الانتخابات المصرية... حتى لا تكون فتنة

كتبه: ياسر أبو زيد
الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم وبعد:
فإن المرحلة الحالية من الخطورة بمكان لما نراه من تصارع القوى الداخلية لدفع الشباب المسلم و إبعادهم و رفع حكم الشريعة و إقصائها، وفي نفس الوقت تكاتف القوى الخارجية مع المنافقين و أهل الأهواء من الداخل وبثهم المباشر للفتنة وأسبابها لذا أحببت أن أكتب بعض الأصول المهمة عسى الله أن ينفع بها الكاتب و القارئ و الله أسأل السداد والتوفيق.
الأصل الأول : الصدق مع الله
لابد لمن أراد أن يضع قدميه في ميادين العمل الإسلامى أن يخلص القصدلله أولا :
قال تعالى ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيايَ وَ مَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَ بِذلِكَ أُمِرْتُ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)﴾ سورة الأنعام
"إنه التجرد الكامل للّه ، بكل خالجة في القلب وبكل حركة في الحياة. بالصلاة والاعتكاف. وبالمحيا والممات. بالشعائر التعبدية ، وبالحياة الواقعية ، وبالممات وما وراءه. لا يستبقي في النفس ولا في الحياة بقية لا يعبدها للّه ، ولا يحتجز دونه شيئا في الضمير ولا في الواقع .."([1])
و عن أبى هريرة رضى الله عنه قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول « إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى استشهدت. قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جرىء. فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار." ([2])
فاحذر أن تكون ممن عمل من أجل هذا الدين غدوا و رواحا ذهابا و إيابا "أحزابا وانتخابات" ثم يوم القيامة تكون من الخاسرين. فلا بد للعبد أن يكون سعيه لله تعالى لا للدنيا و شخصه. فيسعى في ميادين العمل الاسلامى " و هو خامل الذكر لا يقصد السمو"([3]).
لا يبتغي بذلك شرفا ولا منصبا حتى لايقع في معاطف الطريق وحر الصحراء فتهلكه الدنيا كما أهلكت من قبله ولذلك نحن ننبه إخواننا الذين يعملون في الصف الاسلامى وخاصة في هذه المرحلة أن يخلصوا القصد لله تعالى حتى يأتي السعي بثمرته المرجوة و غايته المنشودة ولذا قال الشيخ علي سلطان القاري " اعلم أن عدم وصول المريد الى النهاية لعدم تصحيح النية في البداية . فعدم الوصول لفقد الأصول"([4])
و سئل الحسن بن علي رضي الله عنهما : من أعظم الناس قدراً ؟ فقال : من لم يبال بالدنيا بيد من كانت ))([5]) لايقاتل من أجلها و يموت في سبيلها
و هذا الشاعر"محمود الوراق"([6]): يصف حال بعض المنتسبين اليوم إلى الصف المختار من المسلمين الذين كان من المفترض أن يعملوا الآن من أجل إعادة الإسلام ونوره إلى البشرية، فيصف هذه الفئة القليلة التى أرادت الدنيا لا الدين و الفتنة لا العصمة فيقول :
| أظهرُوا للنَّاس دِيناً | وعلى الدَينار دارُوا |
و في المقابل تأتي بعض الأمثلة المشرقة من سلفنا الصالح تؤكد على معنى الاخلاص وتحريهم له في شتى صنوف الحياة . فإنك ستقرأ من خلالها ما تشتهي أن تراه في الواقع من الإخلاص في الدعاء و في الدعوة و الجهاد و في الإصلاح و الصلاح و في بذلهم لاخوانهم . نعم في كل شىء تشمله جوانب الحياة البشرية و هذا باختصار شديد .
"عن عامر بن سعد- بن أبى وقاص- عن أخيه عمر بن سعد أن أباه سعدا، كان في غنم له، فجاء ابنه عمر، فلما رآه – سعد- قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فلما انتهى إليه – ابنه - ، قال: يا أبت أرضيت أن تكون أعرابيا في غنمك، والناس يتنازعون في الملك بالمدينة، فضرب صدر عمر – ابنه -، وقال: اسكت، فإني سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: " إن الله عز وجل يحب العبد التقي الغني الخفي "([7]).
