مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

ثورة الطبقة المتوسطة

9 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

محمد سليمان الزواوي

zawawy@yahoo.com

مفكرة الإسلام : أحدثت الثورة التونسية حراكًا غير مسبوق في العالم العربي، ومثلت حالة فريدة وملهمة، بل إنها منحت الشعوب العربية خصلتين لم تكن تتمع بها من قبل: الجرأة والأمل.

فالجرأة رأيناها متجسدة في شوارع صنعاء وبيروت والخرطوم وعمّان، بل والقاهرة أيضًا، والأخيرة كانت حالة فريدة من التحصين الأمني والعسكري خاصة ميادينها الرئيسية، وطالما كانت مشاهد التظاهرات في شوارعها تتسم بأن أعداد الأمن كانت دائمًا أضعاف أعداد المتظاهرين، ولكن الجرأة دبت في قلوب الشباب القادمين من كل حدب وصوب من أنحاء العاصمة ليتجمعوا في ميادينها الرئيسية، بل وفي أهم عواصم المحافظات في شتى أنحاء الجمهورية.

أما الأمل فتلك هي الشرارة الحقيقية التي أشعلت ثورات الشوارع العربية، ففي السابق كان الجميع يقولون: التضحيات تفوق المكتسبات، ولن نستطيع زحزحة النظام قيد أنملة، ولكن "فهم" بن علي ومن ثم هروبه أعطيا الشعوب المقموعة أملاً في أن تضحياتهم لن تذهب سدى.

وقد تميزت الثورة التونسية بأنها كانت ثورة للطبقة المتوسطة، فلم تكن ثورة جياع أو ثورة مدفوعة من الخارج مثل الثورات الملونة في شرق أوروبا ووسط آسيا، بل كانت ثورة شعبية حقيقية تحركها الطبقة المتوسطة بمطالبها الواعية، وبالرغم من عدم وجود رؤوس حقيقية لتلك الثورة أو قادة رأي، إلا أن الثورة بدا أنها تتحرك بوعي ولها مطالب تحظى بإجماع شعبي من كافة الطبقات التونسية.

وقد كتب إيريك جولدشتاين الناشط الحقوقي والمسئول بمنظمة مراقبة حقوق الإنسان "هيومان رايتس ووتش" مقالاً في دورية فورين أفيرز يصف إرهاصات تلك الثورة وكيف أفرزتها طبقة متوسطة قوية في ذلك البلد الذي كان مقموعًا بيد من حديد، حيث يقول أن في سفرياته المتعددة لتونس نيابة عن منظمة هيومان رايتس ووتش منذ منتصف التسعينيات، كان الكثير من المنشقين السياسيين في تونس يقولون له أنه في أي لحظة سوف يثور الناس ضد رئيسهم الطاغية زين العابدين بن علي، ويضيف قائلاً: "لكنني كنت أقول في نفسي: دعهم يحلمون! فهذا البلد لم يكن مهيئًا للثورة بحال من الأحوال، فأي شخص كان يسافر عبر المنطقة يمكن أن يرى أن التونسيين ينعمون بمعايير عيش وجودة حياة مرتفعة نسبيًا، فمتوسط دخل الفرد في تونس يعد ضعف نظيره في المغرب ومصر، كما أنه أعلى من الجزائر، بالرغم من أن الجزائر لديها نفط وأن جارتها الشرقية ليس لديها أي شيء تقريبًا".

ويضيف الكاتب أن نسب تقدم تونس كانت عالية في الكثير من المجالات، مثل تقليل الفقر والأمية بالإضافة إلى تمتعها بنسب مرتفعة في التعليم وفي الحد من النسل وفي وضعية المرأة. كما أنها استطاعت أن تبني مجتمعًا من الطبقة المتوسطة عن طريق العمل الجاد وليس بضخ النفط من باطن الارض؛ وتونس تصدر الملابس وزيت الزيتون وتستقبل وترحب بمئات الآلاف من السياح الأوربيين كل عام.

وبالرغم من أن تونس في ظل بن علي كانت دولة بوليسية، وبالرغم من أن المقايضة الضمنية التي عقدتها مع الشعب ـ والتي مفادها "اخرسوا واستهلكوا" ـ بدا أنها لا تزال متماسكة، مما جعل تونس واحة من الهدوء بين الجزائر الممزقة وبين ليبيا تحت حكم القذافي. ولكن الاحتجاج المأساوي من ذلك البائع المتجول أحدثت حالة واسعة من الاضطرابات، بالرغم من أنها لم تكن ظاهرة في البداية، ولكن الظلم تفشى وكشف عن أن سمعة تونس كدولة مستقرة لم تكن سوى وهمًا.

