لأجل مصر.. وضد كل الأعداء
محمد سليمان الزواوي[1]
مفكرة الإسلام : انتكست الثورة وعادت أدراجها، قفل كل شيء في مصر راجعًا إلى الوراء، لا تزال حقبة مبارك تلقي بظلالها الكئيبة على الحياة السياسية المصرية، تخلص المصريون من رأس واحد وبقي الجسد الظالم متمكنًا من كافة أشكال الحياة السياسية في الدولة، فتلك الأفعى لها ألف رأس! ثلاثون عامًا من الجهل السياسي أفرزت المشهد الدامي الحالي في ميدان التحرير.
ما بين سلطة غاشمة تائهة وما بين شعب يبحث عن الخلاص، سقط القتلى والجرحى من جديد مضرجون في دمائهم دفاعًا عن حريتهم التي لم ينالوها بعد، فقط وُعدوا بها وعد الظمآن بالماء، لوح لهم بقارورة ماء الحرية فقط ليروها من بعيد دون أن تمسها أيديهم.. ولكن حتى أعينهم التي كانوا يبصرون بها قارورة الماء تلك ـ دون أن يشربوا منها ـ صفيت أيضًا.. من خرطوش "ليس من وزارة الداخلية ـ التي لم تكن مسلحة ـ فتلك داخلية الثورة!".
ماء الحرية الذي دفع الشعب ثمنه مقدمًا كان في يد عسكرية مرتجفة تحمل القارورة ولا تريد التفريط فيها، تحميها بشرطة عسكرية بعصى كهربائية وقنابل غاز وعصا لمن عصى، تعرض القارورة إلى الظمآى ثم تسحبها مرة ثانية إلى حضنها الدافئ: لن ينالها أحد حتى نأخذ عليه العهود والمواثيق..
وثيقة للشعب، بل فوق الشعب وفوق دستوره وإرادته، "استرشادية" للجاهل الذي لا يعرف فترسم له طريقًا يمشي عليه، نعم .. أنتم غير مؤهلين للديموقراطية بعد (تتردد الكلمات بصدى صوت حسني مبارك وعمر سليمان وأحمد نظيف) نحن هنا لن نرحل حتى نسلم الأمانة إلى من يستحقها، ومن يأخذها بحقها و"شروطنا"، إذا كنتم ملايين فالرصاص معنا، واستوردنا أنواعًا جديدةً من غازات الدموع: فالبكاء مطهرة! بل غازات بميزة إضافية: كوكتيل جديد للأعصاب أيضًا، وكأن الأعصاب لم تحترق مسبقًا في أتون الإدارة الفاشلة.
ومن بعيد جاءت شراذم الإسلاميين ترفل في أثوابها الناصعة الجديدة، كانوا معجبين بها وبكثرتهم الكاثرة: سنعتصم، رد صائح من بعيد، لا لن نعتصم، ويأتي السواد الأعظم قائلين: أخلوا كل الميادين.
تخبط بالأعلى وتخبط بالأسفل، عقود من الإفساد في عصور الظلم والاستبداد من إبان العكسر الأوائل، عبد الناصر وصحبه، أتت أكلها، لقد ترك مبارك وراءه قنبلةً منزوعة الفتيل في كل شارع وحارة، في كل مؤسسة من مؤسسات الدولة، أكل الشعب وشرب دهرًا على تعليم وإعلام فاسدين طيلة عقود من حكم الفرد الغاشم، أنتجت غرقى في دوامة من استخف قومه فأطاعوه.. فضاع الصالحون مع الفاسقين: {أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 26]!
يقولون: إن العسكر غير راغبين في السلطة، ولكن سوء الإدارة لا يختلف عن سوء النية: فمن أفسد حياتنا بعد الثورة في تلك السويعات التي تربع فيها الجنرالات على كرسي القيادة وحدهم بعد خلع المخلوع؛ إدارة فاشلة وحكومة "خفية" ومعارضة "كانت" معارضة: فالسلمي جاء من أروقة الوفد كما جاء هيكل صاحب أبواق الإعلام الجديدة، و"شرف" الذي جاء من "الميدان" شريك أصيل في الجريمة ومكانه إلى جوار نظيف والعادلي ومبارك: من قتل ثوار التحرير في عهدك؟ لماذا تلومون العادلي إذا كنتم أيضًا فقأتم العيون وثقبتم الصدور وسحلتم جثث إخوتكم في الوطن الذين جاءوا بكم إلى تلك المقاعد؟ شباب في عمر الزهور أودعوا القبور بعد أن كانوا يحلمون بنسائم الحرية فاختنقوا من غازات الداخلية المستوردة حديثًا من العالم الحر! يا سادتنا الجدد: العجز صنو الفشل صنو الفساد والإفساد.. من لم يكن لديه القوة والقدرة والأمانة فلا يستلمها فإنها جمرة من نار!
البلبلة في أعلى مستوياتها في أعلى كوادر الدولة؛ الجيش: إنهم يريدون إحداث الفوضى لتأجيل الانتخابات؛ الإسلاميون: إنهم يريدون إحداث الفوضى لتأجيل الانتخابات؛ الليبراليون: إنهم يريدون إحداث الفوضى لتأجيل الانتخابات؛ الفلول: إنهم يريدون إحداث الفوضى لتأجيل الانتخابات؛ المفكرون: إنهم يريدون إحداث الفوضى لتأجيل الانتخابات؟ من "هم" إذن؟!
