الذكرى السابعة وأكاذيب سبتمبر الثلاثة

محمد كوهين/ آسيا تايمز أونلاين
ترجمة/ شيماء نعمان
مفكرة الإسلام : تأتي الذكرى السابعة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر هذا العام بينما تتأجج المنافسة بين الجمهوريين والديموقراطيين الأمريكيين في السباق إلى البيت الأبيض، وتعلو الأصوات المتشدقة بحماية الأمن القومي و"التصدي للإرهاب"، ويردد الجمهوريين قناعاتهم بأنهم من وفر الأمن للأمريكيين على مدار السنوات السبعة الماضية.
وتحت عنوان "سبع سنوات ... وأكاذيب سبتمبر الكبرى"، قدم الكاتب والدبلوماسي الأمريكي السابق "إليوت كوهين" الشهير بـ "محمد كوهين" رؤيته لما أسماه أكاذيب إدارة بوش، معتبرًا أن ادعاءات الإدارة الأمريكية والمقربين من الرئيس الأمريكي بأنه من أمن حياة الأمريكيين في أعقاب هجمات سبتمبر ليس إلا خداعًا ومحاولة لتجاهل مسئولية الجمهوريين عن وقوع الهجمات.
وجاء في مقال كوهين الذي نشره موقع "آسيا تايمز أونلاين" المعني بتحليلات القضايا السياسية والجيوسياسية والاقتصادية:
لقد أطلقت السيدة، العزيزة، "لورا بوش"، أضخم كذبة عارية من الصحة الأسبوع الماضي أمام المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري الأمريكي، حين قالت السيدة الأولى: "دعونا لا ننسى ... فالرئيس "جورج دبليو بوش" هو من حفظ سلامة الأمريكيين".
سيدتي، إن زوجك وإدارته لم يحفظوا سلامة الشعب الأمريكي. لقد لقي ما يقرب من 3000 شخص مصرعهم في يوم الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، كما قد أصيب أكثر من 6000 آخرين عندما قام خاطفو تنظيم القاعدة باختراق مبنى مركز التجارة العالمي في نيويورك والبنتاجون خارج واشنطن بواسطة طائرات ركاب تجارية. وتصرفت إدارة بوش وكأن شخص آخر كان مسئولاً عن البلاد عندما وقع ذلك.
إنه اللغز السياسي الأكبر في حقبة القرن الحادي والعشرين، بل ربما في التاريخ الأمريكي بأسره: فكيف يتجنب الجمهوريون المسئولية عن أحداث 11 سبتمبر؟ كيف يمكن لهم الاستمرار في ادعاء أن تلك الهجمات الأكثر فتكًا وسام شرف فوق صدورهم، وليست وصمة عار في تاريخهم.
وتُعد تلك الأكذوبة الضخمة التي أطلقتها السيدة بوش هي واحدة من ثلاثة أكاذيب كبرى لطالما كررها الجمهوريون بشأن الأمن القومي المتعلق بالحادي عشر من سبتمبر. لقد استمر التعدي على الحقائق على مدار سبع سنوات، وجاء الفيديو الذي عرضة مؤتمر الجمهوريين للكارثة الأسبوع الماضي ليشير إلى أن ذلك التعدي سوف يستمر. في الوقت نفسه، لا يزال الديموقراطيون الأمريكيون يخشون أن يقولوا إن إدارة بوش ليس لديها ما تعول عليه عندما يأتي الأمر إلى قضية الأمن القومي وذلك خشية أن يتم اتهامهم بتسييس الحادي عشر من سبتمبر، بينما يواصل الجمهوريون تفاخرهم بالمأساة من أجل تحقيق مكاسب حزبية.
إن رفض إدارة بوش الراسخ لتحمل أية مسئولية إزاء الهجمات هو أمر مثير للعجب بكل معنى الكلمة. ولم يحدث أن طُرد مسئولاً رسميًا بسبب فوضى في الأمن القومي أكثر حدة منذ حادثة "بيرل هاربر"، إن لم يكن حادث إحراق البريطانيين للبيت الأبيض عام 1814. ولقد أكدت مستشارة الأمن القومي آنذاك، "كوندوليزا رايس"، أن أحدًا لا يتوقع استخدام "الإرهابيين" الطائرات لضرب ناطحات السحاب، على الرغم من أن مكتب التحقيقات الفيدرالي كان قد درس تلك الاحتمالية في عام 1991. ولكن نظرًا لعدم كفاءة رايس وعدم شفافيتها فإنها قد ترقيت لتصبح وزيرة للخارجية.
