سلسلة فن الجماعية (5) اسع لمنفعة الآخرين 2

فريد مناع
تعرفنا في نهاية المقال السابق على التصورات الخمس في التعامل مع الآخرين، وهي:
1. أفوز أنا وتخسر أنت.
2. أخسر أنا وتفوز أنت.
3. أخسر أنا وتخسر أنت.
4. أفوز أنا فقط.
5. نفوز جميعًا.
لا شك أن الحياة الإنسانية مبنية على أصل هام؛ ألا وهو الاجتماع البشري، والتعاون فيما بين الناس لتحقيق مصالحهم، وبالتالي نجد أن خيار المنفعة للجميع هو الخيار الوحيد الذي يكفل حياة مستقرة وآمنة للبشرية، وإلا تعرضت البشرية جمعاء لاضطراب شديد، ولمخاوف دائمة، وهذا ما نراه اليوم في عالم تسود فيه فلسفات النفع للذات والضرر للآخرين، أو الضرر للجميع.
وهذا ما يؤكده ستيفن كوفي حين يقول: (أغلب المواقف في الحقيقة تكون جزءًا من واقع يتطلب التعاضد والتعاون بيننا وبين الآخرين، وعندئذ تكون فلسفة المنفعة للجميع هي الخيار الوحيد من الخيارات الخمسة القابلة للتطبيق).
ثم يشرح بعد ذلك كيف أن جميع أنواع التفكير الأربعة الأخرى تقود حتمًا إلى نتيجة واحدة؛ وهي أنك تضر نفسك وتضر الآخرين.
فمثلًا لو كنت صاحب متجر، وطبقت مع أحد الزبائن فلسفة النفع للذات والضرر للآخرين، فبعت له البضاعة بسعر أغلى؛ أنت تعتبر نفسك بذلك فزت، لكن الحقيقة هي أنك خسرت هذا الزبون؛ لأنه بالتأكيد سيسمع عن السعر الحقيقي، وساعتها سيقرر أن يوقف التعامل معك، بل قد ينشر عنك سمعة سيئة، مما يكبدك خسائر أكبر وأكبر.
وأما إذا كنت تتعامل مع شخص فلسفته الضرر للذات ومنفعة الآخرين، ربما يبدو أنك تحصل على ما تريده في اللحظة الحالية، لكن إلى أي مدى سيؤثر ذلك على حب الشخص بالنسبة للعمل معك، والوفاء والالتزام بالعقد؟
بالتأكيد لن يشعر بسعادة في التعامل معك، وسيكتم غيظه في نفسه، وربما سيقوم خلال أي مفاوضات في المستقبل بمعارك تنزل الأذى بك، ويسعى دائمًا إلى الانتقام منك، والثأر لهذه الصفقات التي ضاع فيها ربحه، ولذا فإننا نكون مرة أخرى داخل فلسفة الضرر للجميع.
وإذا ما ركزت على أن تكسب، دون وضع أي اعتبار حتى لوجهة نظر الطرف الآخر؛ فسيشعر الطرف الآخر أنك غير مهتم به، وأنك غير حريص على مصلحته، ولن يشعر بالأمان تجاهك، وبالتالي تكون مرة أخرى قد خسرت الشخص، ولم تكتسب علاقة قوية معه، وبالتالي فكلاكما خاسر أيضًا.
كيف السبيل؟
حتى تطبق مبدأ المنفعة للجميع بشكل كامل صحيح، بحيث يكون عادة راسخة فيك، فلابد من توافر صفات ثلاث:
1. الصدق والأمانة:
ولذا فما كان للمؤمن أن يتصف بالكذب أبدًا، حتى أعداء الله عرفوا أنه ليس للكذب إلى قلب المؤمن الحق سبيل، فلما أرادوا النيل من النبي r، وصفوه بالمجنون تارة، وبالشاعر تارة أخرى، وبالكاهن تارة ثالثة، أما الكاذب، فقد أعلنوها من أول يوم للدعوة الجهرية والنبي r على جبل الصفا: (... ما جربنا عليك كذبا)[رواه مسلم]، إذن فالصدق والأمانة يشكلان جسرًا عابرًا لكل عقبات الاتصال البشري، وقافزًا فوق الحواجز والعقبات.
