الصدام بين السلطة والإخوان.. مقاربة تاريخية
حسن الرشيدي
مفكرة الإسلام : فقد توالت الأحداث منذ الفوز المتميز الذي حققته جماعة الإخوان المسلمين في انتخابات مجلس الشعب عام 2005 بفوزها بنسبة 20% من مقاعد المجلس رغم التدخلات الأمنية والإدارية والتي حرمتها من 40 مقعد إضافة للمقاعد التي حصلت عليها وهي 88 مقعد. تلا ذلك حملة أمنية مكثفة تجاه جماعة الإخوان ظلت تتصاعد عبر عام 2006 ووصلت لذروتها في نهاية عام 2006 بالقبض على النائب الثاني للمرشد العام خيرت الشاطر ورفاقه ثم مجموعات أخرى كان على رأسها عضو مكتب الإرشاد محمد على بشر وعضو المكتب محمود عزلان.
ولازالت الضربات الأمنية تجاه قيادات الإخوان وكوادرها متواصلة بمستويات مختلفة من الشدة.
و يبقى السؤال الأهم لماذا تم توجيه هذه الضربة للإخوان المسلمين في مصر ؟
بمقاربة تاريخية حاولنا استخلاص القوانين والسنن التي تميزت بها الصدامات السابقة بين الحكومة المصرية وجماعة الإخوان المسلمين وطبقنا هذه القوانين أو ما يصلح منها على الواقع الحاضر للصدام الحالي لكي يتبين لنا جزء كبير من صورة الصراع الحالي.
بدأ نشاط الإخوان المسلمون في مصر كحركة جامعة شاملة تعنى بالإصلاح الاجتماعي والسياسي. أسسها حسن البنا عام 1928 في مدينة الإسماعيلية وما لبثت أن انتقلت إلى القاهرة.
تنوعت العلاقة بين الحكومات المتعاقبة والإخوان بين التحالف والتعاون إلى الفتور والتصادم ولم تخرج هذه العلاقات عن هذه الأطوار.
بلغت فترات التصادم بين الحكومات و جماعة الإخوان ما يقرب من ست تصادمات كبيرة :
أولاهما: كانت في عهد الملكية عام 1948 : حيث صدر القرار بحل الجماعة وقبل إذاعة هذا القرار كانت الشرطة قد حاصرت جميع شعب الإخوان واستولت على جميع ممتلكاتهم في أنحاء بلاد القطر المصري. وفي نفس الوقت تم القبض على الآلاف من الإخوان حتى تجاوز المقبوض عليهم الخمسين ألفا وبعدها اغتيل رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي ثم اغتيل مؤسس الجماعة الشيخ حسن البنا واتسعت دائرة الاعتقال لتضم أعدادا أكثر من الإخوان في أرجاء المملكة المصرية.
أما الصدام الكبير الثاني فكان في عام 1954 عندما اصطدم جمال عبد الناصر بالإخوان صداما شديدا نتيجة لمطالبة الإخوان لضباط الثورة العودة للثكنات وإعادة الحياة النيابية للبلاد مما أدى إلى اعتقالهم بتهمة التآمر لقلب نظام الحكم وتم إعدام عدد من قيادات الجماعة المؤثرة مثل الدكتور عبد القادر عودة وهو فقيه دستوري وأستاذ جامعي. كما تم إعدام الشيخ محمد فرغلي وهو من علماء الأزهر وقد رشح ليكون شيخاً للأزهر في فترة حكم جمال عبد الناصر ولكنه رفض. ووفقاً للأرقام الرسمية فإن 55 من الإخوان المسلمين لقوا حتفهم في تلك الاعتقالات غير المفقودين.
والصدام الثالث في عام 1965 حيث قام جمال عبد الناصر باعتقال من تم الإفراج عنهم من الإخوان مرة أخرى وبالأخص سيد قطب وغيرهم من قيادات الإخوان بدعوي اكتشاف مؤامرتهم لاغتياله وأعدم سيد قطب في عام 1966 ومعه خمسة من قيادات الإخوان وذاق الإخوان خلال تلك الفترة أنواع من التنكيل والتعذيب داخل السجون مما أدى إلى مقتل ما يقرب من 350 إخواني جراء التعذيب. وكانت مصر تخضع للحكم الشمولي وقتها.