" وعن عبد الرحمن بن أزهر أن عثمان بن عفان اشتكى رعافا، فدعا حمران، فقال: اكتب لعبد الرحمن بن عوف العهد من بعدي، فكتب له، وانطلق حمران إلى عبد الرحمن، فقال: البشرى ! قال: وما ذاك ؟ قال: إن عثمان قد كتب لك العهد من بعده. فقام بين القبر والمنبر، فدعا، فقال: اللهم إن كان من تولية عثمان إياي هذا الامر، فأمتني قبله. فلم يمكث إلا ستة أشهر حتى قبضه الله "([8])
و انظر إلى كلام الإمام الذهبى رحمه الله في عبد الرحمن بن عوف و كان عبد الرحمن رضي الله عنه من الستة الذين انتهى إليهم الأمر بعد موت عمر بن الخطاب رضى الله عنه فتنازل عبد الرحمن عن هذه الإمارة فقال " إني أترك حقي من ذلك" فأثنى عليه الذهبي قائلا "
"ومن أفضل أعمال عبد الرحمن عزله نفسه من الأمر وقت الشورى، واختياره للأمة من أشار به أهل الحل والعقد، فنهض في ذلك أتم نهوض على جمع الأمة على وعثمان، ولو كان محابيا فيها، لأخذها لنفسه، أو لولاها ابن عمه وأقرب الجماعة إليه سعد بن أبي وقاص."([9])
وعن الوضين بن عطاء قال أراد الوليد بن عبد الملك أن يولي يزيد بن مرثد فبلغ ذلك يزيد بن مرثد فلبس فروة قد قلبه فجعل الجلد على ظهره والصوف خارجا وأخذ بيده رغيفا وعرقا وخرج بلا رداء ولا قلنسوة ولا نعل ولا خف وجعل يمشي في الأسواق ويأكل الخبز واللحم فقيل للوليد إن يزيد بن مرثد قد اختلط - أى جن - وأخبر بما فعله فتركه "([10]) فلو عرض هذا الامر اليوم على الكثير منا لتقاتلنا عليه بالسيوف .
هذا هو الأمر الأول و هو الإخلاص الذى لابد أن نراعيه في هذه المرحلة .
الأصل الثانى : الائتلاف لا الاختلاف
وهذا الأصل العظيم دارت حوله نصوص الكتاب و السنة وكلمة السلف أجمعين تـأسيسا و تأكيدا، أمرا بالفعل و نهيا عن الترك؛ قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَ اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾([11]) و قال تعالى مخاطبا الطائفة المنصورة و الفرقة الناجية ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾([12])
" و على الرغم من ظهور هذا البيان من الله تعالى بدون شبهة في عقل ولا مجال فيه لتأويل أو تغيير أو نسخ فهو نص محكم ظاهر الدلالة لمن سلم قلبه من الغفلة و الهوى إلا أن هناك حتى الآن من يعمل في الصف الاسلامى ينكر و يستنكر و يتبرأ و يتبرم من إخوة له في الصف معه لمجرد خلاف فقهى أو خلاف في وجهات النظر لعمل مشروع .
قال ابن تيمية :"والاجتماع والائتلاف من أعظم الأمور التى أوجبها الله ورسوله قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾)[13](
ويقول الشيخ الدكتور عبد العزيز كامل:"فالمسلم أخو المسلمهذه مقولة نبوية، وشِرعة إلهية،وهي مع ذلك بدهية أولية من بدهيات الإسلام، ليست من مسائل الخلاف الوعـر أو البحثالدقيـق. ولكن تعالوا ننظـر في واقعنـا ـ نحن الإسلاميين ـ: هل ينظر كل منـا إلىالآخـر هـذه النظـرة، وهل يطبق معه هـذه البدهية؛ فـ «لا يظلمه ولا يسلمه ولايحقـره»؟!
