هل ربحت إسرائيل من عدوانها؟

عــصــام زيــدان
Essam_zedan30@hotmail.com
للوهلة الأولى الإجابة بلا كبيرة..هذا على الأقل ما أكدته مصادر التحليل السياسي في الداخل الإسرائيلي..فقد لخصت صحيفة "هآرتس"الواقعةبعنوان ضخم هو "فشل عملية الجيش الإسرائيلي أنتج ورطة دولية", ووجهت في تحليلها انتقادات للمستويين العسكري والسياسي,وطالبت بتشكيل لجنة تحقيق رسمية بدعوى أنه ليس من المنطقي أن لا يتحمل أحد مسؤولية الفشل الذريع للعملية، ولا يمكن إقناع مواطني الدولة وأصدقائها في العالم أن إسرائيل تأسف لنتائج المواجهة من دون إقامة لجنة تحقيق رسمية مستقلة لمعرفة هوية من يجب أن يتحمل مسؤولية هذه السياسة الخطيرة.
وصحيفة "معاريف" قالت إن اتهامات متبادلة تشهدها الآن المؤسسة الأمنية بين عدد من أذرعها حول فشل العملية العسكرية ونتائجها الوخيمة, مؤكدة أن العملية بدأت بفشل استخباري، وتواصلت بفشل عملياتي، وفي خلفية الأحداث برز أيضا الفشل السياسي, مشيرة إلى أن الاتهامات طارت من كل حدب وصوب قبل أن يتضح حجم الورطة التي وقعت فيها إسرائيل في أعقاب عملية الكوماندوز الفاشلة.
أما "يديعوت أحرنوت" فقد طالبت وزير الحرب ايهود باراك بالاستقالة لأنه من دون ذلك فإن العالم سيرى أنه تجدر معاقبة إسرائيل كدولة وفرض عقاب جماعي عليها ككيان سياسي، وانه يجوز ضربها، اقتصاديا وتجاريا، وهذا خطر حقيقي داهم.
والكاتب الإسرائيلي "بن كاسبيت" نشر مقالا في صحيفة "معاريف" بعنوان "سخافة مطلقة", مؤكدا أن الردع الإسرائيلي تلقى ضربة شديدة, وأن الصورة الإسرائيلية تلقت ضربة قاضية, وأن عملية الاستيلاء على أسطول الحرية حصل في عمق المياه الدولية وجعل إسرائيل دولة قراصنة.
وتساءل بن كاسبيت "ماذا سنفعل حين سيأتي الأسطول القادم، الذي سيضم عددا اكبر من السفن مع عدد أكبر من الناس وربما أيضا مع بعض السفن الحربية التركية؟", مؤكدا أن ضررا عظيما سيلحق بإسرائيل في أعقاب هذه العملية، في مجالات لا حصر لها.
وحسب بن كسبيت, يقف في رأس هرم الفشل, أولئك الذين أصدروا الأمر الغبي والذي أنزل عشرات المقاتلين الجسورين إلى عش الدبابير، الأمر الذي كسر قوة الردع لهذه القوة أمام العالم, مضيفا أن الردع الإسرائيلي تلقى ضربة شديدة.. الصورة الإسرائيلية تلقت ضربة قاضية.. وكل هذا حصل في عمق المياه الدولية وجعل إسرائيل دولة قراصنة.
وتساءل الكاتب الإسرائيلي ناحوم برنيع في صحيفة "يديعوت أحرونوت" لماذا لم تنجح إسرائيل في السيطرة على أسطول الحرية وهي التي عرفت في الماضي السحيق كيف تعطل سفنا معادية وهي ترسو في الموانئ فلماذا لم تفعل هذا الأمر هذه المرة؟, ألم يكن أصح تمكين السفن من المرور وأن تفرغ بذلك الفقاعة الدعائية من الهواء؟".