وفي عام 1981 اعتقل السادات مرشد الإخوان عمر التلمساني والمئات من كوادر الإخوان في خضم ضربة قوية من الحكومة لجميع فصائل العمل الإسلامي والمعارضة العلمانية والأقباط إثر تصاعد التوتر في مصر في أعقاب إبرام مصر اتفاقية ما يعرف بالسلام مع إسرائيل وقتل في أثناء الاعتقال نتيجة للتعذيب أحد قيادات الإخوان.
وفي عام 1992 وفي القضية التي اشتهرت بسلسبيل والتي اتهم فيها الإخوان المسلمون بمحاولة قلب نظام الحكم بالكمبيوتر حيث خزنت الجماعة خططها المستقبلية و الحالية على قرص سي دي وفي مداهمة الأمن لمقر الشركة وقع في أيديهم هذا القرص الذي كان يحوي هذه الخطط وتم وضع حد لأنشطة الجماعة وتوغلها داخل النقابات ووصل الأمر إلى إحالة كثير من قياداتها للمحاكم العسكرية.
وبالاستعراض السريع لتاريخ الصدامات السابقة بين الحكومة والإخوان نجد أنها تمتعت بعدة خصائص أهمها:
· أن الصدام يبدأ في نقطة ذروة من القوة عند الجماعة نجد ذلك عام 1948 فقد وصلت تقديرات بعض الإخوان أن عدد المتعاطفين مع الإخوان وصل في تلك الأوقات إلى ما يزيد عن المليون ممن يحملون كارنيهات الجماعة كما أن النظام الخاص قد مد أذرعا عديدة داخل الشرطة والجيش المصري و تسلح أفراده وتدربوا تدريبات عسكرية جيدة وفي عام 1954 عادت الجماعة بقوة بعد الضربة في العصر الملكي وتحالفها مع الضباط الأحرار ونجحت بمظاهرات عابدين في إرغام عبد الناصر على إخراج قيادات الجماعة من السجون والذهاب إلى الهضيبي للاعتذار أما في ضربة 1965 فكانت الجماعة قد بدأت في استعادة قوتها وتشكيل قيادة جديدة لها واستقطاب الكوادر القديمة للجماعة وكانت حركتها بعيدة عن الأضواء ويذكر المؤرخون لهذه الفترة أن أحد قيادات التنظيم وربما كان محور الجماعة في ذلك الوقت الشيخ عبد الفتاح إسماعيل كان يصلي الصلوات الخمس في خمس محافظات سعيا منه لتجميع الإخوان واستقطابهم. وفي عام 1981 بلغت قوة الجماعة مبلغا في التغلغل من جديد في المجتمع بعد تغاضي الحكومة عن نشاطها مبلغًا لدرجة أن مرشد الإخوان المسلمين حينذاك الأستاذ عمر التلمساني وجه تهديدًا للحكومة بتسيير مظاهرات للضغط على الحكومة لوقف قمع كان باديا في الأفق وفي أحداث 1992 كانت الجماعة ملء السمع والبصر فقد توغلت في النقابات المهنية وسيطرت على مجالس إداراتها ودانت لها الاتحادات الطلابية على مستوى الدولة ودخلت مجلس الشعب المصري وحصلت على مقاعد لا بأس بها حتى عد كثير من المراقبين أن الجماعة على وشك الإمساك بزمام الأمور في البلد.
