الحجاب... فتيل الاشتعال السياسي في تركيا

لورا كينج/ لوس أنجيليس تايمز
ترجمة/ شيماء نعمان
مفكرة الإسلام : تطل أزمة دور ما يسمى بالإسلام السياسي مجددًا في تركيا في الوقت الراهن، وذلك عقب الجدل المستعر بشأن قضية الحجاب، حيث يواجه الحزب الحاكم - حزب العدالة والتنمية - أزمة حاكتها أيادي العلمانية قد تؤدي في النهاية إلى إغلاقه وحرمان كبار زعمائه من ممارسة النشاط السياسي.
وتعود الأزمة الأخيرة في أساسها إلى مساعي الحزب من أجل شق صدع في جدار العلمانية التركية العتيدة ومحاولته إلغاء الحظر المفروض على ارتداء النساء للحجاب داخل الجامعات، وهو القرار الذي ربما كان السبب المباشر في اعتباره "مركزًا للأنشطة المناهضة للعلمانية".
وفي محاولة للاقتراب من واقع الحال بين الطالبات الجامعيات في تركيا، وفهم طبيعة الصراع الديني العلماني الذي طالما أرق البلاد، كتبت الصحافية "لورا كينج" في تقرير لها من إسطنبول:
عند البوابات الشاهقة لجامعة إسطنبول، تقول الطالبات: لقد كان يوجد في وقت ما مزيج رحيب بين الشابات اللواتي اخترن تغطية شعورهن كتعبير عن معتقداتهن الإسلامية، وأولئك اللواتي لا تفعلن.
لكن الآن لا يحدث ذلك بل تتراشق النظرات المرتابة والتعليقات اللاذعة. كما ينسحب الطلاب عائدين إلى زمراتهم العلمانية والدينية الخاصة، ما يعطي دلالة على الجدل المثار داخل المجتمع التركي بشأن دور الإسلام في الحياة العامة.
وتقول الطالبة "ياسمين ساجلان": "إننا نشعر بعدم الارتياح معهم، وهم غير مرتاحين معنا"، وأضافت طالبة قسم التاريخ البالغة من العمر 24 عامًا والتي كان شعرها الأسود الغزير بلا حجاب: "إنني لم أكن ضدهم من قبل، لكن الحجاب أصبح رمزًا سياسيًا، وأراه كتهديد".
وكان الانقسام الديني العلماني قد تم الزج به إلى بزوغ دراماتيكي حيث تنظر المحكمة العليا بتركيا في قضية مرفوعة ضد حزب العدالة والتنمية الحاكم، والذي له جذور في الإسلام السياسي.
العلمانية في مواجهة الدين:
ويسعى كبير ممثلي الادعاء في البلاد إلى إغلاق الحزب ومنع عشرات من المسئولين الكبار- من بينهم رئيس الوزراء "رجب طيب أردوجان"، والرئيس "عبد الله جول"- من المشاركة في أية نشاط سياسي لمدة خمسة أعوام. وزعمت صحيفة الاتهام المؤلفة من 162 صفحة والتي أعدها المدعي العام أن الحزب الحاكم يمثل "مركزًا للأنشطة المناهضة للعلمانية"، ويروج لأجندة تتعارض مع المبادئ التأسيسية للجمهورية.
ويصف العديد من المعلقين الطعن القضائي بأنه محاولة انقلاب من قبَل مؤسسة علمانية مدفوعة بهزيمتها في الانتخابات العامة الماضية ضد حكومة منتخبة ديموقراطيًا. إن النزاع القانوني القائم يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه أزمة لتركيا، وبالرغم من أن الأمر قد يستغرق شهورًا قبل حكم المحكمة، فإن هناك بالفعل دلائل حالة من الشلل.
ويقول "إيان ليسير"، وهو باحث بمؤسسة صندوق مارشال الألماني في واشنطن: "بالرغم من كل ذلك، فإن مسار تركيا كان إيجابيًا ... إلا أن عدم الاستقرار لا يزال يضر بالاقتصاد".
وكان ما حفز قضية المدعي العام هو التحرك الذي اتخذه حزب العدالة والتنمية في فبراير الماضي من أجل إلغاء حظر على ارتداء النساء للحجاب في الجامعات.