وكما هو الحال بالنسبة لغير ذلك من الإخفاقات الضخمة الأخرى في التوقعات، وإعصار كاترينا، وإدارة العراق، فإن إدارة بوش تعتقد أن ممثليها دائمًا "ما يؤدون مهام عظيمة". ولكن في الواقع، فإن الإخفاق في أعلى مستويات الأمن القومي ودوائر الاستخبارات كانت هي من أعدّ المشهد لهجمات 11 سبتمبر، وهو ما لن تعترف به إدارة بوش، كما لم يمثل أحدهم في أي وقت مضى للمساءلة.
وبعدما تفاخروا بأن الإدارة قد حافظت على سلامة الأراضي الأمريكية، تباهى الجمهوريون بأن الولايات المتحدة لم تتعرض لهجوم مجددًا. ولقد تحدث خلال المؤتمر مرشح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة، السيناتور "جون ماكين"، عن هجوم جديد "يعتقد الكثيرين أنه حتمي"، على الرغم من غياب أية رواية موثوقة بشأن مزيد من الهجمات. وفي حين أنه من الصحيح أن الأراضي الأمريكية لم تتعرض لضربات منذ 11 سبتمبر، فإن الاطمئنان إلى ذلك يقوم على منطق خاطيء. أو كما قد يقول "بيل كلينتون" إن الأمر يتوقف على تعريفك لكلمة "مجددًا".
إن نفس الشخصيات التي ترى أن الولايات المتحدة لم تتعرض لضربة أخرى طالما أصروا على أن احتلال العراق سمح للولايات المتحدة بمحاربة "الإرهابيين" هناك بدلاً من محاربتهم فوق الأراضي الأمريكية، دون الالتفات إلى أن العراق لم يكن به "إرهابيين" دوليين قبل الغزو الأمريكي، أو استخدام الجنود الأمريكيين كحملان فداء لإبعاد الأشرار عن القطيع الرئيسي. ووفقًا للمنطق على الأرض هناك، فإن الولايات المتحدة قد تعرضت للضرب 4152 مرة- في إشارة إلى الجنود الأمريكيين القتلى في العراق وفقًا لتقديرات البنتاجون- وهذا العدد منذ 11 سبتمبر وفي العراق فقط.
وقد يجادل البعض بأن الولايات المتحدة قد تعرضت لضربات بمعنى آخر مثل تآكل الحريات الدستورية في الداخل، وتأثر وضع الولايات المتحدة في الخارج (أنظر الكذبة رقم 3). فأي شخص يمر عبر أمن المطارات الأمريكية، أو يحاول إرسال أموال إلى الخارج، أو يتقدم بطلب للحصول على تأشيرة للدراسة وهو يحمل اسمًا مثل "محمد" سوف يرى أن الضربات لا تزال تتلاحق على الولايات المتحدة.
غير أن الكذبة الأكبر في اعتبار أن الولايات المتحدة لم تتعرض لهجمات جديدة منذ 11 سبتمبر تكمن في أنها قد تعرضت، وأنها في الواقع، تعرضت لضربة ثانية في 11 سبتمبر. فتلك الهجمات لم تكن ضربة أولى لعدو مجهول بل كانت إبراز لسلسلة من الهجمات لعدو متفانٍ. إن حرب القاعدة ضد الولايات المتحدة بدأت في مركز التجارة العالمي عام 1993 بمحاولة نسف البرجين عن طريق تفجير شاحنة بالجراج. ثم مضت القاعدة في تفجير سفاراتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا في عام 1998، والمدمرة الأمريكية "كول" في اليمن في أكتوبر عام 2000.
ولكن عندما دخل طاقم الرئيس بوش إلى البيت الأبيض قاموا بتقليص معركة إدارة كلينتون ضد القاعدة، والتي كانت تتضمن هجمات بصواريخ كروز ضد أهداف في كلٍ من الصومال وأفغانستان.
ولقد اطلعت "كوندوليزا رايس"، وكذلك الرئيس "جورج دبليو بوش"، على موجز مذكرة الأمن القومي في أغسطس 2001 التي تحمل عنوان "بن لادن يعتزم هجومًا داخل الولايات المتحدة". وقالت رايس للجنة التحقيق في أحداث سبتمبر: "لم يكن هناك شيئ نشعر أننا بحاجة إلى التصرف بشأنه". وبهذا، تعرضت أمريكا للضرب مجددًا، في نفس البقعة التي ضربتها القاعدة في أول مرة. ولنتذكر ذلك التعبير القديم: إن خدعتني مرة فعار عليك، وإن خدعتني مرتين فعار عليّ.
