المسلمون في شباك القوة الناعمة

الخبر: أكدت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية أن بلادها تسعي لتجنيد المسلمين في العالم بأسره للوقوف ضد المتطرفين وتحسين صورة أمريكا.
التعليق
شريف عبد العزيز
مفكرة الإسلام : أثناء احتدام الانتخابات الأمريكية والصراع علي أشده بين الجمهوريين ، والديمقراطيين ، أعلن المرشح الديمقراطي وقتها باراك أوباما أن أمريكا في حاجة لاستعادة مكانتها في العالم ، وإصلاح ما أفسدته الإدارة الحمقاء الهوجاء لبوش الصغير ، وذلك بالتخلي عن الخيار العسكري ، كحل أوحد وأمثل للمشكلات التي تواجهها الولايات المتحدة الأمريكية ،وعلي رأسها المشكلة الأمنية، ولأن الهاجس الأمني مازال يسيطر علي عقل الناخب الأمريكي ، ويمثل له أولوية لا يمكن التغافل عنها ، أو الالتفاف حولها ، اقترح أوباما فكرة القوة الناعمة للسيطرة علي العالم من جديد ، وحل المشكلات المزمنة لأمريكا ، وفي مقدمتها المشكلة الأمنية ، بوصف الشعب الأمريكي ، المنصف الأول عالمياً ، علي سلم الكراهية ، لدي شعوب العالم عموماً ، والإسلامي خصوصاُ .
في أواخر الثمانينات أصدر جوزيف ناي رئيس مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي، ومساعد وزير الدفاع في عهد بيل كلينتون كتاباً هاماً بعنوان [ الطبيعة المتغيرة للقوة الأمريكية ] تكلم فيه عن القوة الناعمة ، حيث عرفها بأنها القدرة علي الإقناع والاستقطاب ، والسيطرة علي الأفكار والعقول بأساليب رخوة تتميز بجاذبيتها الثقافية والسياسية ، قوامها نشر الأفكار والمعلومات والاستخدام الأمثل لوسائل الإعلام ، وذلك لزعزعة ثقة الناس في ثوابتهم ، وتشويه الحقائق ،وتوجيه الأفكار والرغبات ، وإعادة ترتيب الأولويات، وفقاً لمتطلبات التبعية والانبهار، وهكذا مما يريده الأمريكان من أدوات السيطرة والهيمنة علي العالم ، وذلك في مقابل القوة الخشنة التي لها مترادفات ترجمتها العسكرية حروب مباشرة ووقائية ، والسياسية قرارات من الهيئات الدولية والإقليمية ، و الاقتصادية حصار ومقاطعة وتضييق وغلق منافذ ومعابر.
ونظراً لان الإدارة المنصرمة في البيت الأبيض، كانت إدارة راديكالية ذات أطياف يمينية محافظة، وصبغة صهيونية ظاهرة، وتطلعات أسطورية كان يدعي فيها رأس الإدارة وهو بوش الصغير أن الله عز و جل يتكلم إليه ويوحي إليه ، فإن هذه الإدارة قد اختارت القوة الخشنة ، كحل أمثل لمشكلاتها في الهيمنة والسيطرة علي العالم ، ودفعت هذه الإدارة بجيوشها في أفغانستان ثم العراق ، ومع الوقت ثبت بالأدلة اليقينية فشل هذه السياسة الخرقاء في فرض الوصاية علي العالم الإسلامي ، ووجدت إدارة بوش الصغير نفسها في آخر أيامها تجني ثمار هذه القوة الخشنة ، وتدفع فاتورة تهورها في حروبها الاستباقية باهظاً جداً ، عشرات ألاف من القتلى والمعاقين من جنودها ،وانهيار اقتصادي مهول لم تر البلاد مثله منذ عشرات السنين ، فضلاً عن مشاعر الكراهية التي تأججت في شعوب العالم ضد الولايات المتحدة الأمريكية .
