مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

مَنْ هِي قُدوَتك؟؟

8 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

سحر محمد يسري

أذهلت الأب المفاجأة وعقدت لسانه، عندما فاجأته ابنته التي لم تتجاوز تسع سنوات بقولها: أنها تريد أن تصبح ممثلة أو راقصة..!

الأب مندهشًا: لماذا يا حبيبتي..؟! فأجابت الابنة: لأنه أقصر طريق لكسب المال، والشهرة..!

وقد سمعت الابنة هذا الكلام من تصريحات إحدى الممثلات في برنامج تلفزيوني!

أهمية القدوة:

عزيزي المربي.. عزيزتي الأم.. تعد طريقة التعلم واكتساب السلوك من خلال القدوة من أكثر طرق التعلم تأثيرًا وسهولة، فالنفس بطبيعتها تميل للتقليد، ويزيد هذا الميل في مرحلة المراهقة، وقد تصل إلى مرحلة يطلق عليها بعض علماء النفس "تقديس الأبطال" والتقديس لله وحده - عز وجل -، ولكنها إشارة إلى قوة تأثير القدوة في هذه المرحلة.

إنّ من أهم سمات مرحلة المراهقة: القابلية الشديدة للاستهواء، والتأثر بالغير سواء كان في مثل سن المراهق – المراهقة- أو أكبر منهم، أو شخصية خيالية أو حقيقية من التاريخ؛ لذلك كان على الوالدين أن يستغلا هذه القابلية الطبيعية للاستهواء ليجذبا منها الفتاة إلى خط الصعود إلى الفضيلة، وإلى القيم العليا والمباديء الإنسانية الرفيعة. وهذا الاستعداد الشديد للاستهواء لم يخلقه الله عبثًا، ولا ليمثل مشكلة للإنسان، ولكن ليؤدي مهمته في البناء السليم للنفس وذلك حين يوجّه التوجيه الصالح على الهدي المنهج الربّاني، بينما يمثل خطرًا عظيمًا مدمرًا حين يوجّه توجيهًا سيئًا على هدي المناهج الباطلة المخالفة لهدي رب العالمين. (حنان الطوري:دور الوالدين في تنشئة الفتاة،ج1،ص:86)

هل تنجح التربية بدون قدوة ؟

بدون وجود القدوة لا ينفع التأديب أو التهذيب، ولا تؤثر الموعظة، وبالتالي قد لا تنجح التربية !!

هذه الحقيقة التي فطن إليها الصالحون قبلنا، فكان أحدهم يقول لمربي أبنائه (وهو من يعادل المدرس في زماننا أو مشرف الحلقة في المسجد) :"ليكن أول إصلاحك لهم إصلاحك لنفسك، فإن عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت" (أحمد فريد:التربية على منهج أهل السنة والجماعة،ص:255) ولذلك يتعين على الآباء والمربين استشعار مسئوليتهم كقدوات لأبنائهم، وما أعظم موقف الفاروق عمر رضي الله عنه وهو يعلم المربين كيف تكون القدوة، إذ كان يجمع أهل بيته ويقول لهم: "أما بعد فإني سأدعو الناس إلى كذا وكذا، وأنهاهم عن كذا وكذا، وإني أقسم بالله العظيم لا أجد منكم واحدًا يفعل ما نهيت الناس عنه أو يترك ما أمرت الناس به إلا نكّلت به نكالًا شديدًا".

وتأثير القدوة يقع على أكثر من وجه:

1- التأثير العفوي غير المقصود:

وهذا النوع من التأثير يعتمد على مدى اتصاف شخصية القدوة بصفات تدفع الآخرين إلى تقليده، كالتفوق العلمي، والانضباط الأخلاقي، والتدين الصادق الذي لا يتناقض فيه الظاهر مع الباطن، ولا قول مع العمل، وفي هذه الحالة يصل القدوة إلى درجة التأثير في الآخرين، ويمثل النموذج الذي يسعى مَن حوله لأن يحاكيه ويكون على مثاله، ويصدق فيه قول القائل:فعل رجل في ألف رجل، خير من قول ألف رجل في رجل.

