قراءة في أسباب فشل المشروع الاستعماري الأمريكي

جمال الدرواني
مفكرة الإسلام: لم يواجه المشروع الاستعماري الأمريكي صعوبات في تاريخه الحديث والمعاصر بقدر ما يواجهه في تلك اللحظة، بحيث توزعت مفردات الفشل بين أفغانستان والعراق ولبنان وفلسطين بل وفي الداخل الأمريكي حيث يتنازع لصوص وأمراء الحرب على العراق، حول الرجل الذي يجب تقديمه "كبش فداء" للرأي العام الأمريكي.
توصيفات الفشل التي تعددت مظاهرها وامتدت آثارها على الخريطة العالمية، سبقتها نبوءات من الداخل الأمريكي نفسه تتحدث عن عالم جديد خال من الهيمنة الأمريكية، ويكفي أن نشير هنا إلى ما نشرته مجلة "فورين أفيرز" الإستراتيجية الأمريكية في عددها الصادر في شهر نوفمبر الماضي بأن الهيمنة الأمريكية على الشرق الأوسط انتهت وبدأ عهد جديد في هذه المنطقة.
ففي مقالة له بعنوان "الشرق الأوسط الجديد" كتب ريتشارد هاس مستشار وزير الخارجية السابق كولن باول ورئيس مجلس العلاقات الخارجية المؤثر في السياسة الأمريكية: إن الحلم الأمريكي بشرق أوسط شبيه بأوروبا (مسالم ومزدهر وديمقراطي) لن يتحقق أبدًا.
قراءة في العقل النفعي الأمريكي
أي أمة من الأمم يرتبط نجاح أي مشروع لها بعدة أمور أساسية:
أولهما: العقيدة التي يُبنى عليها هذا المشروع.
ثانيهما: عوائد هذا المشروع (سياسية ـ اقتصادية ـ ثقافية ـ دينية .. إلخ.
ثالثها: التكلفة أو الثمن المدفوع مقابل تحقيق هذا المشروع.
وإذا كانت العلاقة بين التكلفة والعوائد هي علاقة عكسية، إذا زادت إحداهما نقصت الأخرى، فإن العلاقة بين العقيدة والتكلفة هي في الأساس علاقة طردية، فكلما ارتكز المشروع (استعماري أو غيره) على عقيدة ثابتة كانت فرص نجاحه أكبر.
وبالنظر إلى العقلية والعقيدة الأمريكية نجد أنها تستمد خصوصيتها في بناء مشاريعها الغربية من تلك الفلسفة والرؤية التي قامت عليها أصلاً أمريكا والتي حملها المهاجرون البيض إلى سواحل "العام سام" إثر حركة الكشوفات الجغرافية في نهايات القرن الخامس عشر.
فبعد أن حطت سفن المغامر الإسباني "كريستوفر كولمبس" إلى العالم الجديد في عام 1492 وبدأت على إثرها وفود المهاجرين في الوصول إلى أمريكا، تم وضع ما يمكن تسميته بـ"عقد اجتماعي" جديد، جعل "الثروة" وليس العائلة أو التقاليد هي العامل الحاسم في التصنيف الاجتماعي.
وبدلاً من أفكار العصور الوسطى الأرستقراطية التي كانت تنظر إلى التجارة والأعمال نظرة دونية، أحضر المهاجرون الإنجليز الأوائل شكل جديد من الروح البرجوازية المصبوغة بصبغة بروتستانتية تم التعبير عن اقتصاديا على لسان جون سميث (أحد المهاجرين الأوائل) بمقولته الشهيرة: "من لا يعمل، لا يأكل!"...
