة الفلسطينية، وبشكل مفاجئ سحب مسودة قرار بتبني تقرير جولدستون, مشيرة إلى أنه سبق القرار الفلسطيني، إنذار إسرائيلي بأنه في حال إحالة تقرير جولدستون للمحكمة الدولية في لاهاي، فسيكون ذلك ضربة قاضية لعملية السلام.
وأوضحت جهات إسرائيلية,وفق ما تقول الصحيفة, أنه في مثل هذا الوضع فإن "إسرائيل" ستواجه صعوبات في التفاوض مع الرئيس محمود عباس.
ووفقًا للمصادر الإسرائيلية فقد قبلت الإدارة الأمريكية ووافقت على الموقف الإسرائيلي، ومارست بدورها ضغوط كبيرة على الرئيس عباس للإيعاز للوفد الفلسطيني في جنيف بسحب مسودة الاقتراح، وذلك لتفادي المس بجهود الرئيس أوباما باستئناف المفاوضات والتوصل إلى اتفاق سلام.
ونفت مصادر أمنية إسرائيلية أن تكون إسرائيل وعدت الفلسطينيين بأي مقابل، لكن الفلسطينيين "يعرفون أن هناك الكثير ما يمكن أن يخسروه إذا لم يسحبوا الاقتراح", على حد ما قالت يديعوت.
البارز من خلال هذه التصريحات وغيرها أن سلطة رام الله ما زالت ورغم ما مضي من سنوات عجاف تتشبث بأوهام ما يسمى بالسلام, وأنها على استعداد أن تتنازل عن دماء الشهداء,وتدعم مخططات الاحتلال والولايات المتحدة لدفن تقرير جولدستون وغيره من التقارير التى تدين الممارسات الاسرائيلية في مقابل أن تبقي في غيبوبة السلام المتوهم, هذا من جانب الفصيل الأكبر الممثل في الرئيس عباس وبعض مساعديه.
ثمة فصيل آخر برز على سطح الأحداث بات أكثر تجاوبا مع الطموحات الإسرائيلية وخاصة أطروحات رئيس الوزراء بنيامين نتيناهو الداعية إلى "السلام الاقتصادي", يقف على رأسه رئيس الوزراء سلام فياض, الذي مارس هو الآخر دوره في تدعيم ومساندة السلطة في تكفين التقرير ودفنه وتقديم المبررات اللازمة لعملية التأجيل.
في المحصلة النهائية اجتمع الطرفان, الغارقون في أوهام "السلام السياسي", والمؤملون في "السلام الاقتصادي" في ذبح التقرير والتضحية بأهل غزة وتضحياتهم,وتشكيل حصانة دبلوماسية للاحتلال الإسرائيلي ضد الملاحقة أو حتى الإدانة.
كما اجتمع الطرفان على تسليم زمام القرار في كل ما يخص القضية الفلسطينية إلى الإدارة الامريكية التى بدورها لاتملك إلا الخضوع للرغبات والموحات الإسرائيلية, فقد استجاب الرئيس محمود عباس لدعوة الرئيس الأمريكي باراك أوباما قبل أيام لعقد قمة ثلاثية تجمعهما ونتانياهو لدفع ما يسمى بعملية السلام والتغاضي عن الرغبة الإسرائيلية الجموحة في نشر الاستيطان, ثم هو يسير على ذات النهج, فيما يخص تقرير جولدستون, ويسلم بكل الرغبات الإسرائيلية والأوامر الأمريكية..
لقد وضح إلى هذا الحد أبعاد المؤامرة ومن يملك على الحقيقة صنع القرار الفلسطيني الرسمي,ومن وضع نهاية حزينة لتقرير جولدستون..