تحرير طرابلس الشام

4 جمادى الآخرة 688 هـ ـ 7 مايو 1289م
مفكرة الإسلام : إن من سنن الله عز وجل التي لا تتبدل ولا تتخلف أبدًا، أن الله عز وجل يقيض لهذا الدين من يذب عنه ويحمي حياضه مصداقًا لقوله عز وجل: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}[محمد:38]، وقوله: {إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً}[التوبة:39]، وهذه السنة مطردة في التاريخ الإسلامي، فرغم الدور الكبير الذي حققته الدولة الأيوبية في محاربة الصليبيين بالشام والإنجازات العظيمة، التي قام بها صلاح الدين وخلفاؤه، إلا إن انشغالهم بالخلافات الداخلية والصراع على الملك والدولة، قادهم لأن تعمل فيهم سنة الاستبدال التي لا تعرف محاباة ولا جورًا، وجاءت بعدهم دولة المماليك التي كان لها أعظم الشرف في التصدي لأشد خطرين حاقا بالأمة الإسلامية في هذه الفترة: شرف التصدي للتتار في عين جالوت وما بعدها، وشرف تصفية الوجود الصليبي في الشام.
ولقد اعتنى سلاطين المماليك بداية من الظاهر بيبرس 658هـ ـ 676هـ ومن بعده باجتثاث الممالك والقلاع الصليبية في الشام الواحدة تلو الأخرى، وكان لكل واحد منهم هذا الشرف وهذا السبيل، ولما مال السلطان السعيد بن بيبرس للهو واللعب وترك جهاد الصليبيين خلعه الأمراء والعلماء وتولى مكانه سيف الدين قلاوون وذلك سنة 678هـ، وكان عليه أن يواجه الخطرين المغولي والصليبي، إلا أن الخطر المغولي قد خفت صوته جدًا بعد إسلام خان المغول تكودار سنة 680هـ، وما تلى ذلك من اضطرابات داخل دولة المغول وانشغلوا بأنفسهم فتفرغ سيف الدين قلاوون للصليبيين.
كانت بقايا الوجود الصليبي تتركز في إمارة طرابلس التي يحكمها أمراء النورمان، وعكا، وحصن المرقب، وطرسوس، وكان تحرير طرابلس هو الهدف الأسمى عند قلاوون وعامة المسلمين، ولكن لماذا ذلك؟ لأن الصليبيين منذ أن دخلوا بلاد الشام واحتلوا طرابلس سنة 503هـ وهي في أيديهم لم تدخل تحت حكم المسلمين خلال هذه الفترة الطويلة، فتجهز سيف الدين لفتحها وخرج بجيوشه من مصر وحاول أمراء طرابلس إثناء عزمه عن فتحها ولكنه أصر على هدفه، ولما تسامع الناس بخروجه للجهاد أقبل المجاهدون من جميع أنحاء الشام، ومنهم العلماء والقضاة وعبَّاد بيت المقدس، ونزلوا على طرابلس في مستهل ربيع الأول 688هـ.
كانت طرابلس شديدة التحصين، فأسوارها عالية وعريضة بحيث يسير عليها ثلاثة فرسان بخيولهم متجاورين، فنصب المسلمون عليها المجانيق وضربوا على المدينة حصارًا شديدًا، وضيقوا على أهلها تضييقًا عظيمًا حتى فتحوها عنوة يوم الثلاثاء 4 جمادى الآخرة 688هـ وسط النهار، وعم القتل والأسر في الصليبيين فلم يبق منها أحد إلا قتيل أو أسير، ثم أمر سيف الدين بهدم المدينة بما فيها من القلاع والأماكن الحصينة وأن يبنى على بعد ميل منها بلدة غيرها أمكن وأحصن وأحسن منها وهي طرابلس المعروفة اليوم.