· قبل الصدام وأثناءه يتصاعد الجدل الداخلي والخلافات داخل الجماعة حول المنهجية الحركية والتوجهات الفكرية والممارسات التنظيمية فحتى عام 1948 ظهرت الخلافات على حدة محاور منها انشقاق أحمد السكري نائب البنا ورفيق دربه منذ بداية الجماعة وتشنيعه على الجماعة في صحف الوفد ومنها أيضا بوادر تمرد النظام الخاص للجماعة وإقدامه على تنفيذ عمليات قبل موافقة البنا ومنها تناثر الإشاعات حول عبد الحكيم عابدين أحد قيادات الإخوان وزوج أخت البنا مما أدى إلى استقالات لأعضاء في مكتب الإرشاد وبلغت هذه الخلافات أوجهها حين نقل عن حسن البنا أنه يريد تفكيك الجماعة وإعادة تشكيلها من جديد على أسس جديدة. وفي عام 1954 وإزاء الموقف من عبد الناصر انقسمت الجماعة إلى ثلاثة فرق متناحرة و بلغت التشرذم مبلغه إلى درجة اقتحام المركز العام لجماعة الإخوان من فريق من الفرق المتخاصمة واتهام أحد المجموعات المنشقة باغتيال أحد قيادات الفرقة الأخرى وفي عام 1965 وقبل الضربة الحكومية ظهرت بوادر الخلافات بين المجموعة القيادية القديمة حول ضرورة الكمون في هذه المرحلة وبين القيادات الشابة الجدية التي تريد إعادة تجميع الجماعة من جديد وتطور هذا الأمر بعد وقوع الصدام مع السلطة ووصلت إلى مرحلة جديدة من الخلافات الفكرية حول الحاكمية وتكفير المجتمع وخلافه. وفي عام 1981 لم يكن هناك وقتا كافيا لظهور الخلافات أما في 1991 فقد ظهر حزب الوسط والذي قاده أبو العلا ماضي حيث يقول السبب الحقيقي للانفصال عن الإخوان المسلمين هو أننا وصلنا معهم إلى طريق مسدود في محاولة التطوير والإصلاح فقررنا أن نخوض تجربتنا بشكل مستقل وقد بلغت هذا الانشقاق مداه في تخيير قيادة الجماعة لأفرادها في الانضمام لحزب الوسط فمن قبل الانضمام له فقد ترك الجماعة وهكذا.
· أن هذه الصدامات تحدث في أعقاب توافق نسبي مع السلطة قد يصل في بعض الأحيان إلى التحالف السري أو العلني فقبل صدام 1948 كانت علاقة الملك بالإخوان جيدة نظرا لخلاف الطرفين الجذري مع حزب الوفد وعدها بعض المؤرخين بأنها علاقة تحالف عندما تولى إسماعيل صدقي باشا الوزارة عام 1946.. وسط غليان الحركة الوطنية المصرية بالرفض. كان أول ما قام به صدقي باشا زيارة مقر جماعة الإخوان المسلمين في الحلمية الجديدة ووقف أحد قادة الإخوان في الجامعة يهنئ جلاد الشعب إسماعيل صدقي بتولي الوزارة ويقول: واذكر في الكتاب إسماعيل انه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا على نحو ما يروي طارق البشري وفي مذكرات الملك السابق فاروق يتضح أن مخططه كان تشجيع نمو حركة الإخوان لكي يضرب بهم حركة الوفد واليسار وبالتالي إحداث انقسام في معسكر القوى الشعبية وأضعافه وكان فاروق يحدث مستشاريه بان الإخوان هم الهيئة الوحيدة التي يمكنها أن تنافس الوفد على الصعيد الشعبي وفي عام 1954 كان الضباط الأحرار في الأصل فكرة إخوانية وفي روايات أن الثورة تم إرجاء تنفيذها يوما واحدا حتى يتسنى إبلاغ المرشد العام للإخوان حينئذ حسن الهضيبي المتواجد في الإسكندرية وقبل عام 1981 أخرج السادات الإخوان من المعتقلات وحدثت لقاءات بينه وبين عمر التلمساني مرشد الإخوان في ذلك الأوقات ولا يزال وزير الداخلية في ذلك الوقت النبوي إسماعيل يردد أنه كان دائما يتصل بالتلمساني للعمل على تهدئة الشباب في المظاهرات والصدامات وقبل ضربة التسعينات سمحت الحكومة للإخوان بالدخول لمجلس الشعب في الثمانينات مرتين متتاليتين و في آخر مرة رشح الإخوان مبارك لدورة رئاسية بالرغم من امتناع حزب الوفد عن هذا الترشيح .