هذه الثقافة النفعية عبرت عن نفسها في مختلف الميادين والأنشطة التي شهدتها الدولة الوليدة والتي امتدت من التجارة حتى الألعاب الترفيهية ويكفي أن نشير هنا إلى سر شغف الأمريكيين بلعبة البيسبول وتفضيلها عن كرة القدم رغم أن الاثنين ظهرًا من الناحية التاريخية في أوقات متقاربة إلا أن المهاجرين الأوائل في الولايات المتحدة رحبوا بالبيسبول ونبذوا كرة القدم. ومرد هذا الأمر يكمن في أن كرة القدم تسمح لأحد الفريقين أن يدافع كل الوقت ويخرج منتصرًا في النهاية. كما أن المباراة يمكن أن تنتهي بالتعادل السلبي بدون أهداف، وفي أحسن الأحوال تسجيل هدفين أو ثلاثة على الأكثر، وهذا ما يرفضه العقل الأمريكي الذي تعود على الحسابات الوفيرة وروح المغامرة التي كانت السبب الرئيس في خروج الولايات المتحدة إلى النور.
وبما أن قانون البيسبول ينص على ضرورة خروج أحد الفريقين منتصرًا في النهاية، وبعدد وافر من الأهداف.. فإن الشخصية الأمريكية الرأسمالية انحازت بداية إلى تلك اللعبة على حساب كرة القدم.
وهو الأمر الذي اكتشفه المؤرخ والمفكر الفرنسي "جاك بارزون" بعد استقراره في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1954، ليخرج بنتيجة هامة مفادها "يتعين على كل من يريد فهم عقل أمريكا وقلبها أن يتعلم لعبة البيسبول".
إذن فالعقيدة الأمريكية "نفعية" في الأساس حتى ولو تدثرت بمقولات اليمين المسيحي المتطرف، وآيات التوراة والإنجيل فبقدر ما يحقق المشروع من مكاسب مادية أو إستراتيجية بقدر ما يحظى بدعم الناخب الأمريكي والعكس صحيح، دون الالتفات كثيرًا لصيغة وعبارات الحروب الصليبية.
وبالنظر إلى المشروع الاستعماري الأمريكي الذي أعلنت "فورين أفيرز" نهايته وفشله، فإن المقولات التي بني عليها هذا المشروع ارتكزت على عدة أمور:
أولها استراتيجي مكون من حزمة أهداف متنوعة ( تأمين منابع النفط، توجيه ضربات وقائية للقاعدة، تطويق المشروع النووي الإيراني، .. إلخ)
ثانيهما اقتصادي: التحكم في أسعار الطاقة العالمية من خلال السيطرة على أهم مصادر النفط والطاقة في العالم.
ثالثهما: ديني يقوم على مقولات وأطروحات دينية تقوم على نشر فوضى كبيرة في منطقة الشرق الأوسط تمهد لظهور المسيح المخلص الذي يقوم ببناء مملكته في أورشليم وتخليص أتباعه بعد معركة هرمجدون الكبرى .
وبعيدًا عن المكاسب الإستراتيجية فإن الهدف الاقتصادي من المشروع ثبت فشله بعد أن حافظت أسعار النفط على ارتفاعها بل وتجاوزت عتبة الـ 70 دولارًا للبرميل أثناء العدوان الصهيوني الأخير على لبنان.
أما فيما يتعلق بالجانب الديني فكما أفردنا سابقًا فإن العقلية النفعية الأمريكية بنيت في الأساس على علاقات الربح والخسارة، جنبًا إلى جنب مع مقولات الإنجيل والتوراة التي لها أيضًا تأثيرها في العقل الأمريكي لكنه تأثير يتوارى ويختفي إذا عجزت الآلة الأمريكية في تحقيق مكاسب مادية ملموسة يشعر بها الناخب الأمريكي.
وهذا ما عبر عنه القس "فريتس ريتسش" في مقاله بجريدة واشنطن بوست عنوانها "عن الرب والإنسان في المكتب البيضاوي" بالقول: "إن أغلب المصلين الذين يحضرون إلى كنيستي الصغيرة لا يعتبرون أنفسهم، ولا يعتبرون الأمة الأمريكية، مجموعة من القديسين"... وهم "ليسوا مستيقنين من الورع الأمريكي" الذي يتحدث عنه جورج بوش. وهم "يرون أن انتصارنا على صدام حسين ليس دليلاً كافيًا على فضيلتنا أمام الناس ولا أمام الله".