فالناشطون السياسيون الذين رفضوا المقايضة الضمنية التي عقدها بن علي تعرضوا للقمع والاستبداد، فقد قام الرئيس بسجن آلاف النشطاء السياسيين أثناء حكمه الذي بلغ 23 عامًا، والغالبية منهم كانت من الإسلاميين والذين قبعوا في السجون بتهم متفاوتة لعدة سنوات، حتى بالرغم من عدم توجيه أية اتهامات لهم باستخدام العنف. كما أن هناك مجموعة من اليساريين والصحفيين وناشطي حقوق الإنسان والمحامين الذين سجنوا بتهمة تشويه صورة تونس أو بث "معلومات خاطئة"، أو بتهم جنائية ملفقة. كما كانت الشرطة بالملابس المدنية تقوم بتعذيب المشتبه فيهم أثناء الاستجوابات كما كانوا يفضّون حتى التجمعات الرمزية في الشوارع وكانوا يروعون المنتقدين وكانوا يتعقبون الصحفيين الأجانب وموظفي حقوق الإنسان.

وبالرغم من ذلك فإن أولئك الذين تعرضوا للقمع كانوا نسبة قليلة من عدد السكان البالغ عددهم عشرة ملايين تونسي. فالغالبية الصامتة اشتملت على معظم المفكرين، والذين كانوا من أوائل التسعينيات قد خرجوا من الحياة السياسية، ويقول الكاتب أن البعض أيد الحكومة لأنهم كانوا يخشون من الإسلاميين، والذين ازدادوا في القوة قبل أن يقمعهم بن علي في أوائل حكمه. في حين لم ير البقية فائدة في الانضمام إلى المعارضة عندما يكون الثمن هو تضييق وحشي مستمر من الشرطة بمعاطفها الجلدية ونظارات الشمس السوداء، وإقصائهم من الوظائف الحكومية والقيود على حرية الحركة والسفر.

لذا أبقى المواطن التونسي العادي رأسه منخفضًا وذهبوا إلى أعمالهم في صمت، وكان هناك عدد كبير من فرص العمل: فبالمقارنة مع الدول المجاورة، كانت أعداد الشباب العاطلين عن العمل والذين يرتادوا المقاهي طوال اليوم أقل، وعدد أقل من الشباب الذين يتسكعون في الشوارع طوال النهار. والمرأة التونسية كانت مرئية بصورة أكبر في الفضاءات العامة وكانت ممثلة بصورة أفضل في الطبقة العاملة.

وكان دائمًا لدى الحكومة نقادها، ولكن في منتصف التسعينيات قام بن علي بسحق المعارضين وقلص أعدادهم إلى حفنة قليلة من "الرافضين"، وأولئك المحامون والكتاب والناشطون كان يتم الاحتفاء بهم في بارس وبروكسل بسبب شجاتهم، ولكنهم كانوا غير معروفين تقريبًا في الداخل بسبب أن القمع كان قد بدد حركاتهم ورفضت وسائل الإعلام أن تغطي قضيتهم ونشاطاتهم.

إن أولئك الرافضين هم الذين أصروا على أن التونسي العادي وصل إلى ذروته ومستعد للثورة، فالمعجزة الاقتصادية التونسية كانت وهمًا على حد زعمهم، فالشعب التونسي كان يعاني من حالة من عدم المساواة وتبخرت نسب المعيشة العالية، بالإضافة إلى الاهتزازات التي حدثت للمجمتع التونسي وسوء المعاملة التي يلقاها التونسيون على أيدي الشرطة والمسئولين المحليين، وقصص الفساد المستشري والثروات المنهوبة بين أقرباء وأصدقاء الرئيس.

ففي أوائل العقد الماضي توسعت الدائرة الصغيرة من الخصماء السياسيين شيئًا فشيئًا وتكونت دائرة أكبر من التونسيين حول تلك النواة من الرافضين، وبالرغم من أنهم لم يكونوا من النوع الحماسي والثوري، إلا أنهم أرادوا أن يتم حسابهم من بين الذين قالوا لا للقمع. وهذا اشتمل على مفكرين أدركوا أن مشكلة الرئيس لم تكن فقط مع الإسلاميين، ولكن مع أي شخص يعترض على حكمه. وقد أوضح للكاتب أحد أساتذة الصحافة الذي كان قد رفض لقائيه قبل ذلك في عام 1999، قائلاً أن مثل تلك اللقاءات يمكن أن تسبب له استجوابات من الشرطة ولكنه بدأ في استقباله بانفتاح وحضر التجمعات الصغيرة التي نظمها مجتمع حقوق الإنسان المضطهد هناك.

