كيف تصنع رؤية لمؤسستك؟ 3
مصطفى كُريِّم
(أهم شيء أن يكون لديك دستور للحياة: أن تعرف كيف تحيا، يجب أن تجد لنفسك مقصدًا).
د. هانز سيل
إن من أحد أهم الطرق لتحديد الغرض هو (5 لماذا)، فنبدأ بوضع عبارة وصفية، نحن نقدم "س" من المنتجات أو "س" من الخدمات ومن ثم نسأل خمسة مرات: لماذا يعد هذا المنتج أو الخدمة مهمًا، وسنجد أننا سنصل إلى الغرض الرئيسي للمنظمة.
نستخدم هذه الطريقة لتعميق وإثراء النقاش الخاص بتحديد الغرض، عندما نعمل مع شركة لبحث السوق، سيلتقي فريق المدراء التنفيذيين لعدة ساعات، حتى يصلوا إلى العبارة التالية المعبرة عن غرض المؤسسة وهي: تقديم أفضل بيانات متاحة للسوق، ومن بعدها نسأل السؤال التالي: لماذا يعد هذا الأمر هامًا؟
وبعد المناقشات، سيجيب المدراء التنفيذيين بشكل يعكس الإحساس العميق بغرض المؤسسة: حيث سيتمكن عملاؤنا من فهم أسواقهم بشكل أفضل من ذي قبل، ومع تعميق النقاش، سيتضح للفريق الغرض بشكل أعمق من مجرد مساعدة العملاء، ليتخطى ذلك نحو المشاركة والمساهمة في نجاح العملاء.
وسيقود النقاش العميق الشركة نحو تحديد غرضها كالتالي:
المساهمة في نجاح العملاء من خلال مساعدتهم في فهم الأسواق التي يعملون بها، وحينما يستقر هذا الغرض في الأذهان، سيتحدد نمط إتخاذ القرار ليس من خلال هل سنستطيع أن نبيع؟ ولكن من خلال هل سنتمكن من المساهمة في نجاح العملاء؟
أهمية طريقة 5 لماذا؟
تساعد طريقة 5 لماذا الشركات في أي صناعة كانت، على تحديد نمط عملهم بشكل ذو مغزى.
فشركات الأسفلت والحصى، قد تلخص وجودها في إنتاج الأسفلت والحصى، ولكن بعد بعض من أسئلة لماذا، سيمكنها استخلاص أهمية إنتاج الحصى والأسفلت، في أنها تساهم في جودة البنية التحتية، وتلعب دورًا هامًا في أمان الإنسان؛ لأن السير في طريق منقعر أمر مزعج وخطير، كما أن طائرات بوينج 747 لا يمكنها الهبوط على مدرج ضعيف الإنشاء، أو من أسمنت ردئ؛ لأن البناء بمواد دون المستوى، يضعف البناء على مر الزمن، ويجعله عرضة للتفتت بسبب الزلازل.
ومن خلال ذلك يتبين لنا الغرض لهذه الشركة: جعل حياة الناس أفضل من خلال تطوير جودة الإنشاءات التي يقوم بها الإنسان.
ومن خلال إحساسها بأهمية الغرض الذي قامت من أجله، فازت شركة واطسون فيل لصخور الجرانيت بولاية كاليفورنيا بجائزة مالكوم بالدريج الوطنية للجودة، وهي ليست بالأمر الهين على شركة صغيرة، ثم أصحبت تلك الشركة واحدة من أكثر الشركات التي صادفتنا في أي نوع من أنواع الصناعات تطورًا.
لاحظ أنه ليس هناك غرض جوهري، يقع في خانة (زيادة ثروة المساهمين)، فالدور الأساسي للغرض الجوهري، هو الإرشاد والإلهام.
الشركات العظيمة تتحدث عن نفسها:
إن زيادة ثروة المساهمين، لا تلهم العاملين في كل مستويات المنظمة، فهي تمنح القليل من الإرشاد، فهي أغراض جاهزة لتلك المنظمات، التي لم تحدد حتى الآن أغراضها الجوهرية الحقيقية، فهي بديل ضعيف لها.
حينما يتحدث العاملون في الشركات العظيمة بحق عن إنجازاتهم، فإنهم يتحدثون قليلًا عن الأرباح الخاصة بكل سهم، فإن العاملين بموتورولا يتحدثون عن التحسين المذهل للجودة، وتأثير منتجاتهم على العالم، وهويليت بيكارد تتحدث عن مساهماتها التقنية في عالم التجارة، بينما تتحدث نوردستورم عن الخدمة النبيلة للعملاء، والأداء الفردي المذهل للنجوم من رجال المبيعات.
