مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

شكرًا للمجلس العسكري

6 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

كتبه للمفكرة/ شريف عبد العزيز

shabdaziz@hotmail.com

ـ {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [ البقرة: 216]، {لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [ النور: 11] آيتان في كتاب الله عز وجل قررتا سنة ربانية ماضية على طريق العزم والرشد لبني البشر ما دامت العزائم ثابتة والنوايا خالصة، إنها سنة المنح التي تولد من المحن، فكلما اشتد البلاء كلما عظم العطاء وزاد العلاء، وعلى درب الأنبياء والمرسلين ثم الأمثل فالأمثل، تقاطر البلاء على سفوح المجاهدين وربى الصابرين، فلم تنثن قناتهم ولم تلن عزائمهم؛ لأنهم يعلمون علم اليقين أن العاقبة للمتقين.

ـ اليوم في مصر تعمل هذه السنة الربانية الماضية في تصحيح مسار الثورة وتصويب أدائها والقيام بالدور الذي فشلت فيه كل القوى الثورية بشتى أطيافها من قبل في القيام به، ألا وهو دور استكمال الثورة وتحقيق مطالبها العادلة.

ـ مضت عدة شهور على ثورة 25 يناير المجيدة والأوضاع المصرية تراوح بين أقدامها، وكثير من المفاسد والمظالم التي قامت الثورة من أجلها ما زالت قائمة راسخة عصية على التغيير، في حين أن المكاسب ضئيلة ومردودات الثورة مقارنة بغيرها من ثورات الجوار قليل، في الوقت الذي يؤمل فيه المحيط الإقليمي ويراهن على قدرة الثورة المصرية على تحقيق إنجازات جوهرية، وبدأت قطاعات واسعة من الشعب المصري تنظر للثورة نظرة سلبية حتى أطلق بعضهم على الثورة اسم ثورة 25 خساير وليس يناير، فانهيار اقتصادي وانفلات أمني وخلل اجتماعي وتناحر سياسي، هذا هو مجمل الثورة عند كثير من المصريين.

ــ والسر وراء هذا كله كان يتلخص في أمر واحد ألا وهو "عدم اكتمال الثورة" فالثورة المصرية ينطبق عليها الحديث الشهير "إن المنبت لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى" فالثورة ورغم جهود الثوار الضخمة من أجل إنجاحها إلا أنها في عرف الثورات الناجحة لم تحقق ما قامت من أجله كاملاً، وكما هو معروف فإن الثورات لا تدار بأنصاف الحلول، ولا تنتصر إلا إذا حققت أهدافها كاملة، فالثورة المصرية كانت ثورة ضد الطغيان والفساد الذي كان مستشريًا وساريًا في كل أوصال الدولة وضاربًا في مفاصلها، وما حققته الثورة العظيمة فعليًّا هو الإطاحة برأس الأفعى أو قمة الهرم الاستبدادي، وتركت سائر الجسد يعبث ويحيك المؤامرات ويعبث بأمن البلاد واستقرارها ويستميت من أجل إعادة النظام البائد، وكما ظهر مصطلح النفاق والمنافقين لأول مرة في العهد المدني، ظهر مصطلح الفلول لأول مرة في العهد الثوري، فالثورة كان لازمًا عليها أن تطيح بكل أعداء البلد وتقصي كل من ساهم في إفسادها وتأخرها، وذلك دون استثناء ودون نظر للعواقب المترتبة على هذا الإقصاء؛ لأن ثمن هذا التأخير هو ما نراه الآن من شبه عودة لأيام مبارك النحسات، وهو ثمن باهظ للغاية!

ــ الثورة مرت بأيامها الوردية الأولى والناس في سكرة الانتصار بالإطاحة بفرعون العصر، ولكن هذه السكرة أنست الناس حقيقة شديدة المرارة، وهي أن "مبارك" قد ترك البلد لفريق من أعوانه وأتباعه المخلصين ـ المجلس العسكري ـ ومع احترامي لكثير من المخدوعين الذين كالوا المديح ونسجوا قصائد الغزل في العسكري، فإن هذا المجلس ما هو إلا مجموعة من القادة العسكريين الذين اختارهم مبارك بنفسه ورباهم على عينه، وهم جزء أصيل من منظومة الحكم البائد، فكيف يفرح الناس بولايتهم؟! وموقفهم من الثورة هو موقف اضطراري كان سيقدم عليه أي قائد عسكري عنده مسحة من عقل، إذ كيف سيصدر قائد عسكري قرارًا بضرب 22 مليون مصري ثائر في الميادين المصرية في شتى أنحاء البلاد أثناء ثورة 25 يناير، ومن سيتحمل مسئولية قرار ضرب ميدان التحرير وبه 5 مليون معتصم؟ فالمجلس لم يكن له خيار سوى البقاء على الحياد طيلة 18 يومًا حتى تنجلي الأمور، وهو ما تم بالفعل، بعدها استلم المجلس البلاد غنيمة باردة في صفقة لم تكشف بنودها حتى الآن.