ثم يقول:"نتحسس في الكلام ـ كثيراً ـ ونتدسس في الأسلوب ـ غالباًـ ونهادن أو نداهن في العبارة أحياناً ـ إذا كان الكلام مع (الآخر) ولو كان هذاالآخر منافقاً معلوم النفاق، أو فاجراً يكرمه الناس مخافة شره، أو كافراً لا حرمةله ولا ذمة، خوفاً على شعوره (الرقيق) أن يخدش، وحسه (المرهف) أن يمس، أما إذا جاءالحديث مع، أو عن، أو إلى ذلك الأخ (المخالف) فعند الكثيرين منا ـ إلا مـن رحـمالله ـ فلا تحسس ولا تدسس ولا مجاملة ولا حتى حسن مجادلة، مع أن حسن المجادلة مطلوبمع أهل الكتاب، فكيف بمن جعلته الشريعة في منزلة الأقربين من الأهل والأصحاب؟!"([14])
قال سعيد بن العاص: «إني لأكره أن يمر الذباب بجليسي مخافة أن يؤذيه»([15])
وقال شعبة: لما توفي الزبير، لقي حكيم عبد الله بن الزبير، فقال: كم ترك أخي من الدين ؟ قال: ألف ألف، قال: علي خمس مئة ألف([16])
لذا فإن أخاك يحتاج منك إلى لين الجانب و خفض الجناح و مد يد الوصال .
يقول شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله مبينا ذلك :
"ولا يخلو الرجل إما أن يكون مجتهدا مصيبا أو مخطئا أو مذنبا فالأول ماجور مشكور والثانى مع أجره على الأجتهاد فمعفو عنه مغفور له والثالث فالله يغفر لنا وله ولسائر المؤمنين"([17])
ويقول أيضا رحمه الله في قاعدة نفيسة و توجيه تربوى يدل على سعة اطلاع و فهم هذا الإمام : " فالمتأول والجاهل المعذور ليس حكمه حكم المعاند والفاجر بل قد جعل الله لكل شيء قدرا.)[18](
و عليه فنحن ندعو جميع العاملين في الصف الاسلامىأن يأتلفوا ولا يختلفوا و يعتصموا بحبل الله جميعا "ولكن الدهشة والانزعاج: من بعض العاملين : من شِبه الاتفاق منهم على عدم الاتفاق"([19])
و لقد و صف هذا الأمل المنشود وهى وحدة الصف و البنيان المرصوص الشاعر أبو زهير حيث قال :
| من اليوم تعاملنا | ونطوي ما جرى منا |
الأصل الثالث :" تنازلوا و لا تنازعوا "
إن العاملين اليوم في الصف طرأ عليهم متغيرات جديدة في العمل الإسلامى منها الترشح للمجالس النيابية وكان ينبغي أن نحرص جميعا على الظهور للواقع وللعالم بصورة الإسلام المضيئة التى ظلت طيلة ثمانين سنة لا يعرفون عنها إلا اسمها ورسمها .كنا نريد أن نخرج للناس في أبهى صور الولاء فيراه العالم أجمع واقعا حيا إلا أن بعض العاملين أثار و أصر أن يعمل لنفسه حتى يصل إلى كرسى أو يدور في فلك الشهرة و الرياسة و الزعامة . و كما قال طلحة رضى الله عنه:" إني كنت أظن أن تدافعوها ولم أكن أظن أن تنافسوها"([21]) فتناحر في الصف بعض الأشخاص هذا يريد وذاك يريد و كله باسم الدين، وفي الحقيقة هو باسم الدنيا و لها ومن أجلها ولذا فينبغى على أهل الحل و العقد أن ينظروا إلى الأصلح والأفضل لمثل هذا و إلا " استقيلوا يرحمكم الله "