أما الدوائر الخارجية فاشتملت على عائلات من السجناء السياسيين، ففي منتصف التسعينيات بدأت تلك العائلات في التعلق بالكاتب من الخوف حيث إنه كان مبعوثًا لمنظمة حقوقية عالمية، ولكن بعد خمس سنوات قرروا أنهم ليس لديهم ما يخسرونه بعد الآن. كما اشتملت الدائرة أيضًا على سجناء سياسيين سابقين، وخلصوا أيضًا إلى أن الصمت المطبق لم يصل بهم إلى أي مكان لأن سياسة الدولة لم تكن تعمل على استيعابهم وإصلاحهم ولكن على القضاء عليهم وسحقهم من خلال التضييقات والمراقبة ومنعهم من الوظائف والسفر للخارج.

وقبل فترة طويلة من قيام البائع المتجول محمد البوعزيزي من إحراق نفسه في 17 ديسمبر في بلدة سيدي بوزيد، وهو ما أشعل أسابيع من التظاهرات أدت إلى الإطاحة ببن علي، خرج الكثير من السجناء السياسيين السابقين إلى الشوارع رافعين لافتات تدعو إلى بيع أطفالهم لأن الحكومة منعتهم من العمل لإعالة عائلتهم. وأحدهم، هو صلاح الدين علوي، مهندس زراعي من مدينة الجندبة، خرج من السجن عام 2004 بعدما قضي 14 عامًا في السجن بتهم سياسية، ليواجه بقيود إدارية مدتها 16 عامًا أعاقت فرصه في استكمال الحياة الطبيعية.

والانضمام إلى تلك الدائرة الخارجية كان من نصيب البعض من رجال الأعمال من النخبة، والذين اكتشفوا أنه ليس المنشقين فقط هم الذين يسقطون ضحايا للممارسات الوحشية من اليد الطولى للنظام، فمحمد البوعبدلي مؤس مجموعة من المدارس الخاصة المحترمة في تونس، كان مستثمرًا ليس له أي اهتمام بالسياسة، حتى طالبه بعض من أقارب الرئيس بمعاملة خاصة لأطفالهم، وهو ما رفضه، ليواجه انتقامهم الوحشي، فما كان منه إلا أنه انتقد علانية تلك الممارسات القمعية التي تمارسها اليد الطولى للنظام، ليواجه بحكم قضائي بالاستيلاء على جامعته الخاصة التي بناها ويديرها. والبوعبدلي ـ الذي كان علّم الكثيرين من نخبة البلاد وأبنائهم ـ تحول بين عشية وضحاها إلى منشق وخارج عن الطاعة.

ولكن ما وراء تلك الدائرة المتسعة بدا أن هناك غالبية تونسية تعيش في راحة، وعلى وعي تام بقدرة وسلطة الشرطة السرية وبجهاز الحزب الحاكم الذي كان يسيطر على الأعمال والخدمات ويفتحون أبواب الرخاء لمن يرضون عنه. ويقول الكاتب أنه كثيرًا ما أخبره التونسيون بأن بلادهم أصبحت يانعة للديموقراطية لأن شعبها معتدل ومتسامح ومتعلم ومعظمه من الطبقة المتوسطة. والصورة الذاتية تلك توضح لماذا أن إحراق البوعزيزي لنفسه بعدما صادرت الشرطة عربته لبيع الخضروات أحدثت ذلك الأثر المستقطب للشعب.

فالبوعزيزي لم يكن بائعًا متجولاً عاديًا، فقد كان خريجًا جامعيًا أجبر على قبول تلك المهنة الوضيعة والمضايقات التي جلبها على نفسه من المسئولين المحليين. فقد كان ذلك من الصعب قبوله من تونسي خرج من النظام التعليمي الذي رعاه من قبل الرئيس السابق الحبيب بورقيبة، والذي أطاح به بن علي عام 1987. ويقول الكاتب أنه في تلك البقعة من العالم الذي يعتبر فيها دائمًا أن الانتحار العام يرتبط بأولئك المتحمسين الذين يريدون أن يفجروا أكبر عدد من الأبرياء معهم، فإن البوعزيزي أزهق روحه ليضفي حالة درامية على محنته ومحنة آخرين مثله، فحركته تلك كانت عملاً يائسًا لم تضر بأحد غيره، وهذا ما أدركه الكثير من التونسيين، وهذا ما كان محفزًا للثورة.

ويضيف الكاتب أنه إذا لم يكن يتوقع من قبل أن يثور التونسيون ضد بن علي، كان سيعلم أن بن علي وصل إلى نهايته في اللحظة التي ظهر فيها على التلفاز في 10 يناير يعد بخلق 300 ألف وظيفة؛ فقد كان بن علي يحكم بالخوف، وعندما أوحى للناس للحظة أن حكومته سوف تستجيب للشارع التونسي، لم يعد بن علي الذي يعرفونه في السابق؛ فقد ظهر إمبراطورًا عاريًا، وبذلك فإن الغالبية الصامتة ـ أو على الأقل القطاع الصحي من تلك الغالبية ـ خرجوا إلى الشوارع للإطاحة به.