ــ عشرة شهور مرت على البلاد تحت إدارة أو حكم العسكر سمها ما شئت، والمجلس يتبع سياسة النفس الطويل مع الشعب، فبطء متعمد، وتلكؤ واضح في تنفيذ الإصلاحات المرجوة، وأي خطوة للأمام ما أخذت إلا تحت الضغط الشعبي والمظاهرات المليونية، ومع مرور الأيام اتضح أن للمجلس العسكري أجندة خاصة، وأنه يرضخ لضغوط الخارج أكثر من رغبات الداخل، وأنه يعمل لمصلحته الخاصة أكثر من مصالح البلد والشعب، فالمجلس قد كشف عن نية واضحة وجلية في البقاء في الحكم بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فالمجلس يفاضل بين الحكم وفق نموذج ثورة 52، أو وفق نموذج عسكر تركيا في مرحلة ما قبل أردوجان، فإصرار المجلس على تمرير وثيقة المبادئ فوق الدستورية المريبة رغم رفضها شعبيًّا ونخبويًّا وسياسيًّا من أكبر الأدلة على نية البقاء في سدة الحكم.

ـ هذه الوثيقة تجري محاولات تمريرها منذ ظهور نتيجة الاستفتاء على التعديلات الدستورية والتي منحت مجالس الحكم صلاحيات واسعة وفي المقابل تم تقليص سلطات الرئيس وتحديد مدة حكمه، فالمجلس أراد أن يستأثر بصلاحيات الرئيس، ولا يترك الفرصة لمجلس منتخب نظيف وشريف أن يتولى هو صياغة الدستور وتقرير مستقبل البلاد، ومن ثم بدأت سلسلة من المحاولات لوأد هذه الديمقراطية الوليدة، فكانت البداية بفكرة الدستور أولاً، ثم المبادئ فوق الدستورية، ثم المبادئ الحاكمة، ثم مدنية الدولة، وكما تم تغيير المسميات تم تغير الأشخاص؛ فالسلمي استأنف دور الجمل، في بالونات اختبارية لمدى القبول الشعبي لمثل هذه الأفكار الممهدة للاستبداد، وأخيرًا الوثيقة الشيطانية التي أريد بها إعادة إنتاج مبارك جديد، واستنساخ النظام البائد بعد أن سالت دماء طاهرة زكية كثيرة من أجل التخلص منه.

ــ القوى السياسية والشعبية منذ عدة أسابيع ترفض وتندد بهذه الوثيقة المهينة وتحاول إثناء المجلس العسكري عنها، وهو مصرٌّ غاية الإصرار على تمريرها، بعد أن وجد أن مداراة القوى السياسية بحقيقة أهدافه لا تفيد، فجهر المجلس بنيته وكشف عن حقيقته وأفصح عن أجندته، كما قال الشاعر:

ألا فاسقني الخمر وقل هي ******* الخمر ولا تستتر وقد أمكن الجهر

ولما خرج الناس معبرين عن سخطهم ورفضهم للوثيقة بصورة سلمية ، عادت شرطة مبارك للحياة، كأن العادلي لم يسجن، وكأن مبارك لم يخلع، وكأن أمن الدولة مازالت تعمل، فسقط عشرات الشهداء ومئات الجرحى ، بنيران الداخلية التي ظل الشعب لشهور يستغيث بها من أجل أن تنزل لمواجهة البلطجية واللصوص والمجرمين، وضباط الداخلية يرفضون النزول للشوارع، في انتظار يوم الانتقام والتشفي من الشعب وهو اليوم الذي جاء في 19 نوفمبر، والمشاهد التي تبثها وسائل الإعلام أشد روعة وقسوة من مشاهد يوم جمعة الغضب 28 يناير، فالداخلية هذه المرة تنتقم وتتشفى وتأخذ بثأرها من الشعب، وذلك كله تحت سمع وبصر وتوجيه المجلس العسكري.