وحينما يتحدث مهندس من بيونج عن إطلاق طائرة مثيرة ستحدث ثورة عالمية، فلن يقول: (لقد وضعت قلبي وروحي في ذلك المشروع؛ لأن ذلك سيرفع ثمن الأرباح على السهم الواحد بمعدل 37 سنتًا).
روشتة سريعة:
هناك طريق واحد لمعرفة الغرض الذي يتجاوز مجرد زيادة ثروة المساهمين، وهو أن تلعب لعبة (القاتل المتسلسل العشوائي للمنظمة):
افترض أنك ستبيع الشركة لشخص سيدفع ثمنًا أكثر من المتوقع (حتى مع بعض التوقعات السخية، بزيادة متوقعة في التدفق النقدي على الشركة في المستقبل)، وافترض ما هو أبعد من ذلك، وهو تعهد المشتري بإبقاء العمالة كما هي وبنفس المرتبات بعد البيع، ولكن بدون التعهد بأن يبقي الشركة في نفس نوع الصناعة التي تعمل بها الآن، وأخيرًا افترض أن المشتري سوف يقتل الشركة بعد البيع، بمعنى أنه سيوقف المنتجات والخدمات، وستتوقف العمليات، وستوضع الأسماء التجارية على الرف للأبد، ستمحى الشركة من الوجود تمامًا.
هل ستقبل العرض؟ لماذا تقبل ولماذا لا تقبل؟ ماذا ستخسر إن تم محو الشركة من الوجود؟ ما هي أهمية استمرار الشركة في الوجود؟ لقد وجدنا هذا التمرين قويًا؛ لمساعدة المدراء التنفيذين الماديين على التعرف على الأسباب العميقة للوجود.
ومقاربة أخرى، هي أن تسأل كل عضو، من أعضاء مجموعة المريخ: كيف يمكننا أن نصوغ الغرض من المنظمة، حتى إذا استيقظت غدًا صباحًا، ولديك مال كاف في البنك للتقاعد، سوف تظل مع ذلك تعمل بها؟ ما هو الغرض العميق الذي يحفزك للاستمرار في تكريس طاقتك الإبداعية القيمة من أجل الشركة؟
بحلول القرن الواحد والعشرين، سيكون على الشركات أن ترسم لوحة لكل الطاقة الإبداعية والمهارية للعاملين بها، ولكن ما الذي يدفع هؤلاء العاملين أن يعطوها القياسات الكاملة والدقيقة؟ أشار بيتر دراكر، أن أكثر الأشخاص تكريسًا لمجهوداتهم، هم المتطوعون؛ لأن لديهم الفرصة لفعل شيء آخر في حياتهم.
ونظرًا لزيادة معدل التنقل في المجتمعات، فمن السخرية الحديث عن حياة الشركات، وزيادة قطاع الرواد في الاقتصاد، حينها سيكون على الشركات أن توضح أغراضها؛ لجعل العمل ذا مغزى، ومن ثم تتمكن الشركات من جذب وتحفيز العاملين وإبقائهم في العمل.
اكتشف الإيدولوجية الجوهرية:
إنك لا تصنع أو تضع الإيدولوجية الجوهرية، إنك فقط تكتشفها، لن تستنتجها من خلال النظر للبيئة الخارجية، بل بالنظر إلى الداخل، فلابد أن تكون الإيدولوجية موثوق بها، فهي لا تستعار أو تزور، واكتشافها ليس تمرينًا فكريًا، فلا تسأل ما هي القيم الجوهرية التي نحملها؟ ولكن اسأل بدلًا من ذلك ما هي القيم الجوهرية التي نحملها حقًا وبحماسة شديدة؟
فلا تخلط بين القيم التي تظن أن على الشركة أن تمتلكها، ولكنها لا تعتمد على قيم جوهرية موثوق بها، فإن فعلت هذا فستخلق جوًا من السخرية داخل المنظمة (مع من يمزح هؤلاء؟ فنحن نعلم جميعًا أن ليس ثمة قيم جوهرية!).
والطموح هو الجزء الأهم من المستقبل المرتقب، أو جزء من استراتيجيتنا، ولكنه ليس جزءًا من الإيدولوجية الجوهرية لشركتنا، بينما القيم الجوهرية الموثوق بها، وإن خبت عبر الزمن لكنها هي الجزء المنطقي من الإيدولوجية الجوهرية، طالما اعترفت للمنظمة بأن عليك أن تعمل بكد؛ كي تعيد إحياءها.
