معركة فيينا
20 صفر 937هـ ـ 22/10/1530م
مفكرة الإسلام : كان عهد السلطان سليمان القانوني يمثل ذروة المجد العثماني، فهو بحق العصر الذهبي للدولة الإسلامية العثمانية، فلقد اتسعت الدولة العثمانية حتى شملت أقاليم في ثلاث قارات عالمية، وفي نفس الوقت كانت أوروبا تعاني من صراعات خطيرة على الصعيد السياسي والديني، فلقد كان هناك صراع كبير بين ملك فرنسا «فرانسوا الأول» والملك «شارلكان» ملك الإمبراطورية الرومانية المقدسة على عرش هذه الإمبراطورية الرومانية، وكان البابا «ليو العاشر» منافسًا للراهب الألماني «مارتن لوثر» زعيم الطائفة البروتستانتية، وكانت بلجراد تعاني اضطرابات داخلية بسبب صغر سن ملكها «لويس الثاني» وتنازع الأمراء على الوصاية عليه.
أراد «فرانسوا» الاستفادة من قوة العثمانيين، فعرض التحالف على «سليمان القانوني» ووافق سليمان من باب شق الصف الأوروبي ومحاربة أشد ملوك أوروبا عداوة للإسلام والمسلمين «شارلكان»، واتفق الرجلان على مهاجمة ملك المجر «فيلاديسلاف الثاني» الذي نقض عهوده مع الدولة العثمانية وقتل سفير السلطان «سليمان» إليه، وكانت المجر أيضًا تابعة لإمبراطور الدولة الرومانية «شارلكان».
قاد «سليمان» مائة ألف مقاتل إضافة إلى ثمانمائة سفينة انطلقت من نهر الدانوب وفتح بلاد المجر وعين أمير تراتسلفانيا «جزء من رومانيا اليوم» «جان زابولي» ملكًا على المجر، ثم عاد إلى إستانبول، ولكن حدثت اضطرابات بالمجر بتحريض من «شارلكان» فعاد إليها سليمان مرة أخرى وحارب الأمير «فرديناند» المتغلب على حكم المجر، وهو بالمناسبة الأخ الشقيق لشارلكان وانتصر عليه، ففر «فرديناند» واحتمى بأسرة «الهابسيرج» وهي الأسرة الحاكمة بالنمسا.
قرر «سليمان» أن يفتح فيينا عاصمة النمسا وأعرق المدن الأوروبية، وألقى عليها حصارًا شديدًا، وأحدث عدة ثغرات بأسوار المدينة، واستعد لفتحها فارتجعت أوروبا بأسرها؛ إذ أن «فيينا» ليست عاصمة النمسا فحسب بل هي أيضًا عاصمة الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وسقوطها يعني سقوط هذه الإمبراطورية، وهنا زادت الضغوط على «فرانسوا الأول» ملك فرنسا حتى يتخلى عن عهده مع المسلمين، وتصالح «شارلكان» معه حتى يتفرغ لقتال العثمانيين، وهدد البابا بحرمان «فرانسوا» من الجنة وطرده من الكنيسة! فانصاع فرانسوا لكل هذه التهديدات ونقض عهده مع «سليمان».
قرر «سليمان» الهجوم على المدينة في 20 صفر سنة 937هـ وكان الهجوم قويًا وعنيفًا، ولكن «سليمان» لم يستطع فتح المدينة لأن ذخيرة المدفعية قد نفدت، ودهمهم الشتاء القارص وكانت خطوط الإمدادات والمواصلات طويلة، ورغم الحالة المعنوية المرتفعة عند سليمان وجنوده إلا أنهم لم يستطيعوا مواصلة الحرب والحصار، فقرر سليمان العودة والتخطيط لفتحها من جديد، والجدير بالذكر أن هذه الحادثة أعادت تشكيل العقلية الصليبية الأوروبية، وتكاتف الجميع ضد الدولة العثمانية.