وفاة السلطان الكامل الأيوبي

مفكرة الإسلام : هو السلطان الكامل محمد بن السلطان العادل أبي بكر بن نجم الدين أيوب، سليل الأسرة الأيوبية الشهيرة، وابن أخ السلطان العظيم الناصر صلاح الدين الأيوبي، ووارث ملكهم، وكان أبوه السلطان العادل الأيوبي والذي حكم مصر والشام بعد رحيل الناصر صلاح الدين رحمه الله، وقد توسم العادل في ابنه محمد النجابة والرياسة فولاه حكم مصر، وولى باقي إخوته على ولايات الشام والجزيرة الفراتية، فلما مات «العادل» أصبح ولده الكامل محمد سلطان مصر منفردًا وباقي إخوانه كل واحد منهم سلطان على ما يحكم من ولايات وأقاليم، فكان هذا بداية الوهن على هذه الأسرة الأيوبية، وبداية الفرقة في بلاد الإسلام.
كان الكامل الأيوبي مخالفًا لسير أبيه وعمه الناصر صلاح الدين فيما يتعلق بجهاد الصليبيين، إذ كان محبًا للسلام والدعة، به ضعف وخور شديد نحو القتال، يعمل على تجنبه ولو بنوع ذلة ومهانة رغم ما ابتدأه في ولايته من التصدي للحملة الصليبية الخامسة على دمياط وذلك لقرابة أربع سنوات، ولكنه بعد ذلك مال للسكون والمهادنة، وجعل كل اهتمامه منصبًا على محاربة إخوانه في الشام على الحدود ومناطق النفوذ.
كان الكامل الأيوبي محبًا للعمران فأنشأ السدود وأصلح الطرق ووسع الرقعة الزراعية واهتم بالنواحي العلمية، فبنى المدارس والمعاهد، وكان محبًا للعدل بين الرعية والرفق بهم، مهابًا بينهم، وبالجملة كان له فضائل كثيرة ولكنه أقدم على خطأ فظيع محق كل أفعاله وخصاله، وهذه الغلطة تمثلت في قيامه باستدعاء الإمبراطور الألماني [فريدريك الثاني] حتى يشغل أخاه المعظم [عيسى] عن الإغارة على مصر، حيث كان بينهما خلافات شديدة.
ثم تمادى الكامل الأيوبي في غلطته وجاوز كل الحدود وصدم مشاعر المسلمين في جميع أنحاء المعمورة عندما قام بتسليم بيت المقدس للصليبيين سنة 625هـ، بلا قتال ولا نزال، بل صلحًا، فاستحق لعنات المسلمين في كل مكان، وإنما فعل ذلك ليتفرغ لقتال إخوانه في الشام خصوصًا المعظم عيسى أمير دمشق، وجعل جل همه الاستيلاء على دمشق مهما كان الثمن، فدخلها سنة 635هـ ولم يدم ملكه فيها سوى شهرين ثم اعتراه مرض الموت، فهلك في 23 رجب سنة 635هـ، وعين التاريخ الفاحصة كما تسجل الأعمال والحسنات والمآثر تسجل أيضًا وتراقب الزلات والغلطات، ويكون التقييم للرجل أو للحدث بالموازنة بما له وما عليه، وصاحبنا هذا من النوع الذي كان له حسنات وفضائل وأعمال صالحة، ولكنه طمسها كلها في شنيع غلطته الفظيعة، والله أعلم بالعواقب.