2. العدل:
ونقصد بالعدل هنا، أن تكون متوازنًا بين طرفين: طرف العداوانية، وطرف السلبية.
فالشخص العدواني: هو الذي يُقيِّم نفسه على أنها أكثر أهمية من الآخرين، ودائمًا ما يستبد برأيه وحقوقه ومشاعره، على حساب حقوق الآخرين.
أما الشخص السلبي: فهو الذي يُقيِّم نفسه على أنها أقل أهمية من الآخرين، ويتنازل عن آرائه وحقوقه، ومشاعره دائمًا أمام حقوق الآخرين.
أما الشخص العادل: فهو الذي يدرك أن احتياجاته وآرائه ومشاعره؛ ليست أقل أو أكثر أهمية من تلك التي تخص الآخرين، بل إنها تتساوى معها، ولذا ففي ظلال العدل، تعبر عن آرائك ومشاعرك في قوة ووضوح.
وفي الوقت ذاته تشعر بالآخرين، وتحترم مشاعرهم وآراءهم وتقدرها، وهذا يضمن لك أنك لن تخرج من أي موقف وأنت تشعر بعدم الارتياح من نفسك، أو تترك الآخرين يشعرون بعدم الارتياح.
وهذا ما يمكن أن نسميه بالتوازن بين الشجاعة والمراعاة، الشجاعة في التعبير عن مشاعرك الخاصة، مع مراعاة شعور الآخرين وأفكارهم.
فليس عليك أن تكون لطيفًا فحسب؛ بل يجب أن تكون شجاعًا، ولا يجب أن تكون تعاطفيًا فحسب؛ بل يجب أن تكون واثقًا.
فإذا فعلت ذلك، وتمكنت من أن تحقق ذلك التوازن بين الشجاعة والمراعاة؛ فإن ذلك جوهر النضج الحقيقي، وأصل طريقة تفكير المنفعة للجميع.
أما إذا غلَّب الإنسان جانب العدوانية على جانب السلبية؛ فإن ذلك يؤدي به إلى تفكير النفع للذات والضرر للآخرين، وإذا غلَّب جانب السلبية على العدوانية؛ فإن ذلك يؤدي به إلى تفكير الضرر للذات والنفع للآخرين، وتفكير المنفعة للجميع هو الوسط بين الطرفين.
3. التمتع بعقلية الوفرة:
بمعنى أن تقتنع بأن في الحياة متسعًا للجميع، فليس من الضروري أن يخسر الآخرون لتفوز أنت، بل إن القمة تسع الكثيرين، وللأسف الشديد فهناك كثير من الأشخاص مطبوعون على عقلية الشح، فيعتقد أحدهم أن القمة لا تسع إلا شخصًا واحدًا، وأنه حتى يفوز فيجب أن يخسر الآخرون.
وهؤلاء قد تجدهم يعبرون بألسنتهم عن السعادة لنجاح الآخرين، إلا أنهم في الداخل تتآكل قلوبهم من الغيظ، فإحساسهم بالقيمة يأتي من كونهم موضع مقارنة مع الآخرين، ونجاح شخص آخر وبدرجة معينة يعني فشلهم.
بل تجد هؤلاء يتمنون أن يصادف غيرهم الإخفاقات والمشاكل والأزمات، ويسعدون في داخل نفوسهم لذلك، ولا شك أن حياة كهذه هي حياة شقاء، وأصحاب عقلية الشح لا يجدون الراحة الداخلية، ولا الأمان النفسي.
أما أصحاب عقلية الوفرة، فيرى أحدهم أن كل إنسان هو قمة في حد ذاته، فالإنسان هو المخلوق الذي كرمه الله، وأسجد له الملائكة، وسخر له ما في السموات وما في الأرض، وبالتالي فإن أحدهم يتمتع براحة نفسية، وبأمان داخلي، همه كيفية التعاون مع الآخرين؛ لتحقيق منفعة أكبر.
كيف السبيل؟
وإليك جملة من التدريبات العملية التي تعينك على توطيد علاقتك بالآخرين من خلال تطبيق مفهوم المنفعة للجميع؛ وذلك كما يلي:
التدريب الأول: تدريب النموذج:
هذا التدريب يعتمد بدرجة كبيرة على التخيل، ويُعرف في علم البرمجة اللغوية العصبية باسم مولد السلوك الجديد؛ حيث يساعدك هذا التدريب على توليد سلوك جديد في نفسك، وهذا التدريب نتائجه العملية مذهلة، ويحدث أثرًا كبيرًا في النفس بإذن الله.
