سلوك تنظيمي (1)

فريد مناع
(كلما عملت، واجتهدت، وطورت أكثر من مقدرتك على المشاركة في حياة الآخرين وإسعادهم، كلما تحسنت حياتك في كل النواحي).
بريان تراسي
تعتبر المنظمات كيانات اجتماعية، يعمل فيها العنصر البشري، لإشباع حاجاته، وتحقيق أهدافه وطموحاته، والعنصر البشري يمثل البنية الأساسية، التي تعتمد عليها المنظمات، باختلاف أنواعها وأحجامها ومجالات عملها؛ لممارسة أنشطة ومهام العمل، وتحقيق الأهداف التنظيمية، ولذلك فإن فهم سلوك العنصر البشري في المنظمات كأفراد وكجماعات، يعتبر اليوم متطلب أساسي؛ لزيادة كفاءة وفعالية أداء الفرد والجماعة وأداء المنظمة.
لماذا ندرس السلوك الإنساني داخل المنظمات؟
إدارة أي منظمة، تسعى إلى توجيه سلوك العاملين، الوجهة المحققة لأهداف المنظمة، ولكي تستطيع أن توجِّه سلوك العاملين في هذه الوجهة، يجب أولًا أن تتحكم في هذا السلوك، ولكي تتحكم في هذا السلوك، لابد أن تكون قادرة على التنبؤ بهذا السلوك بصفة مستمرة، بمعنى أنه يجب التعرف على ردود فعل العاملين، تجاه العديد من الأشياء مثل (رد فعل الفرد عن أنظمة العمل، اللوائح، توصيف الوظائف، أنظمة التعويض، كيف يتلقى الفرد التوجهات والأوامر، رد فعل الفرد عن نظام التأديب والإنضباط)، كل هذه أمثلة عن التنبؤ بالسلوك.
فإن فهمنا لأسباب سلوك هؤلاء الأفراد، وقدرتنا على توقعه والتأثير فيه، هو الذي سيمكننا من التعرف على ملامح الحياة في تلك المنظمات، وهذه المعرفة ستعطينا بالتالي الفرصة لتحسين هذه الحياة وتطويرها، وسنفهم مثلًا لماذا يؤدي الأفراد في شركة أعمالهم بمستوى ممتاز أو مقبول أو ضعيف، عندما نفهم الأسباب التي تؤدي إلى أن يختار إنسان سلوكًا معينًا دون غيره في حياته عمومًا (مع تركيز على الطبيعة الخاصة لمنظمات الأعمال في أثرها على تلك الإختيارات).
ثم نوظف هذا الفهم، في محاولة الإرتفاع بمستوى أداء الأفراد، من ضعيف ومقبول، إلى ممتاز، ونوظف هذا الفهم أيضًا في تحسين نوعية حياة العمل، التي يعيشها أولئك الأفراد وزيادة رضاهم، فإذا ارتفع أداء مجموع الأفراد بالمنظمة، وتحسنت نوعية حياة العمل بها، سوف تصبح المنظمة كلها أكثر نجاحًا، أي تزداد فعالية المنظمة ككل.
تعريف السلوك التنظيمي:
هو الميدان الذي يسعى إلى معرفة السلوك الإنساني في المنظمات، من خلال الدراسة المنظمة للفرد، والجماعة، والعمليات التنظيمية.
هناك 3 مستويات لتحليل السلوك الإنساني في المنظمة:
· على المستوى الفردي: (الإدراك، التعلم، الدافعية، الشخصية، القيم والإتجاهات).
· على المستوى الجماعي: (ديناميكية الجماعة، القيادة، الإتصال، النفوذ والمناورات).
· على المستوى التنظيمي: (الوظائف، الهياكل، السلطة).