وأشار "برنيع" إلى أن الحصار على غزة يعد النقطة التي تصد الحكومة عن مواجهتها, إلا أن هذا الحصار أخفق, فهو لم يمنع دخول السلاح، والمواد القتالية إلى غزة، ولم يضعف حماس, إنه حصار فرضته الحكومة السابقة، وتخشى الحكومة الحالية إلغاءه لئلا تتهم بالضعف إزاء حماس.
وأضاف "إذا استمرت السياسة الإسرائيلية على حالها فإن حماس ستقوى في العالم العربي وفي الغرب, وسيقوى محور تركيا – إيران – سورية – حماس, وستهبط صورة إسرائيل في العالم إلى الحضيض, وتشتعل الضفة, ويشتعل الوسط العربي في إسرائيل آمل ألا تتحقق أي نبوءة من نبوءات الخراب هذه, أما المحقق فهو أنه لن يحدث خير من هذه القصة".
هذه ومضة سريعة للداخل الإسرائيلي ورؤيته لنتائج العدوان على أسطول الحرية..ولكننا في هذا الجو الصاخب نحتاج إلى وقفة هادئة..ونعيد السؤال مرة أخرى:هل ربحت إسرائيل من عدوانها على الحرية؟
والإجابة بـ"نعم" أو"لا" مطلقا, تحمل كثيرا من التجاوز والخلل, ولكن الإجابة تتوقف على المجال الذي نتحدث عنده ونقيمه..وهناك ثلاثة مجالات هامة نحتاج أن نسلط عليه الضوء..
أولها النتائج المترتبة على هذا العدوان وأثرها على الحصار المفروض على قطاع غزة, وهنا يمكن أن نقول أن إسرائيل خسرت كثيرا بهذا العدوان, وربحت غزة, لأنها بهذا الصلف وغرور القوة الذي واجهت بها القافلة ضخت في قضية غزة ماء الحياة من جديد, وأعادتها من حيث لا تحتسب إلى صدارة الصحف ووكالات الأنباء والاهتمام العالمي عربيا ودوليا.
بل وبهذا التحدي غير المبرر ضخت قدرا من الحماس منقطع النظير في نشطاء السلام وغيرهم لإعادة الكره مرات ومرات, وستجد إسرائيل نفسها في صداع دائم عنوانه أسطول الحرية, وستعيش في حالة من الاستنفار الدائم لملاحقة الوفود التي تسعى لإعادة التجربة وكسر الحصار, وفي كل مرة ستنجح فيها تلك القوافل في المرور أو المنع ستكسب غزة القضية ماديا في الأولى, ومعنويا وإعلاميا في الثانية.
الحصار بعد هذه العملية العدوانية انقلب وتبدل وانتقل من قطاع غزة إلى حصار خانق على قادة الاحتلال السياسيين والعسكريين, وبات لزاما عليهم إيجاد أطر أخرى بعد الإصرار العالمي على كسر هذا لحصار أو على الأقل التخفيف من حدته.
كسر الحصار بأي صورة من الصور سيعنى سياسيا انتصار حماس, وتثبيت حكمها وفشل الرهان الإسرائيلي على إسقاطها, وهذا سيولد ما يشبه الزلزال السياسي في توجهات ساسة الضفة, وستفقد الورقة التي تضغط بها على حماس, ولن يكون هناك كبير معنى لورقة المصالحة المطروحة حاليا..
أما على مستوى العلاقات الدولية سواء مع أوروبا أو الولايات المتحدة, لابد قبل تقييم الموقف الحالي أن نذكر بأمر اثنين:
الأول منهما انه إبان العدوان والحرب على غزة شاهدنا نوعا من "الشحن الإعلامي" المماثل ودعوات كثيرة من قبل الغرب الأمريكي والأوروبي لوقف المجزرة وإدانة الاستخدام المفرط في القوة, وما إلى ذلك من تعبيرات غاية في المرونة تدرجت إلى حد المطالبة, كما الحال هنا, بتحقيق دولي في المواجهات..ثم ما لبثت أن انفض "مولد" التصريحات بلا فائدة واقعية.