وهذا ما أكدته مجلة ساكس (Sax Magazine)، فقد توصلت إلى أنه (بتصور أهدافك؛ تدفع عقلك اللاواعي إلى جعل تلك الصور الذهنية تتحول إلى حقائق ملموسة)، ثم يأتي الدكتور إبراهيم الفقي ليضع النقاط على الحروف، ويفسر لنا ذلك بقوله: (إذا رأيت نفسك وأنت تحقق هذه الأهداف، وإذا رأيت نفسك في اتصال ناجح مع أي شخص وفي أية ظروف؛ سوف تصبح ما تتصوره).
وينبني مولد السلوك الجديد على مجموعة من الخطوات؛ وهي كما يلي:
1. حدِّد السلوك الذي تريد اكتسابه، وهو هنا سلوك المنفعة للجميع، وحدد السبب وراء إرادة اكتساب هذا السلوك، وحدد أين ومتى تريد أن تكتسب هذا السلوك.
2. حدِّد مثلك الأعلى في هذا السلوك الذي ترغب أن تكتسبه، واحرص أن يكون مثلك الأعلى شخصية متزنة وناجحة في جميع جوانب الحياة.
3. تخيَّل أن مثلك الأعلى أمامك الآن يفعل السلوك المرغوب، وبينك وبينه حائط شفاف يمكنك أن تراه من خلاله وتسمعه، لاحظ كيف يتصرف؟ ماذا يفعل؟ ماذا يقول؟ كيف يستخدم جسمه وتعبيرات وجهه؟ كيف يتكلم؟ باختصار لاحظ كل شيء يفعله هذا المثل الأعلى.
4. تخيَّل أن جزءًا منك يحوم خارج جسمك، وينضم إلى مثلك الأعلى خلف الحائط الشفاف، ويتعلم منه كل الطرق الخاصة بالسلوك الجديد المرغوب فيه، ثم تخيل أن هذا الجزء منك قد أخذ مكان مثلك الأعلى بعد حصوله على كيفية عمل هذا السلوك بدقة.
5. من مكانك وأنت تتخيل الجزء منك خلف الحائط الشفاف، قم بتقييم وتعديل هذا الجزء، إلى أن تشعر بارتياح تام للسلوك الجديد المرغوب فيه.
6. تخيل أن الجزء الخاص بك يحوم عائدًا إليك ومعه السلوك الجديد، ويندمج معك مرة أخرى بكل المعلومات التي اكتسبها عن السلوك الجديد، واشعر بهذا الاندماج ولاحظ إحساسك به.
7. اختبر سلوكك الجديد في الماضي والمستقبل لتتأكد من أنك قد اكتسبت هذا السلوك؛ وذلك كما يلي:
· في الماضي: تخيل نفسك في موقف في الماضي كنت محتاجًا فيه لهذا السلوك، ولاحظ الفرق بينك يومئذٍ وبينك في هذا الموقف بعد أن اكتسبت سلوكك الجديد.
· في المستقبل: تخيل نفسك في موقف في المستقبل سيكون من المناسب ومن المرغوب فيه استخدام هذا السلوك، انظر إلى نفسك وأنت تتصرف بهذا السلوك.
التدريب الثاني: تدريب الموقف:
تخير شخصية معينة، واحرص على أن تقيم علاقة معها على أساس المنفعة للجميع، واسْعَ معه جاهدًا لحل جميع المشكلات التي تعترضكما عن طريق هذا المبدأ.
التدريب الثالث: تدريب العقبات:
ضع قائمة بالعقبات التي تبعدك عن تطبيق تصور المنفعة للجميع وإلا فلا اتفاق بشكل أكثر تكرارًا، وحدد ما يمكن عمله؛ لكي تزيل هذه العقبات.
أهم المراجع:
1. العادات السبع لأكثر الناس فاعلية، ستيفن كوفي
2. البرمجة اللغوية العصبية وفن الاتصال اللامحدود، د.إبراهيم الفقي