خصائص السلوك التنظيمي اليوم:
1. يتطلع السلوك التنظيمي إلى تحسين الموارد البشرية:
إن أرباب الأعمال والمدراء في أوائل القرن العشرين، كانوا بالقطع يملكون وجهات نظر سلبية وإتجاهات سيئة تجاه العاملين، فكانوا يفترضون أن الناس بطبيعتهم كسالى وغير مسئولين، وكانوا يعاملونهم بغير إحترام، هذا المدخل أو المنظور السلبي للناس، والذي استمر لسنوات عديدة، يعكس النظرية التقليدية للإدارة، والتي أطلق عليها النظرية "س" لصاحبها "دوجلاس ماك جريجور".
وفلسفة هذه الإدارة تفترض أن الناس كسالى، يكرهون العمل، ويحتاجون إلى التوجيه، ولن يعملون إلا إذا تم دفعهم وإجبارهم على العمل.
بالرغم من ذلك، إذا سألت اليوم مجموعة متنوعة من المسئولين في الشركات المساهمة، عن نظرتهم الأساسية للطبيعة الإنسانية، من المحتمل أن تجد أفكارًا أكثر تفاؤلًا، فمثلما يميل الإنسان إلى اللعب واللهو، يميل أيضًا إلى العمل، وإذا تم تقدير الناس وفقًا لجهودهم في العمل، وإذا أعطوا الفرصة للنجاح، يمكن أن نتوقع منهم المثابرة في العمل، دون الحاجة لدفعهم إليه، وتمثل هذه النظرية "ص"، وتعتبر نظرة متفائلة للإنسان.
2. يعترف السلوك التنظيمي بالطبيعة المتغيرة (الديناميكية) للمنظمات:
المنظمة هي بناء اجتماعي منظم، يتكون من جماعات، وأفراد، يعملون معًا بغرض تحقيق أهداف متفق عليها، ويعترف علماء السلوك التنظيمي بأن المنظمات ليست وحدات ساكنة، ولكنها ديناميكية، ودائمة التغير، بمعنى أن المنظمات أنظمة مفتوحة، أي أنها أنظمة تغذية ذاتية، تستخدم الطاقة لتحويل موارد من البيئة (مثل المواد الخام) إلى مخرجات (منتج نهائي مثلًا).
3. يفترض السلوك التنظيمي عدم وجود مدخل مثالي:
يتفق علماء السلوك التنظيمي اليوم، على عدم وجود مدخل مثالي، لدراسة السلوك الإنساني في المنظمات، فمثلًا، هناك عوامل واضحة الأهمية، منها العوامل الفردية، مثل قيم العمل الفردية، المهارات، ودوافع المثابرة في العمل، ولكنها وحدها توضح فقط جانب من الصورة، فيجب علينا أيضًا أن نأخذ في الحسبان العديد من العوامل الموقفية، مثل العلاقات الاجتماعية بين الزملاء، وكذلك العوامل البيئية المحيطة، مثل الاقتصاد القومي.
فكل هذه المتغيرات، لا تلعب أدوارًا منفصلة في التأثير على كيفية تصرف فرد معين حين يعمل، ولكن تأثيرها على السلوك يمكن أن يكون موحدًا، ويزيد في تعقد الصورة أو الموقف.
4. يواجه السلوك التنظيمي التحديات الناتجة عن تغير طبيعة القوى العاملة:
يختلف السلوك التنظيمي من مجتمع إلى آخر، ومن دولة إلى أخرى؛ نظرًا لاختلاف قوة العمل، والطبيعة المتغيرة للقوى العاملة نفسها، فالعمالة المتباينة الثقافات، تحتاج من المنظمة أن تراعي الاختلافات في إدارتها، مثل تعدد الأعراق في الولايات المتحدة، أو الشركات العابرة للقارات، أو شركات متعددة الجنسيات التي توجد في أقطار متعددة.
التطور التاريخي للسلوك التنظيمي:
1. مدرسة الإدارة العلمية (جذور السلوك التنظيمي):
نشأت على يد المهندس الصناعي "فريدريك تايلور"، وقد تقدم باقتراحين جديدين:
أ. التأني في اختيار وتدريب العمال، ومساعدتهم لكي يتميزوا في أداء عمل معين.