ومن الواضح أيضًا، أن دور الإيدولوجية الجوهرية، هو الإرشاد والإلهام، وليس التميز والتفرقة، فقد يكون لشركتين مختلفتين نفس القيم والغرض الجوهري.
فكثير من الشركات غرضها المساهمة التقنية، ولكن قليل منها يعيش ذلك بحماسة كما فعلت هيوليت بيكارد، وكثير من الشركات غرضها الحفاظ على حياة الإنسان وتنميتها، ولكن القليل من يعمل هذا الغرض بعمق كما فعلت ميرك، وكثير من الشركات غرضها الخدمة النبيلة للعملاء، ولكن القليل من خلق ثقافة قوية تدعم هذه القيمة مثلما فعلت نوردستورم، والكثير من الشركات غرضها الجوهري هو الإبداع، ولكن القليل من خلق آليات واضحة وقوية تحفز الإبداع، مثلما رأينا في ثري إم.
إن الحماسة والانضباط والاتساق الذي به تحيا الإيدولوجية، وليس مضمون الإيدولوجية هو الذي يفرق بين الشركات ذات الرؤية وبين غيرها.
تحتاج الإيدولوجية الجوهرية إلى أن تكون ذات مغزى وملهمة لمن هم داخل المنظمة، ولا ينبغي أن تكون مثيرة لمن هم خارجها، لماذا؟ لأن الأفراد داخل المنظمة هم من يلزمهم التوافق مع تلك الأيدولوجية على المدى البعيد، وتلعب الإيدولوجية الجوهرية دورًا في تحديد من سيكون داخل المنظمة ومن لن يكون بها.
حيث تجتذب الإيدولوجية حينما تكون واضحة، أشخاصًا تتوافق قيمهم مع قيم المؤسسة الجوهرية، بينما تلفظ الآخرين، فلا يمكنك فرض تلك القيم والأغراض الجوهرية على الناس، ولا يمكن شرائها، ولذا يتساءل المدراء التنفيذيون دائمًا: كيف نجد أناسًا يشاركوننا قيمنها الجوهرية؟ فابحث عن الأشخاص المستعدين؛ لكي يشاركوك قيمك الجوهرية وأغراضك، واجتذب هؤلاء الأشخاص وحافظ عليهم، ودع الآخرين يذهبوا إلى أي مكان آخر.
وهذه العملية قد تدفع البعض للرحيل، حينما لا يجدوا أنفسهم متفقين مع قيم المنظمة، لذا رحب بتلك النتيجة، ومن المحبذ أن تحافظ على تنوع بشري، ووجهات نظر متعددة في منظمتك، وهؤلاء الأشخاص الذين يشاركونك قيم المنظمة وغرضها، لن يفكروا وينظروا للأمور بنفس الطريقة على الدوام.
لا تخلق تعارضًا بين الإيدولوجية الجوهرية والعبارة الممثلة لها، فقد يكون للشركة إيدولوجية جوهرية قوية جدًا دون عبارة رسمية معبرة عنها، فعلى سبيل المثال:
شركة نايك لا تمتلك عبارة واضحة للغرض الجوهري، ولكن ـ حسب ملاحظاتنا ـ فإنها تتمتع بغرض قوي: الشعور بالمنافسة والفوز وهزيمة المنافسين، فلدى نايك مقر يشبه ضريح روح المنافسة، فالصور الكبيرة لأبطال نايك تغطي الجدران، واللوحات البرونزية معلقة على لوحة الشرف الخاصة بالشركة، وتماثيل أبطال نايك تصطف على جانب طريق الركض الذي يطوق المكان، وبنايات أبطال المجد مثل بطل المارثون الأولومبي جون بينويت، ونجم السلة مايكل جوردن، ولاعب التنس السابق جون ماكينرو.
فهؤلاء الذين لا يمكنهم الشعور بروح المنافس، ولا تحفزهم تلك الروح ببساطة، لن يتمكنوا من الاستمرار في تلك الثقافة، وحتى اسم الشركة يعكس تلك الروح، حيث إن نايك هو إله النصر عند الأغريق، فإن لم تكن نايك قد وضحت غرض الشركة بشكل رسمي ولكنها بوضوح تمتلك غرضًا قويًا.