أما الكذبة الأخيرة بشأن الأمن القومي المتعلق بالحادي عشر من سبتمبر هي المسألة التي تحظى بأكبر ترويج الآن، وهي دعوى الجمهوريين بأن الولايات المتحدة صارت أكثر أمنًا بسبب غزوها للعراق. وهذا أمر خاطيء بعدة معايير.
إن أهم سببين أعلنهما بوش لتبرير غزو العراق كانا: تدمير أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها العراق وإنهاء دعمه لـ "الإرهاب" الدولي. غير أنه قد تبين زيف كلا الافتراضين، حيث أن العراق تحت حكم "صدام حسين" لم يكن يمثل تهديدًا للولايات المتحدة، وأن إسقاط نظامه لم يكن له أثر مباشر يُعتد به فيما يتعلق بأمن أمريكا القومي. ولكن الغزو من منطلق مبدأ الحرب الاستباقية وفي تحدٍ للمؤسسات الدولية وتحت ادعاءات زائفة، علاوة على نشر أكثر من 150.000 جندي على مدى أكثر من خمس سنوات قد أوقع ضررًا بعيد المدى بالأمن القومي.
لقد صرف غزو العراق انتباه الجيش الأمريكي والعالم بأسره عن الصراع الحقيقي ضد تنظيم القاعدة في أفغانستان، كما أعاق توفير البنية السياسية والتحتية لأفغانستان واللازمة لخلق دولة حديثة. في الوقت نفسه، لا يزال "أسامة بن لادن" طليقًا، كما أن القاعدة قد نظمت هجمات في كل من لندن ومدريد، وفوق ذلك حصدت حياة مئات الأشخاص.
إن غزو العراق- هجوم أحادي الجانب على دولة ذات غالبية مسلمة- قد عمل كأفضل وسيلة تجنيد للقاعدة، حيث قدم للعناصر "الإرهابية" من شتى الاتجاهات أرضًا للتدريب، تمامًا كما قدم الغزو السوفيتي لأفغانستان لجيل بن لادن. ولكنك لست في حاجة أن تكون جهاديًا أو حتى مسلمًا لتفقد احترامك لأمريكا بتدميرها للعراق. فبعد أن تمتعت فعليًا بتعاطف العالم في أعقاب 11 سبتمبر، أظهرت استطلاعات الرأي أن مكانة الولايات المتحدة قد تراجعت بعد غزو العراق. إلا أن المعدلات الإيجابية قد بدأت في التحسن حاليًا نظرًا لقرب انتهاء ولاية إدارة بوش.
وليس فقط الأشخاص العاديين هم من لاحظوا تغير أمريكا منذ 11 سبتمبر، بل دولاً بزعمائها قد غيروا من سياساتهم بعد العراق. فكوريا الشمالية وهي أحد أعضاء لائحة بوش لـ "محور الشر" قد أصبحت دولة مسلحة نوويًا خارجة عن القانون الدولي، ولديها القدرة على ضرب أقرب حلفاء الولايات المتحدة في آسيا، وربما كذلك ضرب الأراضي الأمريكية. أما إيران، العضو الثالث في "محور الشر"، فقد أدركت أنه عندما تعلن قوة عظمى أنها سوف تشن حربًا استباقيًا، فإن السلاح النووي هو الدفاع الوحيد ذي المعنى.
ومع إنهاك أمريكا وتشتتها في العراق وتعثرها في أفغانستان، فإن روسيا قد سلطت الضوء مجددًا عن مطامحها. وهي تقوم باستغلال موارد الطاقة لديها وقواتها المسلحة ضد جيرانها، مرددة صدى أيام الاتحاد السوفيتي السالفة. بينما تراقب القوى المحلية الأخرى باهتمام، مدركة أن الولايات المتحدة تفتقر إلى الموارد اللازمة من أجل التصدي للمغامرات العسكرية.
وبينما تواجه الولايات المتحدة كوريا شمالية نووية، وروسيا عدائية، ودين إلى الصين، وسمعة سيئة في معظم أنحاء العالم، ولا تزال تقاتل في حربين في نصف العالم الثاني بعيدًا عن أراضها، فإنه لا مجال لها لتكون أكثر أمنًا مما كانت عليه في مارس 2003، عندما اجتاحت العراق.
لو لم يكن الوضع كذلك، لتمكنت من قبول 11 سبتمبر 2001 كدليل على حماية أمن أمريكا.