ب. كان يعتقد أن زيادة أجور العمال، يقوي دافعيتهم، ويجعلهم أكثر إنتاجية، بالرغم من أن هذه الفكرة بمعايير اليوم، تعتبر غير دقيقة، إلا أنه يرجع إليه الفضل، في توجيه الاهتمام إلى الدور الذي تلعبه الدافعية في أداء العمل، وقد ساهمت مثل هذه الأفكار في الاهتمام بالسلوك في المنظمات.
2. حركة العلاقات الإنسانية:
رائد هذه النظرية "التون مايو"، وما قام به من تجارب على مصانع هاوثورن، وركزت هذه المدرسة على العوامل الغير المادية، والعوامل الاجتماعية، وأهميتها في التأثير على السلوك في المنظمات، وقد قام باختبار العديد من المتغيرات على الإنتاجية، مثل قوة الإضاءة، فترة الراحة، ساعات العمل، الوجبة الغذائية، كان السؤال المطروح هو: كيف يمكن أن تؤثر هذه العوامل على كمية العمل المؤدى؟
وقد أظهرت النتائج، أن الإنتاجية ارتفعت، مع كل تغير تقريبًا في ظروف العمل، ولاحظ مايو أن العمال يحددون عن قصد مستويات متدنية لإنتاجيتهم، واتضح له أيضًا:
· إن فعالية الأفراد في العمل، تعتمد إلى حد كبير على الظروف الإجتماعية السائدة.
· تأثير الجماعات غير الرسمية.
· لكي نفهم سلوك الناس في أماكن العمل، يجب علينا أن نقدر اتجاهات الناس والعمليات التي تتم الاتصالات بينهم.
3. المدرسة الكلاسيكية (التقليدية):
ركزت هذه المدرسة، على الطريقة المثلى، لبناء الهيكل التنظيمي لأي منظمة، وكان من ضمن المساهمين في هذه المدرسة "هنري فايول"، ويرجع نجاحه في الإدارة، إلى 14 مبدأ قدمه في الإدارة، وهو كالتالي:
1. مبدأ التخصص وتقسيم العمل.
2. مبدأ التسلسل الرئاسي (تدرج السلطة).
3. مبدأ وحدة الرئاسة (القيادة).
4. مبدأ توازن السلطة والمسئولية.
5. مبدأ الترتيب.
6. مبدأ وحدة التوجيه.
7. مبدأ النظام.
8. مبدأ خضوع المصلحة الشخصية للمصلحة العامة.
9. مبدأ مكافأة العاملين.
10. مبدأ التعاون.
11. مبدأ المركزية.
12. مبدأ الإبتكار.
13. مبدأ المساواة.
14. مبدأ استقرار وثبات العمالة.