تجليات فشل المشروع الأمريكي
إذا تنازع اللصان ظهر المسروق تصدق هذه المقولة على الحالة الأمريكية الراهنة حيث تتبادل الاتهامات بين أقطاب الإدارة الأمريكية بشأن كبش الفداء الذي يجب تقديمه عزاءً للشعب الأمريكي الذي سيق وراء حرب شعواء ضد العراق بزعم امتلاك الأخير لأسلحة دمار شامل.
صحيفة الفاينانشال تايمز في عددها الصادر بتاريخ السبت 28 أبريل 2007 خرجت بمانشيت رئيس عنوانه "تينيت يوجه أصابع الاتهام إلى تشيني" حيث أوضح مراسل الصحيفة في واشنطن أن جورج تينيت المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي أي إيه) اتهم نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني بأنه اتخذه "كبش فداء" لمواجهة الفشل الاستخباري بخصوص الافتراض بأن العراق كان يملك أسلحة دمار شامل قبل الغزو.
خارجيًا وبداية من العراق فإن أحدث التقارير العسكرية تشير إلى أن شعبية تنظيم القاعدة تتزايد بينما القوات الأمريكية غير قادرة على هزيمة المقاومة في الأنبار.
هذا ما كشفته صحيفة واشنطن بوست في عددها الصادر بتاريخ 28 نوفمبر 2006 نقلاً عن تقرير استخباري سري لقوات المارينز أوضح أن القوات الأمريكية لا تستطيع القضاء على المقاومة في غرب العراق، كما لا تستطيع الحد من الشعبية المتزايدة لتنظيم القاعدة في المنطقة.
وطبقًا للتقرير فإن "الوضع الاجتماعي والسياسي تدهور إلى درجة" أن القوات الأمريكية والعراقية "لم تعد قادرة عسكريًا على هزيمة المقاومة في الأنبار".
وفيما يتعلق بتوجيه ضربات استباقية لتنظيم القاعدة، فإن التقارير الواردة من أفغانستان التي شهدت تدشين المشروع الاستعماري في المنطقة تشير إلى نفوذ حركة طالبان والقاعدة أخذ في الصعود هناك بعكس ما كان متصورًا عند بدء الحملة العسكرية في خريف 2001.
ففي تقرير لها بتاريخ 8 أبريل 2007 نشرت صحيفة الاندبندنت البريطانية تقريرًا بعنوان "أعيدوا إلينا طالبان، هذا ما يقوله الناس العاديون".
حيث أوضح كاتب التقرير، كريس ساندز أن عجز قوات الناتو عن توفير الأمن ودفع عجلة التنمية وزيادة عدد الضحايا من المدنيين في الاشتباكات بين طالبان والقوات الغربية أدى إلى فقدان الدعم للقوات الغربية في أوساط السكان هناك.
وفي مقابل الفشل الأمريكي فإن حركة طالبان زادت من هجماتها العسكرية ضد قوات الاحتلال المتعددة الجنسيات.
ففي عام 2006 فقط شن مقاتلو طالبان هجمات هي الأعنف في غضون 5 سنوات. ووفقا للإحصاء الرسمي الوارد من الجانب العسكري الأمريكي, شنت طالبان ومسلحون معارضون آخرون للحكومة الأفغانية التي يقودها حامد كرزاي أكثر من 4500 هجمة مباشرة على قوات الحكومة والقوات الأجنبية في أفغانستان, وذلك يعادل ثلاثة أضعاف ما كانت عليه في عام 2005. وذلك بحسب ما أوردته صحيفة الشعب الصينية في عددها الصادر بتاريخ 7 فبراير 2007 نقلاً عن وكالة أنباء الصين الجديدة.
ومن أفغانستان إلى إيران حيث المشروع النووي الذي يثير قلق الغرب، فإنه وبعد فشل المشروع الأمريكي في العراق تبدو واشنطن عاجزة أكثر من أي وقت مضى في التلويح بخيار الحرب العسكرية خاصة وأنها لم تخرج بعد من الوحل والمستنقع العراقي بحيث لم يعد لها من خيار سوى الدبلوماسية.