سياسة القوة وقوة السياسة

الخبر:
مفكرة الإسلام : تواجه وزيرة الخارجية الأمريكية "كوندوليزا رايس" ضغوطًا منذ شهور للتعامل مع حركة حماس، وفي الأسبوع الماضي أومأت لمصر كي تتفاوض مع الحركة لإنهاء العنف في قطاع غزة.
التعليق:
كتبه / علي صلاح
أغفل العرب لسنوات طويلة أهمية القوة في التعامل مع الكيان الصهيوني الغاصب وانجرفوا وراء "الراعي الأمريكي" في "مفاوضات سلام" أثبتت فشلها المرة تلو الأخرى، وكان العالم يستيقظ كل يوم على مذابح جديدة يقوم بها جيش الاحتلال ضد المدنيين الفلسطينيين، ونستمع لعبارات الشجب والتنديد لفترة، ثم ما نلبث أن نعود للحديث عن "السلام والوئام" مع عدو لا يعرف إلا لغة القوة.
وأصبح الوضع أشبه بمسرحية هزلية, شعب أعزل لا يجد قوت يومه يتعرض للتنكيل والقتل على أيدي غاصبيه، وقادته يلوحون بأغصان الزيتون, وكلما زاد التنكيل زاد الحديث عن "فرص السلام الضائعة والقادمة" وجاء المبعوث الأمريكي بمسكناته وخرائطه وأوهامه ليقف على قبور الضحايا ملوحًا بـ"المستقبل المشرق والتعايش السلمي" حتى ملّ الشعب الفلسطيني من المؤتمرات والمؤامرات والموائد المستديرة والمستطيلة، والتصريحات البراقة التي تطلق وتضيع في الهواء.
وفي وسط هذه الأجواء اليائسة أصرت حركة حماس وبعض فرق المقاومة على مواصلة طريق الصمود والتعامل مع القوة بالقوة، فماذا كانت النتيجة؟ لقد رأينا القوة العسكرية الغاشمة تتهاوى وتعترف بالهزيمة. في المرة الأولى عندما قررت الانسحاب من غزة وأعلنت أنها ستقوم بذلك ولو من جانب واحد بعد إنهاك المقاومة لقواتها, وفي المرة الثانية عندما حاولت أن تنجح فيما فشل فيه عملاؤها بالقضاء على حركة حماس في غزة واندحرت مخلفةً وراءها الخزي والعار. إن المعطيات الجديدة التي فرضتها حماس على الأرض جعلت الإدارة الامريكية تغيّر ـ ولو مرحليًا ـ من سياستها التي كانت تقوم على العنجهية المستندة للقوة، فبعد أن رفضت رايس أن تدعو رسميًا أثناء زيارة للضفة الغربية والكيان الصهيوني الأسبوع الماضي إلى وقفٍ لإطلاق النار، وفضلت بدلاً من ذلك أن تشير إلى تهدئة قالت رايس، في مؤتمر صحافي في بروكسل، حيث تحضر اجتماعًا لوزراء خارجية الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي: "تحدثت مع المصريين، ونتوقع أن يقوموا بالجهود التي قالوا إنهم سيقومون بها لمحاولة تحقيق تهدئة في المنطقة، وتحسين الوضع في غزة".
وقالت مصادر في حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي: إن مصر بدأت محادثات مع الحركتين يوم الخميس بشأن هدنة بين الحركتين الفلسطينيتين و"إسرائيل". وكانت صحيفة "نيويورك تايمز" قد دعت الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية إلى ضرورة التفكير بشكل جاد في إستراتيجية جديدة للتعاطي مع غزة، وطالبتهم بالتحرك السريع من أجل وقف إطلاق النار بين حركة المقاومة الإسلامية (حماس) و"إسرائيل".
إن سياسة القوة في التعامل مع عدو محتل صاحب أيديولوجية توسعية مثل الكيان الصهيوني لا يمكن إغفالها تحت أي اعتبارات سياسية، وإلا تتسرب من بين أيدي العرب أهم أوراق اللعبة وتتضاءل الحقوق التي يتم التفاوض عليها, ولنرجع للوراء قليلاً سنجد أن ما هو مطروح الآن على الفلسطينيين أقل بكثير مما كان مطروحًا عليهم عندما كانت المقاومة هي الخيار الأبرز للفصائل المختلفة.
إسرائيل تسعى لفرض سياسة الأمر الواقع يومًا بعد يوم بإقامة المزيد من "المستوطنات" والإعلان عن أكبر مناورات عسكرية في تاريخها، مهددة باستخدام جميع الوسائل ضد الفلسطينيين دون أية ضوابط، ولا يمنعها ذلك من التأكيد على "خيار السلام" في المحافل الدولية لاستدرار التعاطف. فلماذا لا يقف العرب وراء حماس ليزيدوا من قدرتهم على الضغط والمناورة؟ ولماذا يصرون على خسارة هذه الورقة الرابحة في معركتهم السياسية؟ السياسة ليست فن الكلام والتصريحات العنترية، ولكنها فن استخدام جميع الأوراق المتاحة لخدمة الأهداف المطلوبة.
أليس من المثير أن حماس لا تستخدم القوة إلا في الدفاع عن أرضها وفقًا للمواثيق الدولية ومع ذلك تفتقد للغطاء السياسي المطلوب من القادة العرب, في حين أن الكيان الصهيوني يحتل أراضي الغير، ويستخدم القوة المفرطة ضد المدنيين، مخالفًا جميع المواثيق والأعراف الدولية، ومع ذلك يجد كل الدعم والغطاء السياسي من واشنطن وبقية الدول الغربية!