من ناحية أخرى، اقترح عالم الاجتماع الألماني "ماكس فايبر" (البيروقراطية)، وهي أسلوب أو نمط، لتصميم المنظمات، بطريقة تجعلها تتمتع بالكفاءة، عن طريق استنادها إلى تدرج هرمي واضح للسلطة، وخصائص البيروقراطية المثالية كالآتي:
| الخاصية | الوصف |
| قواعد وأنظمة رسمية | استخدام توجيهات مكتوبة؛ للسيطرة والتحكم في كل تصرفات العاملين. |
| قواعد موضوعية (غير شخصية) | تجنب المحاباة أو المحسوبية، ويجب أن تعتمد كل علاقات العمل، على معايير موضوعية. |
| تقسيم العمل | تقسيم كل الواجبات إلى مهام متخصصة. |
| هيكل تنظيمي هرمي | ترتيب المناصب بصورة واضحة، من المستويات العليا، إلى المستويات الدنيا. |
| تدرج السلطة | إن الحق في إتخاذ القرارات يتحدد، بموقع الشخص في الهيكل التنظيمي، فالفرد له سلطة على من هم أدنى منه في المرتبة. |
| تعهد بالالتزام الدائم للمنظمة | يعتبر التوظف مهنة دائمة، وتعهد دائم من قبل المنظمة والعاملين فيها. |
| الرشد | تحقيق غايات المنظمة بأكثر الطرق كفاءة. |
4. السلوك التنظيمي في العصر الحديث:
إن الإسهامات الرائدة التي تعرضنا لها حتى الآن، أدت إلى التحقق من أن سلوك الفرد في العمل، يتشكل عن طريق العديد من العوامل الفردية، والجماعية، والتنظيمية، مما وضع الأساس لنشأة علم السلوك التنظيمي، ويمكن القول أنه منذ الأربعينيات من القرن العشرين، ظهرت علامات ومؤشرات واضحة، تدل على ظهور ميدان علمي جديد ومستقل، وقد تأكد ذلك في أواخر الخمسينات من القرن الماضي.
ومنذ ذلك الحين، نمى ميدان السلوك التنظيمي بسرعة كبيرة؛ لاعتماده على العديد من النظريات والمفاهيم المستعارة من ميادين علمية عديدة، إن علم السلوك التنظيمي، كما نعرفه اليوم، هو في الواقع خليط أو هجين من عدة علوم إجتماعية، فمثلًا:
· الدراسات الخاصة بالشخصية والتعلم والإدراك تعتمد على علم النفس.
· دراسات ديناميات الجماعة والقيادة تعتمد على علم الاجتماع.
· دراسات القوى والنفوذ والمناورات السياسية تعتمد على العلوم السياسية.
· علم الأجناس يهتم بالاختلافات الثقافية بين الناس.
· علم الإدارة بأساليب إدارة الجودة في المنظمات.
· علم الاتصالات يهتم بشبكات الاتصال في المنظمات.
وقد أضافت دراسة السلوك التنظيمي، في السنوات الأخيرة، عدة خصائص، ألا وهي:
1. ازداد اهتمام السلوك التنظيمي، بالجوانب الحضارية والثقافية للعمل.
2. اهتمام السلوك التنظيمي، بالعوامل التي تقود الناس، إلى إتخاذ قرارات أخلاقية وغير أخلاقية.
3. أهمية البيئة الخارجية، وتأثيرها على سلوك العاملين.
4. امتدت دراسة السلوك التنظيمي، لتشمل المنظمات الخدمية والمعلوماتية.
5. الأخذ في الحسبان التغيرات في العمل، الناتجة عن التقدم التقني.
والآن، ماذا بعد الكلام؟
بعد أن تعرفنا على السلوك التنظيمي وأهميته بالنسبة للمنظمات، على الإدارة أن تعمل على:
1. التأني في اختيار وتدريب العمال، ومساعدتهم لكي يتميزوا في أداء عمل معين.
2. خلق الظروف التي تجعل الناس يرغبون في الأداء بالمستوى المطلوب.
3. دعم رضا العاملين في بيئة العمل الوظيفي، بالشركة ليصل إلى أفضل حالاته.
4. الموازنة في التطبيق بين الحوافز المادية والمعنوية، وعدم التركيز على جانب دون الآخر.
وأخيرًا:
أختم بقول بريان تراسي: (كن شخصًا من النوع الذي يتبعه الناس طواعية، حتى وإن لم يكن لديك لقب أو منصب)، وسوف نبدأ في المرة القادمة إن شاء الله، في تحليل السلوك الإنساني في المنظمة على المستوى الفردي.
أهم المراجع:
1. سلوك تنظيمي، محمد سعيد سلطان.
2. القوانين العامة للنجاح، بريان تراسي.
3. سلوك تنظيمي، حسين القزاز وصلاح عبد الباقي وأحمد ماهر.
4. القيادة الفعالة، بريان تراسي.