· العامل الخارجي موجود بقوة في جميع أنواع الصدام: ففي العاشر من شهر نوفمبر عام 1948 اجتمع سفراء إنجلترا وأمريكا وفرنسا في فايد وقرروا اتخاذ الإجراءات اللازمة بواسطة السفارة البريطانية لحل جمعية الإخوان المسلمين وأرسلت هذه الإفادة إلى رئيس المخابرات وبعد ذلك بأقل من شهر صدر الأمر العسكري بحل جمعية الإخوان المسلمين وجميع شعبها .و كانت السفارة البريطانية في القاهرة قبلها تحاول أن تجس نبض الإخوان لسبر غور الجماعة أما في عام 1954 فكما يقول محمد قطب قدم جونستون المندوب الخاص للرئيس أيزنهاور في الشرق الأوسط المكلف ببحث القضية الفلسطينية تقريرا للرئيس أيزنهاور عن الحل الأمثل للقضية. بعد أن جال خلال المنطقة وقابل العرب واليهود ثم قدم تقريرا مفصلاً مبنيًا على ثلاث نقاط رئيسية منها تقسيم مياه نهر الأردن بين العرب واليهود ومنه تحديد حدود ولو مؤقتة بين إسرائيل والبلاد العربية - تحدد نهائيا فيما بعد. أما النقطة الأخيرة فهي جلوس العرب واليهود على مائدة مستديرة لحل هذه الخلافات.
وفي الجملة الختامية التي ختم بها جونستون تقريره على هذا النحو: ولكن طالما أن جماعة الإخوان المسلمين وهى جماعة قوية مسلحة متعصبة يبلغ تعدادها حوالي المليون في مصر والبلاد العربية الأخرى.. طالما أن هذه الجماعة باقية بقوتها فلن يمكن تنفيذ هذا الحل ولن تستقر الأمور في الشرق الأوسط ورفع التقرير في يونيو 1954 إلى الرئيس أيزنهاور فوافق عليه وأعطيت الإشارة لجمال عبد الناصر للتنفيذ ولقد قالت إحدى الصحف البريطانية أيام العدوان الثلاثي عام 1956م لقد أيدنا جمال عبد الناصر حين قام بحركته عام 1952، على أساس أنه أتاتورك جديد قوى جاء ليحارب الشيوعية برفع مستوى المعيشة، ويقر السلام في الشرق الأوسط بالصلح مع إسرائيل. ولكنه اختار الحرب على السلام. ونحن مستاءون منه من أجل ذلك. ولكن ينبغي ألا ننسى أنه هو الذي سحق الإخوان المسلمين المتعصبين. وقالت أنديرا غاندى في حديث صحفي لها مع إحدى المجلات الأمريكية عام 1968: إننا نحب جمال عبد الناصر ونؤيده لأنه قضى على الإخوان المسلمين المتعصبين وفي عام 1965 نشرت صحيفة أمريكية تقريرا عن كتاب معالم في الطريق انتقدت فيه الكتاب وفي أعقابه قامت الحكومة المصرية بحملة شرسة ضد سيد قطب والإخوان. وفي عام 1981 كان الضغط الإسرائيلي والأمريكي على السادات ضد المعارضة الإسلامية واضحا وهذا ما اعترف به المقربون منه حتى أن مسألة الانسحاب من سيناء ما كانت أن تتم لولا سجنه للقيادات الإسلامية ومنهم قيادات الإخوان.
و لكن هل هذه العوامل ما زالت مجتمعة في الضربة الأخيرة لجماعة الإخوان المسلمين؟ هذا ما سنتكلم عنه في موضوع قادم بإذن الله .