2-التأثير المقصود:

وهذا النوع واجبٌ على الآباء والأمهات والمربين والدعاة وكل من أنزله الله تعالى منازل التربية وجعله رأسًا يقتدى به بدءًا من محيط الأسرة إلى ما هو أوسع من ذلك، وقد مدح الله تعالى طائفة من عباده أدركوا تلك المسئولية وسألوه عزّ وجلّ أن يؤهلهم لها،قال تعالى: " وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَاوَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا" [الفرقان: 74]

ولقد صلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم مرة على المنبر كما روى ذلك الإمام مسلم عن سهل بن سعد رضي الله عنه أنه قال :

"ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عليه فكبر وكبّر الناس وراءه وهو على المنبر ثم رفع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته ثم أقبل على الناس فقال: "يا أيها الناس إني صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي ".

لماذا القدوة المسلمة الآن؟

بالنظر إلى واقع فتياتنا المعاصر وما يجدنه من كثرة الفتن والأهواء، وتكالب التحديات (داخلية وخارجية) عليهن، يؤكد أن بناتنا بحاجة ماسة للقدوة الحسنة المسلمة، وهي وإن كانت حاجة ماسة لكل عصر وزمان، فإن الحاجة إليها في عصرنا الحاضر أصبحت أكثر إلحاحًا؛ لما تعانيه المجتمعات المسلمة من هجمة شرسة على المرأة المسلمة خارجيًا وداخليًا، من مؤتمرات مشبوهة إلى دعاوى باطلة تحاول أن تطمس الحق وتزين الباطل لنسائنا وبناتنا، إضافة إلى تغييب متعمد لظهور القدوات الصالحة وإبرازهن إعلاميًا.في حين لا يخفي بروز قدوات نسائية فاسدة خلقيًا وفكريًا، مما يشكل خطرًا على الفتاة إن لم يربطها الوالدان مبكرًا بالقدوات الصالحة.

ويزيد من قوة تأثير هذه الدعاوى أمرين خطيرين:

- ضعف البناء العقدي لبعض فتياتنا، وعدم وعي بعض الأسر المسلمة بأهمية تكوين قاعدة ثقافية إسلامية لدى الفتاة المسلمة تمكنها من الثقة في عقيدتها ومنهجها، والمدافعة والوقوف في وجه مثل هذه التيارات.

- غياب المرأة المسلمة القدوة عن ساحة الإعلام أو الظهور بصفة عامة، ويقابله تشويه متعمد لصورة المرأة المسلمة، كما يقابل ذلك كم هائل من الغثائية الأنثوية التي لا تمثل قيم ومبادئ ديننا الحنيف بصورة صحيحة.

ولذلك كله فنحن بحاجة للقدوة المسلمة في محيط فتياتنا في المنزل.. والمدرسة.. وحلقات تحفيظ القرآن.. وأن تتصف هذه القدوة بأنها إسلامية المنهج عصرانية الحياة، قادرة على التأثير في سلوك وتوجه فتياتنا، وأهم من ذلك أن تتمكن من تحقيق الإشباع والاحتواء العاطفي للفتيات، من خلال فهم النفسيات وتقدير خصائص المراحل العمرية، والرفق واللين وأن يكون شعارها نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } [آل عمران: 159].

كما أن هناك جوانب أخرى في مسألة القدوة تستدعي التركيز والاهتمام حتى يتكامل ربط الفتاة بالقدوات الصالحات، وبناء القدوة في شخصيتها الواعدة،مثل:

- إبراز القدوات الصالحة:

عبر التاريخ في الماضي -والذي يزخر تاريخنا الإسلامي بهن، ومن النابغات في الحاضر أيضًا، ومن القريبات إن وجدن في محيط العائلة أو الوسط الاجتماعي الذي تعيش فيه الفتاة. وتأتي على قمة هذه النماذج أمهات المؤمنين، والقدوات النسائية التي عينها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، قال تعالى: "وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَآمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَبَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِيمِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِيأَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْبِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ" [التحريم:11،12]، وقال صلى الله عليه وسلم: "كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع مريم بنت عمران وآسيةامرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وفضل عائشة على النساء كفضلالثريد على سائر الطعام". كل ذلك يقدمه الوالدان للفتاة مع إبراز جوانب الاقتداء واتخاذ الأسوة الحسنة في تلك الشخصيات.