أجيبكم: إنهم الجهلاء الذين يتصدرون للفتوى ـ والموضة اليوم الفتوى السياسية ـ بغير علم، فاليوم الكل يتصارع بالمناكب والأكتاف على الظهور؛ قتلوهم قتلهم الله! إنما دواء العي السؤال، ومن لا يفهم في السياسة فحَرِيٌّ به أن ينتقل إلى الساقة، فأجر الطاعة خير من معصية القيادة بغير علم؛ فمن يتحمل أن يرى صحيفته فيها دماء؟
إن ما يجري في مصر اليوم هو انفجارات عشوائية في كل مكان: فقد اتخذ الناس رءوسًا جهالاً فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا؛ التفت الآن إلى أصحاب القلوب البيضاء، والخبرات البيضاء أيضًا: إن السياسة علم لا يجب أن يلج فيه إلا من يعلمه، وفي زمان الفتن يجب على العقلاء أن يتحدوا معًا من أجل مواجهة الفتنة التي من استشرف لها تستشرف له! فكما تجتمع اللجان من أجل فتوى مصيرية في التعاملات الاقتصادية المستحدثة، فيجب أن تشكَّل لجان موسعة للإفتاء في ملمات السياسة المستحدثة، وهنا يجب أن يتصدى لها من هم أهل لها وأصحاب العلم فيها، ومن يتصدى لها من غير أهلها فهو يجترئ على الفتوى بغير علم، فليحمل وزره ووزر من يضله بغير علم إلى يوم القيامة.
هناك خصائص لمراحل التحول في عمر الشعوب من الديكتاتورية إلى الحرية، فهناك مراحل ثلاث: انتقال ثم تدعيم ثم ترسيخ، ولكل مرحلة أسلوبها وفنها ورجالها؛ فلا داعي أن نعيد اختراع العجلة أيًّا كانت هويتها، فالعجلة موجودة من قديم الأزل تحتاج فقط إلى بعض الرتوش لتأخذ الصبغة الإقليمية وهوية كل دولة ولطبيعتها وللوعاء الثقافي والحضاري الخاص بها، نحن لسنا في حاجة إلى من يعيد اختراع العجلة ولكن في حاجة إلى علماء كل فن لكي يصيغوا تلك المرحلة بعيدًا عن المكاسب قصيرة الأمد قاسية النتائج، أرى هيئاتٍ ولجانًا شرعية تتوالد كل يوم، ولكن لم أر هيئة سياسية واحدة انبثقت من أي تيار في مصر من أجل إصلاح شئون البلاد والعباد.
في مصر لا تزال المرحلة مرحلة هدم النظام القديم، وهناك أركان مصيرية لم تسقط منه حتى الآن، وتلك الأركان عندما يتصدى لها من لا يفهم في فن الهدم والبناء سوف تسقط عليه فترديه؛ وهناك غبار كثيف في كل مكان يعمي الأبصار ويخنق الصدور، وحطام ونيران وقتلى، الخطوة الأولى هي وجوب أن ينسحب الجهلاء من موقع التنكيس، وأن يتقدم العقلاء وأهل العلم والخبرة بهذا الفن، يجب أن يجلسوا معًا ويتحدوا، بعيدًا عن المبنى والضوضاء والإعلام، فيحددوا الاستراتيجية والوسائل ويخططوا لها على الورق، ثم يلجأوا مستعينين بالله إلى الهدم الحذر، ومن ثم تبدأ مرحلة البناء على أسس سليمة.
إننا اليوم لسنا بحاجة إلى همسة في أذن المصلحين ولكن صرخة للإيقاظ! وليكف الفرحون بكثرتهم عن ابتسامات الافتخار فالخطب جلل والدماء تسكب من جديد، صرخة لأجل الله والوطن وضد كل الأعداء في الداخل والخارج، فيجب أن يتكاتف الجميع من أجل المساهمة في تشكيل التحول السياسي في البلاد، يجب أن تشكل لجنة من جميع العقلاء وقادة الرأي والمصلحين من كافة الاتجاهات للخروج بالسفينة إلى بر الأمان؛ فإذا فشل العقلاء في الاتحاد لهدم الماضي وبناء المستقبل، فسوف يتحد الجهلاء بعشوائيتهم، ولكن فقط في الهدم.. ولن يكون هناك بناء.. حيث سينهار المبنى على رؤوس الجميع، فأسوأ كوابيسنا ربما لم تأت بعد، فأعداء الأمة لم يحركوا ساكنًا حتى الآن؛ لأن السقوط يحدث بالقصور الذاتي بدون مجهود منهم.. ولكنهم في الحقيقة غير بعيدين عن الساحة؛ فهم وراء الأكمة ينتظرون الناجي من تلك المعركة غير النزيهة.. يترقبون الخارج من أتون محرقة التخبط والعجب والتيه والرقص على أشلاء البلاد.
[1] باحث في العلوم السياسية ومدير تحرير "مفكرة الإسلام".