وهناك الكثير من العوامل التي أشعلت تلك المظاهرات وحافظت على وجودها، بما في ذلك التغطية المركزة من قناة الجزيرة والمقاطع التي صورها التونسيون العاديون بكاميرات هواتفهم الجوالة والتي تم نشرها بعد ذلك على اليوتيوب وعلى الفيس بوك والتي ظهرت على التويتر، وحتى وثائق ويكيليكس التي أشارت إلى عدم ارتياح متزايد من الولايات المتحدة ببن علي كحليف لها.

ولكن القاعدة الأساسية للتغيير لا تزال موجودة ويجب أن تعمل كتحذير للحكام المستبدين الآخرين وللدول الغربية التي تدعمهم: الحكومة التي تقمع المنشقين وتراقب الإعلام ربما تطفو لوهلة في بحر من الرخاء وتجعل القطار يسير في موعده، ولكن استقرارها الأساسي يظل محل شك طالما أن مواطنيها لا يستطيعون التعبير عن مظالمهم عبر القنوات السلمية والمفتوحة.

ويختتم الكاتب مقاله قائلاً: "لقد كان أصدقائي التونسيون على صواب، فالدولة البوليسية تبدو مستقرة.. ولكن فقط حتى اليوم الذي تسقط فيه كمنزل من قش".

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 26 يناير 2011
  1. أفكار ستغير حياتك (4) لا يوجد فشل ولكن خبرات وتجاربفريد مناع (إن الفشل هو السبيل الوحيد للنجاح) كريسي ويتينج في الأربعينات من القرن الماضي، دار مخترع أسمه تشيستر كارلسون بفكرته المبتكرة على عشرين شركة مختلفة، كان من بينها بعض كبريات الشركات في البلاد، ولكن كل هذه الشركات خذلته. وفي عام 1947إدارة الذات · 7 د قراءة
  2. كيف تصنع رؤية لمؤسستك؟ 3مصطفى كُريِّم ( أهم شيء أن يكون لديك دستور للحياة: أن تعرف كيف تحيا، يجب أن تجد لنفسك مقصدًا). د. هانز سيل إن من أحد أهم الطرق لتحديد الغرض هو (5 لماذا)، فنبدأ بوضع عبارة وصفية، نحن نقدم "س" من المنتجات أو "س" من الخدمات ومن ثم نسأل خمسة مرفكر إداري · 10 د قراءة
  3. معركة الولجةبعد أن وجه المسلمون ضربة قوية للفرس بفتح مدينة «الأبلة» منفذ الفرس الوحيد على الخليج العربي أمر كسرى الفرس بإعداد جيشين من أكبر وأقوى الجيوش الفارسية يقودهما أمهر قادة الفرس وهما: «الأندرزغر»، و«بهمن جاذويه»، وقد أمرهما كسرى بالتوجه بسرعة إحدث في مثل هذا اليوم · 1 د قراءة
  4. دراسة تربط بين الأسماء وهوس الشراءربط باحثان أمريكيان بين الأسماء وهوس الشراء, وأعلنا أن من تبدأ أسماء عائلاتهم بالأحرف الأخيرة بلائحة الأحرف الأبجدية يميلون إلى شراء الأشياء بشكل أسرع ممن تبدأ أسماؤهم بأحرف في بداية اللائحة. ووجد الباحثان أن الحرف الأول من اسم العائلة يحددمنوعات · 1 د قراءة
  5. برلمان الأردن يتراجع عن خفض عقوبة الزناتراجع البرلمان الأردني عن قراره بإجراء تعديل على قانون العقوبات ليقضي بتحفييف العقوبة عن مرتكبي جريمة الزنا، تحت ضغوط شعبية واحتجاجات الإسلاميين. وأبقى المجلس خلال الجلسة التي عقدها الأربعاء على عقوبة السجن لمدة تتراوح ما بين سنة إلى ثلاثة العالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  6. جولة في صحافة الاربعاء 26 ينايرمفكرة الاسلام: جولة الاربعاء حافلة بعدد من القضايا, في مقدمتها تسريبات الوثائق الفلسطينية,والموقف المتدهور في لبنان, اضاف الى التظاهرات الغاضبة في مصر. تسريبات تناولت الديلي تلجراف قضية التسريبات للوثائق السرية الفلسطينية والتي كشفت أن المخجولة الصحافة · 7 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: ثورة الطبقة المتوسطة