نقطة اشتعال سياسية:
وتمثل قضية غطاء الرأس منذ وقت طويل نقطة اشتعال سياسية بالنسبة لمواطني تركيا، التي قام مؤسسها "مصطفى كمال أتاتورك"، بحظر الزي الإسلامي في معظم المؤسسات العامة. ولقد كان ذلك واحدًا من الأركان الأساسية في رؤية أتاتورك لجمهورية يشكل المسلمون فيها الأغلبية الساحقة ولكن ذات علمانية راسخة.
وقدم الحزب الحاكم في مطلع مايو الماضي مذكرة قضائية، غير أنه من المحتمل أن يتخذ أردوجان وحلفاؤه خطوات أكثر حدة لدرء حُكم يعتقد العديد من المحللين أنه سيكون في غير صالح حزب العدالة والتنمية. وإحدى الحيل الممكنة أن يسعى الحزب إلى تعديل بالدستور لجعل مسألة حظر الأحزاب السياسية أكثر صعوبة أمام الادعاء.
وعلى الرغم من أن لتركيا تاريخًا في حظر الحركات السياسية التي توصف بـ "الهدامة"، فإن حزب العدالة والتنمية - بالرغم من خلفيته الإسلامية - قد فاز بـ 47% من الأصوات في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في يوليو، مانحة إياه ما وصفه القادة بأنه تفويض للمضي قدمًا في التغييرات التي بدأت عند توليه السلطة في عام 2002.
وكان أحد أهداف الحزب الرئيسة هو المضي قدمًا في محاولة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وقد أعلن الاتحاد الأوروبي أن مساعي الحصول على العضوية ستكون معرضة للخطر بصورة كبيرة إذا ما تم حظر الحزب الحاكم.
ووافقت المحكمة الدستورية بالإجماع في مارس الماضي على الاستماع إلى القضية، ويعتقد العديد من المحللين أنها تميل لإصدار حكم ضد حزب العدالة والتنمية.
وكانت المحكمة، التي أحبطت الأسبوع الماضي تحرك الحكومة من أجل إنهاء حظر الحجاب في الجامعات، قد أصدرت أحكامًا في صالح العلمانيين فيما يتعلق بخلافات أخرى.
وفي حالة تم حله، فإن حزب العدالة والتنمية يمكن أن يعيد تسمية وتكوين نفسه، ويعود على وجه السرعة إلى الساحة السياسية، وإن كان ذلك بدون بعض أبرز قادته. كما يمكن للحزب كذلك أن يدعو إلى انتخابات مبكرة، غير أنه في حال ظلت النتائج كما هي دون تغيير عن الصيف الماضي، فإن تأزم الوضع سيظل مستمرًا.
أما السعي لتعديل الدستور من أجل جعل حظر الأحزاب السياسية أكثر صعوبة يمكن أن يمثل صراعًا صعبًا. حيث تفتقر الحكومة إلى الأغلبية البرلمانية التي تحتاج إليها، وسيكون لزامًا عليها الدخول في تحالف مع حزب قومي أو كردي لتحقيق الفوز.
وكان حزب العدالة والتنمية، وهو حركة منشقة عن حزب إسلامي أكثر "تشددًا"، قد وجه حملته الانتخابية على أساس ما أسماه أجندة "ديموقراطية محافظة" تدور بصورة أساسية حول ضمان استمرار ازدهار تركيا. جدير بالذكر أن السنوات الخمس الأولى للحزب قد شهدت طفرة اقتصادية لم يسبق لها مثيل.
غير أنه عقب وعود قطعها أثناء الحملة الانتخابية بأنه لن يحاول فرض قيم دينية، سرعان ما أثار قضية الحجاب، الأمر الذي أشعل غضب الكثيرين، وخاصة في المدن التركية الكبرى مثل إسطنبول والعاصمة أنقرة حيث يسود بها نمط حياة علمانية أكثر انفتاحًا. فبعض النساء يرتدين أزياء حاسرة، كما أن المواد الكحولية متاحة بحرية في الحانات والمطاعم.
وتقول "زينو باران"، مديرة مركز السياسة الأوروبية - الآسيوية في معهد هدسون بواشنطن: "لا أرى أنه صراع طبقي في حد ذاته، ولكنه من المؤكد أنها قضية أشخاص محافظين دينيًا يريدون أن يناقضوا الشكل المرسوم لمستقبل الجمهورية التركية".