و لذلك فإن أصر الفريقان وتناحر الخصمان من أجل هذه الجيفة ومن أجل تلك اللعاعة من الدنيا فنقول لمن كان له قلب منهما " تنازل ولا تنازع "
وما أجمل ما استدل به فضيلة الشيخ الدكتور هشام آل عقدة على ذلك التنازل حتى وإن كان هذا التنازل من الفاضل لحساب المفضول حتى و لو كان هذا التنازل من الأعلى لصالح الادنى. يقول حفظه الله :
"وليس أبلغ في الرد على هذا الفكر السقيم من تزكية الرسول صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي - رضي الله عنهما - بسبب تنازله عن مكانه مع فضله على من تنازل له، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن ابني هذا سيدٌ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، وقد حدث ذلك بتنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية - رضي الله عنهما - مع كونه أفضل من معاوية؛ طلباً لوحدة المسلمين وقوَّتهم، حتى سمِّي ذلك العام بعام الجماعة؛ لاجتماع الناس بعد هذا الموقف العظيم من الحسن، رضي الله عنه:
فهوّن أخا الإسلام على نفسك، ولا تنظر للآخرين من الدعاة على أنهم هباءً لا فائدة لهم، وأن الآمال معقودة بك دون غيرك
| كلٌّ يؤيِّد حزبَه وفريقَه | ويرى وجودَ الآخرين فضولا".اهـ |
وانظر إلى السلف:"عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - "فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث ولا مفت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا"([22]) وانظر الى قول عنترة :
| إنا إذا احمرّ الوغى نروي القنا | ونعف عند تقاسم الأنفال([23]) |
وإليك هذا التنازل فهو تنازل ليس عن كرسى و إنما هو تنازل عن السكنى في هذه الدنيا إنه تنازل حتى الموت:
"قال حذيفة العدوي انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي ومعي شيء من ماء وأنا أقول إن كان به رمق سقيته ومسحت به وجهه فإذا أنا به فقلت أسقيك فأشار إلي أن نعم فإذا رجل يقول آه فأشار ابن عمي إلي أن انطلق به إليه فجئته فإذا هو هشام بن العاص فقلت أسقيك فسمع به آخر فقال آه فأشار هشام انطلق به إليه فجئته فإذا هو قد مات فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات رحمة الله عليهم أجمعين"([24])
الأصل الرابع :" إنه اختلاف التنوع"
إخوانى الأفاضل إذا لم يستجب أحد المرشحين للتنازل للآخر ظنا منه أنه يخدم الدين ويدافع عنه أكثر من غيره فالواجب إذًا ألا يكون الاختيار سببا لفرقة المسلمين وشق صفهم بل يدخل هذا الاختيار تحت اختلاف التنوع فمن اختار زيدا لايعادي من اختار عمرا فلربما ظهر لى محاسن في زيد لم تظهر في عمرو والعكس لربما ظهر لك محاسن في عمرو لم تظهر في زيد. فلا تنافر و لا تقاذف بالتهم والمناكر بل تعاون و تضامن..