- متابعة إنجازات المرأة المسلمة المعاصرة:

وذلك بشكل يظهر لفتياتنا قوة المنهج الإسلامي وعزة المرأة المسلمة داخل إطار هذا المنهج، وأنّ التزامها بشرائع الإسلام لا يعوقها أبدًا عن التفوق والإنجاز المتميز الذي تفخر به أمتها، وحبذا لو لُفت نظر الفتاة إلى إنجازات الفتيات في مثل سنها، فذلك أقوى في التأثير والاقتداء ومازالت شبكة المعلومات الدولية والقنوات الفضائية الثقافية الهادفة المهتمة يالشباب تطلعنا كل يوم بما يثلج الصدور من إنجازات جديدة لفتيات في عمر الزهور على المستويات العلمية (خاصة مجال تكنولوجيا المعلومات، والحاسبات)، والأدبية والدعوية والتثقيفية... وغير ذلك، وكثيرات منهن حققن الانجازات وحصدن الجوائز. كما يمكن للوالدين إحضار الإنتاج العلمي والأدبي للمرأة المسلمة، وتقديمه للفتاة لإفادتها منه وحفزها به أيضًا.

- ربط القدوة بجانب الموهبة والابتكار لدى الفتاة:

فالكثير من فتياتنا يتمتعن بمواهب وقدرات كبيرة على الابتكار في مجالات شتى، وهذا مجال جيد للربط بالقدوات الصالحة؛ فإن برعت الفتاة في الشعر فلتكن قدوتها الخنساء - رضي الله عنها -، وإن برعت في الخطابة فقدوتها وافدة النساء وخطيبتهن أسماء بنت يزيد بن السكن، وإن برعت في الخط والزخرفة الإسلامية فهناك شهدة الكاتبة.. وهكذا.

- التدقيق والرقابة على ما تراه الفتاة وتسمعه:

فنحن الآن في زمن السموات المفتوحة، فإذا أهملت الفتاة وتُركت لتتشرب كل ما تشاهده أو تسمعه أو تقرأه من غثٍ وتافه وفاسد؛ فقد تنشأ وقد تبنت نماذج سيئة تحتذيها في السلوك والمظهر خارج النطاق الذي ينبغي أن يُقتدى به. (يوسف رشاد:الأسلوب الأمثل في تربية البنات في الإسلام،ص:71)

- تربية الفتاة على أن تكون قدوة:

والاعتزاز بالدين والثقة التامة في منهجه وأن تكون هي لمن حولها قدوة صالحة ومنارة هدى لمن حولها من فتياتنا الصغيرات؛ فإن إيجاد قدوة للفتيات من بينهن أمر يستحق التخطيط له والحرص عليه، ليصبح لدينا قدوة صغيرة في السن في مجال الدعوة، والالتزام بالزي الشرعي، وفي التفوق العلمي والأدبي.. ويمكن لذلك أن يتحقق من خلال تشجيع وتكريم ذوات الموهبة والقدرة على الانجاز، فالتعزيز الايجابي والتكريم يجعل منهن قدوة تسعى الأخريات للاحتذاء بها والسير على نهجها.

وأخيرًا..

ولنعلم جميعًا أنّ التربية بالقدوة الحسنة هي العماد في تقويم البنين والبنات، بل هي الأساس في نحو الفضائل والمكرمات.