ـ ولما بلغ الكيد أعلاه، عملت فيهم السنن وجرت عليهم المقادير، وها هو الشعب يثور من جديد، والحياة تعود للثورة لتستكمل دورها، وتنهي أهدافها، وتطيح بكل رؤوس الفساد وشركاء الطغيان، لذلك أقولها بكل أمانة: شكرًا للمجلس العسكري أن سمح بإصراره على تمرير الطغيان والاستبداد، أن يبث الحياة في جسد الثورة الواهن من طول القعود وعدم تحقق الأهداف، ورغم الدماء الزكية الطاهرة التي سالت حتى الآن إلا أنه في النهاية هو خير سيعود على البلاد، والتاريخ والحاضر أخبرنا بأن كل من تورط في سفك دماء شعبه حتمًا سيُلقى به في مزبلة التاريخ، إما مخلوعًا أو مقتولاً.

وأخيرًا أقول لهؤلاء الذين تعللوا بالعقلانية والمنهجية في تبرير قعودهم عن نصرة المحاصرين والمعتصمين، وظلوا على نهج دفاعهم المستميت عن مجلس بانت نواياه وظهرت حقيقته، أقول لهم: إنها ليست عقلانية بل نفعية مقيتة اعتدناها منكم عبر العصور المختلفة وفي الكثير من المواقف المشابهة، ولكن هذه المرة ستدفعون ثمنًا باهظًا، والمقابل الذي تركتم من أجله نصرة الشعب والدفاع عن المصريين من أجله سيكون قبض الريح، والخسارة ستكون مدوية، وعند صناديق الانتخاب الخبر اليقين.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 22 نوفمبر 2011
  1. كيف تكون شخصية فعالة؟محمد العطار جرس الهاتف يقطع صمت منزل الدكتور سعيد، وخطواته تتسارع ليرفع السماعة، ليجد صديق عمره وزميل دراسته المهندس علاء يتحدث إليه، ويدور بينهما حوار ودود ممتلئ بالمشاعر الفياضة، فلم يلتق الصديقان منذ زمن بعيد. تبادلا أطراف الحديث، حتى عرإدارة الذات · 9 د قراءة
  2. طنطاوي يحيل المتورطين بأحداث التحرير وماسبيرو للنيابةقرر المشير حسين طنطاوي - رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة - إحالة جميع المتورطين في أحداث التحرير يومي 19 و20 نوفمبر إلى النيابة العامة، كما قرر أيضًا إحالة وقائع أحداث ماسبيرو والجاري التحقيق فيها أمام النيابة العسكرية إلى النيابة العامة "ميدان التحرير" .. مجددًا · 3 د قراءة
  3. إزالة 1500 عقار لصالح مشروع قطار الحرمينتبدأ الشركة المنفذة لقطار الحرمين في نزع مليكات 1500 عقار لصالح مشروع قطار الحرمين في مرحلته الأولى، وذلك بمناطق البوابة والتخصصي رقم 3 والهدى والرابية وإسكان الرصيفة وحي الزهارين. وأكد عضو اللجنة العقارية بالغرفة التجارية والصناعية بمكة المحليات · 2 د قراءة
  4. 29 قتيلاً بينهم 6 أطفال في سوريا وإدانة دولية لنظام الأسدارتفاع عدد القتلى في سوريا يوم الثلاثاء برصاص قوات الأسد إلى 29 شخصًا بينهم 6 أطفال في مناطق مختلفة، في وقت أدانت لجنة حقوق الإنسان في الجمعية العامة للأمم المتحدة حملة القمع التي تشنها الحكومة السورية ضد المحتجين وانتهاكات حقوق الإنسان بغاالعالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة
  5. قلق أمريكي من العنف بين شمال وجنوب السودان‎ أكد مسئولون أمريكيون قلقهم العميق بسبب أعمال العنف المستمرة على الحدود بين السودان وجنوب السودان. وبحسب راديو صوت أمريكا قال البيت الأبيض في بيان أصدره: "المبعوث الأمريكي الخاص إلى السودان برينسيتون ليمان ونائب مستشار الأمن القومي الأمريكالسودان · 1 د قراءة
  6. 5 شهداء في محيط ميدان التحرير ومخاوف من سقوط مئات الضحاياأكد عدد من شهود العيان أن شارع محمد محمود شهد سقوط 5 شهداء على الأقل خلال الاشتباكات في ميدان التحرير وسط مخاوف من حدوث مجزرة بعد تناقل عدد كبير من المتظاهرين معلومات تفيد بتسرب غاز غير مرئي يسبب الاختناق وحرقان في الجلد. وذكروا أن المتظاهرالعالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: شكرًا للمجلس العسكري