فتوضيح قيم الشركة وغرضها الجوهري ليس تمرين للكلامات المتقاطعة، ولكن الشركة ستصوغ العدد من العبارات التي تصف الإيدولوجية الجوهرية عبر السنين، ففي أرشيف شركة إتش بي نجد أكثر من نصف دستة من النسخ المميزة لطريق إتش بي، صيغت بواسطة ديفيد بيكارد بين 1956م وحتى 1972م، وكل النسخ تنص على نفس المبادئ، ولكن بكلمات مختلفة تبعًا للعصر والظروف.
وبالمثل فإن سوني قد نصت على الإيدلوجية الجوهرية، بشكل مختلف عبر تاريخ الشركة، فعند تأسيسها، وصف ماسارو إيبوكا عنصرين محوريين في إيدولوجية سوني: (علينا أن نرحب بالصعوبات التقنية، ونركز على المنتجات المتقدمة تقنيًا التي لها فائدة عظيمة على المجتمع، بغض النظر عن كميتها، لابد أن نؤكد على الإمكانية والأداء والسمات الشخصية، حتى يتمكن كل فرد من إظهار أفضل ما لديه من القدرة والمهارة).
وبعد ذلك بعقود أربع، ظهر نفس المفهوم في البيان الخاص بالإيدولوجية الجوهرية، والذي أطلق عليه روح سوني الرائدة: (سوني شركة رائدة، ولا تنوي متابعة الآخرين، من خلال التطور تريد سوني أن تخدم العالم بأسره، والساعية لاكتشاف المجهول ...فلدى سوني مبدأ هام وهو احترام وتشجيع قدرات الفرد ...وتحاول دائمًا أن تخرج أفضل ما في الفرد، هذه هي القوة الحية لسوني)، نفس القيم الجوهرية ولكن بكلمات مختلفة.
ركز على الوصول إلى المحتوى الصحيح، إلى روح القيم والأغراض الجوهرية، فالأهم ليس أن تصوغ بيانًا أو عبارة جيدة، ولكن أن تصل إلى فهم عميق لغرض المؤسسة وقيمها الجوهرية، والتي يمكن التعبير عنها بطرق شتى، فإن تم تعريف الجوهر، سيصبح من السهل على المدراء، أن يصوغوا بيانهم الخاص المعبر عن غرض الشركة وقيمها الجوهرية، ليتشاركوها مع مجموعاتهم.
وأخيرًا:
لا تقع في التعارض بين الإيدولوجية الجوهرية وبين مفهوم القدرة الجوهرية، فالأخيرة هي مفهوم استراتيجي يعني قدرات المنظمة ـ ما هو الأمر الذي تجيده ـ بينما تهتم الأيدلوجية الجوهرية بسبب وجودك، فالقدرة الجوهرية لابد أن تتوازى مع الإيدلوجية الجوهرية وتتجذر فيها، ولكنهما ليسا سواء.
مثلًا، لدى سوني قدرة جوهرية على التصغير ـ أي صناعة النموذج الذي يمكن تطبيقه على نطاق واسع من المنتجات والأسواق ـ ولكن لم يكن ذلك ضمن إيدولوجيتها الجوهرية ولا ضمن استراتيجياتها خلال 100 عام، فعند شركة كبرى مثل سوني، المقدرة الجوهرية تتبدل عبر العقود بينما تبقى الإيدولوجية الجوهرية كما هي.
عندما تكون تلك الإيدولوجية واضحة، يمكنك أن تغير أي شيء ليس جزءًا منها، فحينما يقول أحدهم عن شيء أنه لا يتغير لأنه (جزء من ثقافتنا) أو (دائمًا ما نقوم بهذا العمل بهذه الطريقة)، أو أي أعذار أخرى، ستوضح له هذه القاعدة البسيطة: إنه ليس الجوهر، إذًا هو قابل للتغيير، والنسخة الجديدة والأقوى من هذه القاعدة: إنه ليس الجوهر، فلنغيره، فتوضيح الإيدلوجية الجوهرية مجرد نقطة البداية، وعليك أيضًا أن تحدد أي نوع من التطوير تود تحفيزه.
أهم المراجع:
1. صناعة الرؤية الخاصة بشركتك، جيمس كولنز وجيري بوراس، دورية جامعة هارفرد، سبتمبر/ أكتوبر 1996م.
2. رؤية سوني، نيك ليونز.
3. صنع في اليابان، أكيو موريتا.
4. قوة الأهداف، كاترين كاريفلاس.