الثاني عندما أعلن القاضي الجنوب إفريقي ريتشارد جولدستون عن تقريره عن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، دب التفاءل في العالم العربي, حيث طغت على سوق التوقعات أن يكون التقرير وهو الأول من نوعه الذي يصدر عن جهة أممية، وهي مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة, أول خطوة على طريق محاكمة قادة إسرائيل السياسيين والعسكريين أمام محكمة العدل الدولية، على جرائمهم بحق أبناء غزة خلال العدوان الذي استمر قرابة 22 يومافي ديسمبر 2008..وما لبث أن هدأت الضجة, ووضع التقرير في غياهب الأدراج المنسية.
وشئ من هذا المشهد بتفاصيله تكاد تكون حاضرة بين أيدينا الآن..وكما اتفقت المقدمات والتفاصيل فتوقعنا أن تتشابه النهايات إلى حد بعيد.
ما نريد أن نقوله أن الغرب قادر بآلته الإعلامية على امتصاص الأزمة وتمريرها كما مرت الحوادث والجرائم الإسرائيلية من قبل, دون أن يكون لذلك كبير تأثير على مجمل العلاقات البينية مع إسرائيل, ولن نرى الغرب منتفضا بحق لقضية من قضايا العرب والمسلمين, ولكنها انتفاضة وهمية امتصاصية لا أكثر من ذلك.
ومع ذلك, فليس ببعيد, على المستوى الاستراتيجي, أن يتسبب تراكم الحماقات الإسرائيلية في خسائر مباشرة وقوية للغرب, وحينها قد يتحرك, ولكن دفاعا عن مصالحه فقط, وبالقدر الذي يحفظ له هذه المصالح,لا القدر الذي يحقق مصالح العرب والمسلمين.
المجال الثالث الذي نريد أن نبحث تأثير العدوان الإسرائيلي فيه, هو المحيط الإقليمي, العربي والتركي..ولن يغيب عن أي متابع أنه لا تأثير لهذه القرصنة على علاقة رام الله بإسرائيل فيما يخص مفاوضات السلام المباشرة وغير المباشرة, فلم يعد في خزانة السلطة إلا "خيار السلام", أي أنه في الحقيقة ليس خيارا لأنه لا شئ أمامها سواه بعد تخليها عن المقاومة..وكذا الحال مع المحيط العربي الذي أحرق كافة الخيارات والأوراق وارتكن إلى مبادرة السلام ولا شئ سواها, وفهمت إسرائيل ذلك فتمادت في غطرستها, واثقة من اللافعل العربي, والذي انزوى مخليا حتى ساحة الشجب والاستنكار.
أما تركيا, فعلاقتها مع إسرائيل اهتزت كثيرا, ولكن إسرائيل لا تعول كثيرا على هذه العلاقة, لان السلاح يأتيها من أمريكا متى أرادت, والوساطة مع سوريا وغيرها ليست من مفردات قاموس حكومة نتانياهو, وأكثر ما يضر إسرائيل ربما هو انجذاب تركيا إلى الصف العربي والإسلامي, ووجود حكومة قوية تعارضها بقوة غير مسبوقة وهو ما يضعف هيبتها وقوتها الرادعة التي تعول عليها كثيرا في تعاملها مع الخصوم.
خلاصة القول أن إسرائيل خسرت كثيرا في بعض الملفات خاصة ملف الحصار, والتعامل مع حماس, أما فيما يخص علاقاتها الدولية مع الغرب الأمريكي والأوروبي, فظننا أن جوهر العلاقة لم يتغير, وإن كان يمكن على المدى الاستراتيجي أن تتحرك هذه العلاقة في اتجاه سلبي إذا أضيرت أوروبا بصورة مباشرة من الممارسات الإسرائيلية, أما على المستوى الإقليمي فليس من جديد سوى بندول العلاقة التركية ـ الإسرائيلية الذي تسارعت حركته.