فحرىٌ بنا أن يجد فينا أبناؤنا وبناتنا القدوات الصالحات، حتى لا يضيعوا في متاهات الفساد، وعندئذ تظل مبادئنا الإسلامية وما قدمناه لهم من نماذج حية للصلاح والاستقامة هي أصولهم التي ينتمون إليها وينطلقون منها ليصيروا شموس إصلاح، وأقمار هداية، يستضيء أبناء المجتمع بنورهم، ويتأسون بمحاسن أخلاقهم، ويصدق فيهم قول الله تعالى: "أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده" [الأنعام:90] .

المراجع:

- التربية على منهج أهل السنة والجماعة:د.أحمد فريد

- دور الوالدين في تنشئة الفتاة المسلمة:حنان الطوري

- الصحة النفسية للمراهقين:د.حاتم محمد آدم

- الأسلوب الأمثل في تربية البنات:يوسف رشاد

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 15 سبتمبر 2010
  1. بين الإصرار على حرق القرآن وعقل المسلم أين تقع مساحة الفهم؟تقول العرب الفهم معرفة الشيء .. وفهمت الشيء عقلته وعرفته ولا يشك أحد أن المجتمعات المسلمة تعيش مرحلة من الفوضى الفكرية والثقافية بحد كبير ..!! ومن يتأمل هذه المشكلة يرى أنها لا تخرج عن كونها أزمة فهم .!!! وهذا ناتج عن غياب الوعي وإدراك مشكلأقلام القراء · 9 د قراءة
  2. مصارع الأمريكيين في العراقمايكل أوبراين*/ أنتي وور ترجمة/ شيماء نعمان مفكرة الإسلام : أعلن الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" في خطاب له نهاية الشهر الماضي أن حرب العراق انتهت فعليًا، وهو ما نفاه مسئولون ومحللون أمريكيون رفيعو المستوى، ولكن المفاجأة التي ربما استرعت انتمقالات مترجمة · 5 د قراءة
  3. كيف تجعل تفكيرك إبداعيًا؟ 2مصطفى كريم بعد أن تعرفنا في المقال السابق على مفهوم التفكير الإبداعي والفرق بينه وبين التفكير التحليلي، سنتعرف اليوم على سمات الشخصية الإبداعية. سمات المُبدع: يرى علماء النفس أن هناك سمات أو قدرات تلازم الشخص المُبدع، ويظهر تأثيرها في سلوكهإدارة الذات · 3 د قراءة
  4. 11 سبتمبر والحصاد المرعصام زيدان مفكرة الإسلام : مع حلول الذكرى التاسعة لهجمات 11 سبتمبر 2001 يتكرر الجدل عن الحادثة من زوايا رؤية متعددة، متوافقة في بعض الأحيان، ومتعارضة في أحيان أخرى إلى درجة التناقض المثير للعجب والدهشة. فما زال البعض يوظف الحادثة كعنوان بارمقالات وتحليلات · 5 د قراءة
  5. وفاة الزعيم المصري أحمد عرابيولد أحمد عرابي في قرية «هربة رزنة» بمحافظة الشرقية في مارس 1841م ـ 1257هـ، وتلقى علومه الأولى بكتَّاب قريته وحفظ القرآن صغيرًا، ثم انتقل إلى القاهرة والتحق بالأزهر، ثم ما لبث أن التحق بكلية الضباط، ثم تخرج منها وانضم للجيش المصري، وظل يتدرجحدث في مثل هذا اليوم · 2 د قراءة
  6. في ذكرى سبتمبر..لم ينقطع مسلسل الظلم والحقدالخبر : قامت وسائل الإعلام العالمية بمتابعة فعاليات الذكرى التاسعة لهجمات سبتمبر على امريكا التعليق : بداية يجب أن نقرر هنا حقيقة أصبحت واضحة ، وهي أنه رغم مرور كل هذه الفترة ، ورغم اعتقال المئات وربما الآلاف من المتهمين بالانتماء إلى تنظيمحدث وتعليق · 3 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: مَنْ هِي قُدوَتك؟؟