لذلك كله كان من الطبيعي أن تجد دعوة أوباما للقوة الناعمة صدى عند الناخب الأمريكي ، فيتجاوز كل العقبات النفسية والعرقية ، وينتخب أوباما الأسود ذي الأصول الإسلامية ، رغم محاولات التخويف المحمومة التي بذلها الجمهوريون لصد الناس عنه، ولكن كان هذا أوان القوة الناعمة . ويبدأ أوباما ومنذ اليوم الأول لرئاسته، في استخدام قوته الناعمة ، فيعلق العمل بالمحاكم العسكرية تمهيداً ، لإغلاق معسكر جوامنتامو البغيض ، ويجري أول مقابلة تليفزيونية مع قناة عربية تنتمي لدولة مسلمة هي قناة العربية ، وأعلن عن سياسة جديدة حيال العالم الإسلامي تقوم علي الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة ، وتأخذ الإدارة الجديدة في نسج خيوط شبكة القوة الناعمة علي العالم الإسلامي ، والهدف هذه المرة كان يعبر عن مدي ضخامة التخطيط الأمريكي للسيطرة علي العالم الإسلامي ، إذ ألقت الوزيرة العجوز كلينتون الشباك علي جمهور المسلمين بأسره، ليعلق بها من تبهره أدوات الدعاية الأمريكية، وتجنيد أكبر عدد ممكن من العملاء والطابور الخامس داخل الأمة ـ كأن الموجود منهم حالياً لا يكفي والأمر يقتضي توسيع قاعدة العمالة في المنطقة ـ وذلك بهدف إحداث شرخ في جدار الأمة المليء أصلاً بالخروق والشروخ ، بفعل البعد عن دين الله ، وفساد ذات البين الذي أنهك الأمة ، وإذا نجحت هذه السياسة ـ لا سمح الله ـ فسيكون أمريكا قد وجهت أكبر ضربة للعالم الإسلامي الذي تكمن قوته دائما وعلي مر العصور في التحامه وقت الأزمات ، و استحضاره لتراث الصمود والدفاع عن الدين والأرض ، إذا نزل بساحتهم عدو.
| الأمر الذي يجب أن يعيه المسلمون جيداً ، أن القوة الناعمة لا تستغني أبداً عن القوة الخشنة ، فكلاهما يكمل الآخر ، ولكل منهما دوره في مرحلة السلم والحرب |
والأمر الذي يجب أن يعيه المسلمون جيداً ، أن القوة الناعمة لا تستغني أبداً عن القوة الخشنة ، فكلاهما يكمل الآخر ، ولكل منهما دوره في مرحلة السلم والحرب ، وباستقراء السنوات العشرين الماضية للحكم الأمريكي ، نجد دائما القوة الناعمة تسبق القوة الخشنة في العمل ، فالقوة الناعمة تمهد السبيل للقوة الخشنة ، بحيث تخلق الثغرات والفجوات في صف الأمة ، وتعبث بثوابتها ، وتهدد قيمها ومبادئها ، تنشر التفسخ والانحلال في الشعوب المسلمة ، لتقضي علي معاني الصمود والبقاء والعزة في قلوب أبناء الأمة ، الذي يصبح الهدف الأسمى لشريحة كبيرة منهم ، الهجرة لبلاد العم سام ، هذا الكلام يتضح بالسياسات التي انتهجها كلينتون خلال سنوات حكمه الثمانية ، ثم ما تلاها ممن سياسات انتهجها بوش الصغير خلال سنوات حكمه الثمانية أيضا ، ومدى التنسيق والارتباط والتكامل الذي حدث بين السياستين ، وتحولها من ناعمة إلي خشنة.
| الكلام المعسول ، والأماني الكاذبة ، والوعود البراقة ، إلي غير ذلك من أدوات القوة الناعمة ، ما هي إلا مخدر وقتي لتخدير الأمة ، وإماتة معني الجهاد والمقاومة التي نمت في قلوب المسلمين في الفترة السابقة |
والشاهد أن الكلام المعسول ، والأماني الكاذبة ، والوعود البراقة ، إلي غير ذلك من أدوات القوة الناعمة ، ما هي إلا مخدر وقتي لتخدير الأمة ، وإماتة معني الجهاد والمقاومة التي نمت في قلوب المسلمين في الفترة السابقة، ومن ثم بعد ذلك بقليل تعود القوة الخشنة لتؤدي دورها في السيطرة علي الأمة ، وصدق العلي العظيم الذي قال و قوله الحق {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا}.