| فبِالسَّاعِدَيْنِ تَبْطِشُ الكَفَّانِ | وهَلْ يَنْهَضُ البازِي بِغَيْرِ جَنَاحٍ |
قال ابن تيمية :
"ولهذا كان أبو بكر الصديق رضى الله عنه يؤثر استنابة خالد وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يؤثر عزل خالد واستنابة أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه لأن خالدا كان شديدا كعمر بن الخطاب وأبا عبيدة كان لينا كأبى بكر وكان الأصلح لكل منهما أن يولى من ولاه ليكون أمره معتدلا"([25])
و يقول أيضا بصورة أوضح :
"وأما الاختلاف في " الأحكام " فأكثر من أن ينضبط ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة، ولقد كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما سيدا المسلمين يتنازعان في أشياء لا يقصدان إلا الخير وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوم بني قريظة : { لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فأدركتهم العصر في الطريق فقال قوم : لا نصلي إلا في بني قريظة وفاتتهم العصر . وقال قوم : لم يرد منا تأخير الصلاة فصلوا في الطريق فلم يعب واحدا من الطائفتين } . أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن عمر . وهذا وإن كان في الأحكام فما لم يكن من الأصول المهمة فهو ملحق بالأحكام" ([26])
"قال أحمد بن حفص السعدي: قال أحمد بن حنبل وأنا حاضر: لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق، وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم تزل يخالف بعضهم بعضا"ً([27])
الأصل الخامس : "أبدعوى الجاهلية"
نحن لا نريد أن يكون يوم الانتخابات يوم تصفية حسابات ولا ينادى فيه بدعوى الجاهلية مثلما نادت الأوس يا للأوس و الخزرج يا للخزرج و انضم كل فريق لصحبه و صار كل فريق في إعداد الأهبة وانشق الصف و"كادت – هذه الدعوى - ترد المسلمين إلى كفار يضرب بعضهم رقاب بعض. وتقطع بينهم حبل اللّه المتين ، الذي يتآخون فيه مجتمعين. "([28]). لولا أن الرسول صلى الله عليه و سلم ردهم إلى المنهج الحق فعادوا يتعانقون ويبكون . فلا تعصب ولا تحزب ممقوت يفرق الصف ويقسم الكلمة ويوقع الفتنة .
قال شيخ الاسلام ابن تيمية :
"وأما " رأس الحزب " فإنه رأس الطائفة التي تتحزب أي تصير حزبا فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان فهم مؤمنون لهم ما لهم وعليهم ما عليهم . وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم سواء كان على الحق أوالباطل فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله فإن الله ورسوله أمرا بالجماعة والائتلاف ونهيا عن التفرقة والاختلاف وأمرا بالتعاون على البر والتقوى ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان"([29]).
"ثم.. ما حقيقة هذا «الانتماء»،" لجماعة او حزب او شيخ " عندما يتعارض معالانتماء المعقود في السماء؟ وما قيمة ذلك «الفكر» الذي لا ينطلق من الفقه القرآنيوالهدى الرسولي عندما يدعو ذلك الفكر إلى قطيعة وجدانية بين المؤمنين الذين «تتكافأدماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على منسواهم»([30])
"فيجب على كلِّ أحدٍ أن يُعَظِّمَ أهلَ التقوى والحق ويكونَ معهم، سواء كانوا من طائفته أو لم يكونوا، ويَقصِدَ أن يكونَ الدينُ لله لا لمخلوقٍ ، فإذا فُضِّل هؤلاء على هؤلاء لم يكن مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، بل يَسعَى بينهم بالعدل والإصلاح"([31]) لئلا تشوبوا أعمالكم الدينية بالأعراض الدنيوية.
الأصل السادس : "يتولى الأنفع"
وهذا الأمر من أهم النصائح و أنفع القواعد و هو أن يتولى الأمر الأنفع و يقدم على الأفضل كما قرره العلماء من سيرة النبى صلى الله عليه وسلم بشرط أن يكون هذا الأنفع من أهل الصلاح ليس من أهل الفساد و الإفساد، يقول الإمام بن القيم رحمه الله تعالى :
"وسئل- أي أحمد بن حنبل رحمه الله " عن رجلين أحدهما أنكى في العدو مع شربه الخمر والآخر أدين فقال يُغزا مع الأنكى في العدو لأنه أنفع للمسلمين، وبهذا مضت سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم "فإنه كان يولي الأنفع للمسلمين على من هو أفضل منه كما ولى خالد بن الوليد من حين أسلم على حروبه لنكايته في العدو وقدمه على بعض السابقين من المهاجرين والأنصار مثل عبد الرحمن بن عوف وسالم مولى أبي حذيفة وعبد الله ابن عمر وهؤلاء ممن أنفق من قبل الفتح وقاتل وهم أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا.
وخالد وكان ممن أنفق بعد الفتح وقاتل فإنه أسلم بعد صلح الحديبية هو وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة الحجي ثم إنه فعل مع بني جذيمة ما تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم منه - منه حين رفع يديه إلى السماء وقال اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ومع هذا فلم يعزله.
