معركة جسر الجمال

مفكرة الإسلام : بعد أن نجح المسلمون بقيادة سيف الله ورسوله «خالد بن الوليد» في فتح معظم بلاد العراق في أقل من شهرين، جاءت الأوامر من الخليفة الراشد أبي بكر الصديق للقائد خالد بن الوليد بأن يتوجه لنجدة الجيش المسلم المحاصر في منطقة «دومة الجندل»، وكان خالد وقت أن جاءه الأمر يستعد للهجوم على المدائن عاصمة الفرس للقضاء على الدولة الفارسية، ولكنه امتثل لأوامر خليفته.
ولأن خالد بن الوليد كان صاحب عقلية عسكرية فذة بل هو نسيج وحده في فنون القتال، فقد رأى ضرورة تأمين وضع المسلمين في المدن المفتوحة بالعراق خاصة في ظل وجود جيوب فارسية قوية في المناطق المحيطة بمدينة «الحيرة»، وكانت الحاميات موجودة بكثافة في منطقتين «الأنبار» و«وعين التمر» وقرر خالد التعامل مع هذه الحاميات وبسرعة.
اختار خالد البدء بحاميات مدينة «الأنبار» وذلك لموقعها الإستراتيجي شديد التحصين على الشاطئ الشرقي لنهر الفرات مما يجعل بين المسلمين والفرس حاجزًا مائيًا يهابه المسلمون، هذا غير وجود أسوار منيعة حول المدينة وخندق عميق متسع يحيط بالمدينة من كل ناحية، مما جعل مهمة فتح المدينة شيئًا بالغ الصعوبة، ولكن ليس على أصحاب القلوب المؤمنة والعزائم القوية.
بدأ المسلمون زحفهم إلى المدينة الحصينة بأن عبروا «الفرات» رغم ارتفاع المياه فيه، وعلى الضفة الأخرى كان الرعب مستوليًا على أهل المدينة فلم يجرؤ أحد على الخروج من المدينة لصد المسلمين، وظهرت أولى محاولات المقاومة عندما قامت مجموعة من أهل المدينة برشق المسلمين بالسهام، فكان هذا الرمي وبالاً عليهم، إذ كشف عن سذاجة قتالية كبيرة، فأمر خالد بن الوليد كتيبة خاصة في جيشه مكونة من أمهر رماة العرب برمي أهل المدينة الموجودين على الأسوار للدفاع عنها رميًا واحدًا كثيفًا مع التركيز على عيونهم، فانطلقت السهام كالطير الأبابيل وأصابت هدفها بدقة، فصاح أهل المدينة جميعًا: «ذهبت عيون أهل الأنبار»، وسمي هذا اليوم بذات العيون، فأسرع حاكم الدينة الفارسي «شيرازاد» وطلب الصلح من خالد ولكنه اشترط شروطًا لا يقرها الإسلام فرفض خالد وأصر على فتح المدينة، إذ ليس كل صلح يوافق عليه وليست كل معاهدة يصدَّق عليها هكذا دون النظر لشريعة الإسلام.
تفتق ذهن القائد الخبير «خالد بن الوليد» عن فكرة ذكية في اقتحام المدينة، حيث قام بذبح الجمال الضعيفة والمريضة في جيشه وطمر بجثثها نقطة ضيقة من الخندق المحيط بالمدينة، وعبر على هذا الجسر الجملي الجيش المسلم وأصبح محيطًا بالمدينة من كل مكان استعدادًا لفتحها، فأسرع شيرازاد وأعلن تسليمه للمدينة صلحًا بشروط الإسلام، فوافق خالد وفتحت المدينة في 4 رجب 12هـ، وانتقلوا بعدها لمدينة عين التمر لتقع عندها واحدة من أسرع المعارك في التاريخ.