وكان أبو ذر من أسبق السابقين وقال له يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن علي اثنين ولا تولين مال يتيم وأمر عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل لأنه كان يقصد أخواله بني عذرة فعلم أنهم يطيعونه ما لا يطيعون غيره للقرابة وأيضا فلحسن سياسة عمرو وخبرته وذكائه ودهائه فإنه كان من أدهى العرب ودهاة العرب أربعة هو أحدهم"([32])
ثم قال في آخر هذا الفصل" والمقصود أن هديه صلى الله عليه و سلم - تولية الأنفع للمسلمين وإن كان غيره أفضل منه والحكم بما يظهر الحق ويوضحه إذا لم يكن هناك أقوى منه يعارضه فسيرته تولية الأنفع والحكم بالأظهر ولا يستطل هذا الفصل –عليكم - فإنه من أنفع فصول الكتاب"([33])
و لكن هذا الأنفع لا يكون علمانيا ولا ليبراليا ولا منافقا وإنما يكون من أهل الفضل والصلاح وإن لم يكن أفضلهم و أصلحهم فقد لا يقوى أفضلهم وأصلحهم على هذا المكان مثل أبي ذر رضى الله عنه .
قال شيخ الاسلام ابن تيمية موضحا هذا المعنى :
"ولا استعمل عمر قط ؛ بل ولا أبو بكر على المسلمين : منافقا ، ولا استعملا من أقاربهما، ولا كان تأخذهما في الله لومة لائم؛ بل لما قاتلا أهل الردة وأعادوهم إلى الإسلام منعوهم ركوب الخيل وحمل السلاح حتى تظهر صحة توبتهم، وكان عمر يقول لسعد بن أبي وقاص وهو أمير العراق : لا تستعمل أحدا منهم ، ولا تشاورهم في الحرب . فإنهم كانوا أمراء أكابر "([34])
وقبل أن نختم هذه الكلمة نضيف جزءا مهما يبين للعاملين في الصف كيف حرص اليهود والنصارى على بث دعوى الجاهلية بين المسلمين نقلا من مقال لسماحة الشيخ الدكتور ناصر العمر حفظه الله ([35]):
"وقد أدرك أعداء الإسلام من النصارى واليهود هذه الحقيقة، فكانت الخطوة الأولى التي قاموا بها من أجل السيطرة على بلاد الإسلام وجعلها تابعة ذليلة هي العمل على تفكيك وحدتهم عملاً بمشورة القساوسة ووصيتهم للساسة، ومن بعض أقوالهم في ذلك ما يلي([36]):
"1 - يقول القس سيمون:
إن الوحدة الإسلامية تجمع آمال الشعوب الإسلامية، وتساعد التملص من السيطرة الأوربية، والتبشير عامل مهم في كسر شوكة هذه الحركة، من أجل ذلك يجب أن نحوّل بالتبشير اتجاه المسلمين عن الوحدة الإسلامية.
2- ويقول المبشر لورنس براون:
إذا اتحد المسلمون في إمبراطورية عربية، أمكن أن يصبحوا لعنةً على العالم وخطراً، أو أمكن أن يصبحوا أيضاً نعمة له، أما إذا بقوا متفرقين، فإنهم يظلون حينئذ بلا وزن ولا تأثير.
ويكمل حديثه:
يجب أن يبقى العرب والمسلمون متفرقين، ليبقوا بلا قوة ولا تأثير.
أخيرا و قد وصلنا جميعا إلى نهاية هذه الكلمة فبالله عليكم لا تضيعوا علينا هذه الفترة التى قال الله تعالى في مثلها " {عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون} [الأعراف، الآية: 129] " و لعل هذه الأشهر الفارقة لا تعود إلينا بسهولة كما هى الآن فلا تضيعوها واحفظوها كي لا تضيع منا فننتظر ثلاثين سنة أخرى أو يزيد على الثلاثين!!
فرصة تأتي لنبحث خلالها سبل التعاون فنضيع جيلا كاملا كما ضاع من قبلنا ومن معنا لحسابات شخصية وأمال وهمية زرعها الشيطان وحزبه الخاسرون فلا تحدثوا في البلاد فتنة ومحنة وتظنوها منحة وحتى لا يعتزل الواقع السني قبل العامي فنخسر الجولة التي و هبها الله عباده و يومها فليْسَ إلا النّدَمُ إنْ نفَعَ وحينئذ يفرح المبطلون و يسود البلاد فساد مستطير وشر عظيم يتمنى فيه الواحد منا لو أن الجولة عادت و يتولى أدنى الناس مقاليد الأمور فها هي ذا موجودة ولله الحمد فغدًا قد تصير بسببنا مفقودة.
أيها الإخوة أنتم أولياء بعض في الدنيا والأخرة " فهذا طريق الموازنة والمعادلة ومن سلكه كان قائما بالقسط الذي أنزل الله له الكتاب والميزان "([37]).
و الحمد لله رب العالمين و صلى الله على محمد و على آله و صحبه وسلم
([1]) فى ظلال القرآن- (3 / 1241) بتصرف يسير.
([2]) صحيح مسلم ـ (6 / 47).
([3]) هذه الجملة من كلام لابن الجوزي رحمه الله .
([4]) نقلا من كتاب الشيخ سيد حسين العفانى " تعطير الانفاس من حديث الاخلاص "
([5]) الكشكول (2 / 51)
([6]) العقد الفريد (1 / 334)
([7]) صحيح مسلم (8 / 214)، مسند أحمد بن حنبل (1/168)، مسند أبي يعلى (2 / 93) .
([8]) سير أعلام النبلاء، تحقيق الأرنؤوط (1 / 88)
([9]) سير أعلام النبلاء، تحقيق الأرنؤوط (1 / 86)
([10]) حلية الأولياء 430 - (5 / 165).
([11]) سورة الأنفال،آية: 46.
([12]) سورة آل عمران، آية: 103.
([13]) مجموع الفتاوى (22 / 358)
([14]) هذا الكلام من كتاب بعنوان ( فقه الوفاق متى نحييه ) للشيخ الفاضل الدكتور / عبد العزيز مصطفى كامل.
([15]) العقد الفريد (1/232)
([16]) سير أعلام النبلاء، تحقيق الأرنؤوط (3/50).
([17]) مجموع الفتاوى (28 /52).
([18]) مجموع الفتاوى (3 / 288).
([19]) هذه الجملة من كتاب الدكتور عبد العزيز كامل " فقه الوفاق متى نحييه "
([20]) الكشكول (2/87).
([21]) البداية والنهاية (7 / 164).
([22]) إعلام الموقعين (1/34).
([23]) تفسير القرطبي (7/362).
([24]) إحياء علوم الدين ومعه تخريج الحافظ العراقي (4/472)، ونصب الراية (2/318)، وشعب الإيمان (5/143).
([25]) مجموع الفتاوى (28/257).
([26]) مجموع الفتاوى (24/173(.
([27]) تاريخ الإسلام للإمام الذهبي (17/84).
([28]) في ظلال القرآن (1/443)
([29]) مجموع الفتاوى (11/92).
([30]) من كتاب للدكتور عبد العزيز كامل " فقه الوفاق متى نحييه" .
([31]) جامع المسائل لابن تيمية، عزير شمس (4/234)
([32]) إعلام الموقعين (1/106).
([33]) إعلام الموقعين (1/107).
([34]) مجموع الفتاوى (35/65).
([35]) مقال للشيخ الدكتور ناصر العمر حفظه الله بعنوان "الاختلاف فى العمل الاسلامى الاسباب والاثار" .
([36]) مستقاة من كتاب: قادة الغرب يقولون دمروا الإسلام أبيدوا أهله.
([37]) هذه الجملة من كلام لشيخ الاسلام بن تيمية رحمه الله .